الجمعة، 5 أغسطس 2011

"العصاميّون" من عقد النقص إلى جنون العظمة

الممثّل الفرنسيّ لوي دو فونيس في فيلم بعنوان "جنون العظمة"

في كتب اللغة، "العصاميّ" هو من ساد بشرف نفسه لا بشرف آبائه، وكلمة "عصام" ترد في مَثـَل يُضرب في الاستخبار فيقال: " ما وراءك يا عصام؟"، والعِصمة هي مَلَكة إلهيّة تمنع من اجتناب المعاصي أو الخطأ مع القدرة عليه. والمعصوم هو غير المعرّض للخطأ والضلال، والمعتصِم هو من لجأ إلى مكان أو أحد ولازمه حتى يستجاب طلبه.
ولكنّ بعض "العصاميّين" أصيب لجهله اللغة بنوع خطير من جنون العظمة، فاختلطت عليه الكلمات والصفات:
فثمّ عصاميّ رغب في تحقيق نفسه فأنكر آباءه، وتنكّر لنسبه، وأمضى سحابة عمره وهو يعالج عقد النقص التي حملها من طفولته، فحارب فقر والديه بالسرقة، وعالج دونيّته برشق الآخرين بحجارة حقده، وافتخر بأنّه صنع نفسه بنفسه ونسي أنّه أجبر على فعل ذلك لأنّه لم يجد من يصنعه بمحبّة وإتقان وخبرة.
وهناك عصاميّ يعمل في الاستخبار(ات)، يقبض ممّن يدفع أكثر ويبيع كلّ شيء بدءًا من أملاك السماء وصولاً إلى ممتلكات الأرض، يحمل الأخبار لمن يزوّده ويحجبها عمّن لم يفعل، ويسخر من طرفة بن العبد الذي قال على فتوّة عمره: "ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد"، وهل يعقل أن يدقّ أحدهم الشيش بخشيش كما نقول في أمثالنا الشعبيّة، ويأتي بخبر لم يقبض ثمنه؟
وثمّ عصاميّ اعتقد أنّ صفته المنتحلة منحته العصمة الإلهيّة، فهو معصوم عن الخطأ والضلال، فما يقوله حقّ، وما يفعله صواب. وهذا يعني طبعًا تكفير كلّ من يعارضه أو يناقشه أو يشكّك في دعوته السماويّة أو توجّهاته السياسيّة أو تقلّبات أهوائه. ونسي أنّ العصمة ليست بيده، ومهما فعل فلا يستطيع تطليق ماضيه وستبقى الحريّة التي يهبها له الآخرون عارًا عليه.
وثمّ عصاميّ ظنّ نفسه المعتصم بالله فهبّ لنجدة النساء اللواتي صرخن: وامعتصماه، وحين قيل له أنّ فتوحاته لا تشبه بشيء فتح عمّوريّة، ولن يجد في طبيعة الحال شاعرًا كأبي تمّام يؤرّخ انتصاراته، أعلن نفسه شاعرًا وراح يمدح أعماله ويفتخر بإنجازاته ويهجو طواحين الهواء التي خيّل إليه أنّها تحاربه.
*****
مشكلة هؤلاء "العصاميّين" أنّهم لا يحسنون بناء أنفسهم إلاّ على أنقاض ما بناه الآخرون فيرفعون عليها هياكل لتمجيد ذواتهم، ومن حجارتها المهشّمة يرفعون الأسوار ليختبئوا خلفها ممّن يعرف ماضيهم أو كان شاهدًا على بداياتهم أو مدّ لهم يد المساعدة في لحظة مصيريّة من مسيرتهم.
وهم إلى ذلك عصيّون على العلاج، يعصون أوامر أسيادهم حين تتاح لهم الفرصة ولا يدركون ثقل المعاصي التي يرتكبونها في طريقهم إلى المجد. وجنون العظمة الذي يعمي بصائرهم يصوّر لهم أنّهم رجال أشدّاء، وقدّيسون أتقياء، ومفكّرون حكماء، فيسترسلون في إقناع أنفسهم بأنّ خلاص البشريّة لن يأتي إلاّ على أيديهم، وأنّ وحدة الوطن لن تتحقـّق إلاّ بجهودهم، وأنّ إصلاح المجتمع لن يتمّ إلاّ من خلال أفكارهم. وهم إلى ذلك لا يكتفون بما يعتبرونه إنجازات محليّة ضيّقة فيعمدون إلى مدّ بساط طموحهم إلى بلاد الآخرين، فيعملون على تحرير بلد من محتلّيه، ويخطّطون لقلب نظام في بلد آخر.
ولكن متابعة بسيطة لمسيرة هذا النوع ممن يحلو لهم حمل لقب "العصاميّين" تبيّن في وضوح التناقضات في مواقفهم، والتقلّبات في مبادئهم؛ لذلك تراهم ينساقون خلف التيّارات ولا يعاندونها، ويقحمون أنفسهم في الصفوف الأماميّة لينسوا أنّهم كانوا إلى حين غير منظورين، ويسعون إلى النجاح لا لخدمة المجتمع ولا لتحقيق طموح بل طمعًا في أن يظهروا لمن نبذهم في بداية مسيرتهم أنّهم ناجحون. ولكنّهم لا يعلمون.

الخميس، 4 أغسطس 2011

منير أبو دبس والمسرح اللبناني الحديث


منير أبو دبس

مشهد من أعماله
صحيفة الحياة، الأربعاء، 27 يوليو 2011
ماري القصيفي
صدر عن دار نلسن كتاب «منير أبو دبس والحركة المسرحيّة في لبنان 1960- 1975» لخالدة سعيد، وفيه كثير ممّا سبق ان نشرته الناقدة في كتابيها «الحركة المسرحيّة في لبنان» و «الاستعارة الكبرى في شعريّة المسرح» عن هذا المخرج الرائد ومساهمته الكبرى في تلك المرحلة الذهبيّة من تاريخ المسرح اللبنانيّ.
وتعود أهــــميّة الكـــتاب إلى أنّه يجمع بين دفّــــتيه (175 صفحــــة من القطـــع الصغير) ما تفرّق من معلومات في المرجعين الكبيرين المذكورين، ويشكّل مادة لا غنى عنها للمهتمّين بالمسرح اللبنانيّ عموماً أو بتلك الحقبة الفنيّة الخصبة.
يثير الكتاب، اضافة الى ناحيته العلميّة التوثيقيّة، حنينًا إلى لبنان لم نعرفه نحن الذين ولدنا مع الحرب، غير أنّنا نجده حاضرًا بقوّة في كتب تعيد قراءة تلك المرحلة، عبر الرواية والنقد والتأريخ. ولكنّه الحنين المشوب بكثير من الأسى بسبب العنف الذي قصم تلك البدايات الواعدة فأجهضها وكانت تعد بالكثير، علمًا أنّ جزءًا كبيرًا من ثقافتنا وحركتنا الفنيّة المعاصرة لا يزال يعتاش من تلك السنوات السمان، وغالبًا ما يعود ليرشقها بحجارة التنكّر والتجاهل. أمّا ملامح ذلك اللبنان وفق سيرة منير أبو دبس المسرحيّة فيمكن التعرّف عليها من خلال بعض العلامات الفارقة، وهي:
أوّلاً: الجمع بين الثقافات وصهرها في ما يلائم الواقع اللبنانيّ، فلم يسع أبو دبس إلى لبننة الأعمال العالميّة كما يحصل الآن ولم «يحاول أن يوجّه الاقتباس بحيث يصير النصّ معاصرًا أو ينطق بقضايانا وموضوعاتنا... فجلب المؤلّف إلينا هو في نظره إلغاء لحقيقته، كما أنّه إلغاء لسفرنا نحوه عبر إبداعه» (ص75).
ثانياً: المستوى الراقي للممثّلين والجمهور الذي كان نخبويًّا في طبيعة الحال بسبب نوع النصوص المسرحيّة المختارة ولغتها المشغولة بالعربيّة الفصحى التي عمل عليها تأليفًا أو ترجمة أو اقتباسًا أنطوان معلوف وأنسي الحاج وأدونيس وخالدة سعيد وسواهم.
ثالثاً: اعتبار المسرح مكانًا ذا قدسيّة معيّنة تتطلّب طقوسًا خاصّة لا يجوز الإخلال بها أو إهمالها، وذلك يعني الالتزام والاحترام والاهتمام بأدقّ التفاصيل، وهنا تلفتنا العناية التي كانت تعطى للكرّاس الذي يوزّع على الجمهور، وهو أمر يستحقّ دراسة تعالج تاريخ المسرح وتطوّره أو انحسار دوره من خلال الكرّاسات نوعًا وحجمًا ومضمونًا وقيمة توثيقيّة.
رابعاً: الالتفاف حول مسرح منير أبو دبس بدءًا من لجنة مهرجانات بعلبّك، فحين سألت سلوى السعيد رئيسة لجنة الفولكلور عهد ذاك الشابّ العائد من فرنسا: ماذا تطلب أو ماذا تشترط لكي تبقى وتعمل في لبنان، كانت مرحلة جديدة من تاريخ المسرح اللبنانيّ تبدأ، إذ أصبح أبو دبس «أوّل مسرحيّ لبنانيّ، بل أوّل مسرحيّ عربيّ، يربط بين العمل في المسرح وبين تأسيس مدرسة» (ص 44). ولم تبخل الصحافة على «معهد التمثيل الحديث» بالتشجيع، وكذلك ساندته نخبة من المثقّفين كميشال أسمر مؤسّس الندوة اللبنانيّة والشاعر جورج شحادة، وسياسيّون ككمال جنبلاط وأمين الحافظ.
خامساً: الاهتمام باللغة العربيّة، فأبو دبس كان مسحورًا باللغة العربيّة الفصحى وموسيقاها وحضورها الاحتفاليّ، فضلاً عن أنّه قادم من قلب الحركة المسرحيّة الأوروبيّة (ص7). ومع أنّ النخبة المثقّفة لم تكن تثق بإمكان قيام مثل هذا المسرح باللغة العربيّة (ص9)، إلّا أنّ أبو دبس ربح الرهان واستطاع أن يضع حجر الأساس لمسرح استفاد من التجارب الغربيّة الحديثة في الأعمال الكلاسيكيّة وأوصلها إلى النخبة المثقّفة اللبنانيّة بلغة عربيّة صافية.
في تمّوز (يوليو) 1970 تقرّر إقفال المعهد بعدما انفصل أبو دبس عن لجنة مهرجانات بعلبّك الدوليّة، وكانت خلافات في الرأي وأسلوب إدارة الفرقة أبعدت مسرحيّين واكبوا البدايات، وعلى رغم أنّ منير أبو دبس قدّم بعد ذلك بين لبنان وفرنسا أعمالاً مســرحيّة متبـــــاعدة في الزمــــن ونــــشر كتبًا باللغة الفرنسيّة، إلّا أنّ الحرب اللبنانيّة هي التي ستقفل عمــــليّاً الستارة على عهد مسرحيّ راق لن يعود في طبيعة الحال غير أنّه يستحقّ التأمّل فيه والتعلّم منه، ولذلك كان ضروريًّا أن تولي دار النشر إخراج هذا الكتاب وطباعته وصوره ومراجعته اللغويّة عناية كبيرة تليق بالمضمون.

الأربعاء، 3 أغسطس 2011

أناشيد الصراع


مونيه
رندحت المرأة لنفسها:
ينمو في رحمي جنين من برج السرطان.
يشرب من دمي
يأكل من لحمي
يتمدّد في جسدي
وينمو على حساب صحّتي.
حملت به وأنا لم أعرف رجلاً
ولم يبشّرني به ملاك
وعوضًا عن أن أضعه بين يدي الحياة
كما تفعل الأمّهات
رماني هو بين براثن الموت
كأنّي لست أمّه
وليس هو طفلي الوحيد.
*****
قال له الطبيب: أنت مصاب بالمرض الخبيث.
سأله المريض: وهل هناك أمل.
أجاب الطبيب بعد تردّد: فليكن إيمانك قويًّا.
في الطريق إلى المنزل قام الرجل بعمليّة حسابيّة بسيطة فاكتشف أنّ المسكّنات التي وصفها له الطبيب ستحرم أطفاله من وجبة طعام كلّ يوم، ومن ثياب جديدة على العيد، ومن الذهاب إلى المدرسة. وفجأة صار الرجل شاعرًا.
وصل إلى بيته، كتب رسالة يودّع فيها أطفاله وزوجته ويوصي أخاه بالاهتمام بالعائلة، ثمّ أطلق رصاصة على السرطان المقيم في رأسه. فزال الألم.
******
ثلاث فتيات صغيرات مصابات بالسرطان، والصبيّ الوحيد في العائلة على لائحة الانتظار. ماتت الفتاة الأولى، تعبت الأمّ من العلاج والبكاء والكلام والفقر والمرض والمعاملات الإداريّة في المستشفيات والمؤسّسات الاجتماعيّة والإنسانيّة، صعدت إلى سطح المنزل ورمت نفسها، فطارت إلى حيث الصمت.
******
ينتشر مرض السرطان بيننا كما ينتشر في جسم كلّ مريض: بخبث ولؤم وحقد. الأطفال الذين يعتمرون القبّعات ليخفوا صلع رؤوسهم صاروا أكثر من شهداء حروبنا الأهليّة ومع ذلك لا يرد ذكرهم في خطابات السياسيّين. هل هي قبّعات الإخفاء التي ورد ذكرها في الحكايات يختفي من يضعها على رأسه ليهرب ويعيش كما يحلو له؟ لماذا لا نجمع الشعر المتساقط على أكتافهم النحيلة ونضعه في أكياس من ملاءات بيضاء بلون المرض ونصنع وسائد ترتاح عليها رؤوس حكّامنا وقادتنا وزعمائنا؟ لماذا لا نجمع دموع الأمّهات ونصنع منها أسرّة مائيّة متراقصة يتمدّد فوق سخونتها أمراؤنا وملوكنا ورؤساؤنا المصابون بصقيع القلب؟ لماذا لا نصنع من حرقة الآباء جمرًا يكلّل أراكيل نوّابنا ووزرائنا ورؤساء أحزابنا؟
هل جلستم يومًا مع طفل مصاب بالسرطان؟ هل استمعتم يومًا إلى صمت مراهقة مصابة بالسرطان؟ هل استطعتم الإجابة على أيّ سؤال من أسئلة الصغار الذين جعلهم المرض الخبيث كبارًا قبل الأوان؟
******
صرخت الطفلة المريضة وهي خائفة: ما تكبّوني، ما تكبّوني (لا ترموني، لا ترموني). بكى الجميع وقال لها من استطاع الكلام: لن نفعل، لا تخافي، وهل يعقل أن نرميك؟ بكت الطفلة وقالت: ولكنّي أعذّبكم.
آه يا طفلتي الصغيرة، لو تعلمين كم تعذّبيننا لأنّك تتعذّبين، ولأنّك خائفة، ولأنّك مريضة، ولأنّك نحيلة، ولأنّك طفلة، ولأنّك صغيرة، ولأنّك حائرة، ولأنّك عاجزة، ولأنّك موجوعة.
آه يا طفلتي الصغيرة، لو تعلمين كم يعذّب بكاء الأطفال، وكم تدمي القلب علامات الاستفهام المرسومة في عيونهم الصفراء، وكم يجرح الروح نحول أجسامهم القاطع كحدّ الخنجر.
******
أمام الأطفال المرضى، والآباء الذين يفضّلون الموت على العلاج المكلف، والأمّهات اللواتي ينتحرن من ثقل الهمّ وثقل المسؤوليّة وأنين الألم، أمام كلّ ذلك، لا أعلم أيّ شيء يستحقّ أن نتقاتل من أجله؟ ومن أجل أيّ واحد منهم نتشدّق بأنّنا نسعى لبناء الوطن؟

مريض درجة ثالثة

معارض للمرضى أم مستشفيات؟
مرضى في عهدة نجوم المجتمع
لكلّ عصر مرضى من درجة أولى

في العالم ما لا يحصى من المشاهد اللاإنسانيّة، غير أنّ المرض يضعك على تماس مع أكثر ما في كرامة الإنسان هشاشة. فحين تسألك الحضارة الحديثة عن مرتبتك كمريض، أمن درجة أولى أو ثانية أو ثالثة، تكتشف أنّ المسافة لا تزال طويلة قبل تحقيق المدينة الفاضلة، أو قبل أن تمتلئ الأرض عدلاً وإنصافًا، أو قبل أن تصير الأرض صورة عن ملكوت السماوات.
إذا كان المرض، وهو ما هو عليه من القسوة والظلم، لا يميّز بين غنيّ وفقير، فكيف يفعل العلاج ذلك؟ وهل نتيجة الحضارة والتمدّن أن تميّز المستشفيات بين مريض ومريض، لا تبعًا لحرج حالته، بل لمستواه الاجتماعيّ. ولو حُصر الأمر في الكماليّات لهان الأمر، ولقلنا ما يقوله المثل اللبنانيّ: اللي بدّو يعمل جمّال بيعلّي باب الدار، وبمعنى آخر من يريد أن يعتبر المستشفى فندقًا ذا نجوم وأقمار وكواكب فهذا شأنه وعليه أن يدفع الثمن، على أمل أن يُدفع هذا الربح لعلاج المعوزين. لكن عندما يصل الأمر إلى مستوى الأطبّاء، ونوعيّة الطعام، وطريقة المعالجة، والخدمة التمريضيّة، والنظافة، وتصنيع الأدوية، وأدوات الجراحة، نقول عندما يطال التمييز كلّ هذه الأساسيّات، نعي أنّ العدالة الإنسانيّة لم تتحقّق بعد حتّى في البلدان الراقية، أو على الأصحّ في تلك التي تدّعي ذلك.
يظنّ القيّمون على المستشفيات أنّ المريض عندما يطلب غرفة بسرير واحد إنّما يفعل ذلك كبرياء وتعاليًا، غير أنّ الواقع الإنسانيّ يفرض أن يكون لكلّ مريض غرفة خاصّة من دون أن يعني ذلك أن تتحوّل الغرفة جناحًا من عشرات الأمتار، يتوزّع على غرف نوم وصالات استقبال وتوابعها. فالخصوصيّة، وعلى وجه محدّد، عند المرض والألم، حقّ يجب أن يحصل عليه كلّ مريض، مهما كان وضعه الاجتماعيّ ومستواه الماديّ، هذا فضلاً عن الجانب الصحيّ والنظافة وهما من أسس العلاج ومنع انتقال الأوبئة. عدا عن أنّ المستشفيات لا تراعي الحالات المرضية التي تتجاور في غرفة واحدة، ولا تنتبه إلى الأذى المحتمل عند استعمال غرفة خلاء واحدة في مكان تكثر فيه الجراثيم والميكروبات، وتختلف فيه كذلك طريقة تعامل الناس مع مرضاهم ومع عائديهم خلال محنتهم.
من المعروف أنّ الإنسان يكون في أكثر حالاته عرضة للضرر المعنويّ والجسديّ عندما يرزح تحت صليب الألم، ولذلك من الواجب مراعاة هذين الجانبين، من دون أن يشعر أيّ مريض بأنّه أدنى مستوى من غيره، كأن لا يكفي جور الدهر عليه، حتّى يأتي الاستشفاء ليضيف إلى معانياته معاناة. فهل تتصوّرون الحالة النفسيّة لمرضى اكتشفوا أنّ خبيرة التغذية في المستشفى لا تزور مرضى الدرجتين الثانية والثالثة، وأنّ ملاءات الأسرّة لا تستبدل في غرفة مرضى الدرجة الثالثة إلاّ مع نهاية مرحلة الاستشفاء، وأنّ الممرّضة وبّخت مريضة في الدرجة الثانية لأنّها لوّثت غطاء السرير وهي تنزف، وأنّ وجبة الطعام لمريض الدرجة الأولى تشبه ما يقدّم في مطعم فاخر إن من حيث الأواني أو من حيث النوعيّة، وأنّ الممرّضات المجازات من أفضل الجامعات موجودات في طبيعة الحال في جناح الدرجة الأولى؟
وأرجو ألاّ يكون الجواب على هذه الملاحظات عند بعض الناس أنّ ثمّة أماكن في العالم يموت فيها الناس على الطرقات، ولا يجدون ركنًا يأوون إليه، وأنّ الدرجتين الثانية والثالثة أفضل من الشارع والزقاق. والجواب البسيط على هذا التبرير أنّ أنصاف الحلول تبقي أنصاف المشاكل، وبالتالي حين يتساوى الناس في الدول الفقيرة، لن نتوقّع ثورة اجتماعيّة، غير أنّ الثورة تكمن في النفوس حين يراقب الفقير جاره الثريّ وهو ينعم في ما يفيض عن حاجته في حين يحرم هو من أبسط حقوقه.

الأحد، 31 يوليو 2011

حين كانت "عاليه" مصيفًا يختصر لبنان



"المتّي" الشراب الساخن المفضّل في منطقتي عاليه والشوف

فقدت مدينة "عاليه" الكثير الكثير من وهجها منذ أن مرّت الحرب في شوارعها وأقام الحقد في بيوت أهلها المهجّرين، وتحوّل "بيسّينها" مستنقع دم تختنق فيه صداقات الأمس وجيرة العمر.

أنا الآن لا أعرف "عاليه" التي عرفتها طفلة ومراهقة وشابّة. لا أعرف أحدًا فيها، لا أعرف كيف صغرت قصورها وضاقت شوارعها وقصرت قامات أبنيتها. هل تشيخ الجدران كما يشيخ البشر؟
في "عاليه" عرفت الصداقة التي ظننت أنّها لا تغدر، والحبّ الذي آمنت بأنّه لن يزول، والسياسة التي لا تعرف التحجّر والتقوقع، والجيرة التي لها صباحًا رائحة القهوة بحبّ الهال، وعصرًا طعم قرعة "المتّي" الدوّارة من يد إلى يد. (هل تشبه سياسة وليد بك قرعة "المتّي"، متى فرغت من عصيرها أعادها إليك لتملأها؟)
ما لنا والسياسة ووجع الرأس؟
في "عاليه"، تعرّفت على العرب الذين يأتون عائلات عائلات ليقيموا في قصور يملكونها أو يستأجرونها من لبنانيّين فضّلوا الذهاب إلى أوروبا.
في "عاليه"، حصلت على أوّل قبلة، وشاهدت لأوّل مرّة في السينما فيلمًا مصريًّا وكان لفريد الأطرش (العصبيّة الدرزيّة؟ نوعًا ما! لقد تحمّست جدّتي لاصطحابي إلى السينما بعدما أخبرها جيرانها (الدروز؟) عن الفيلم وأشادوا به)، وتحرّرت لأوّل مرّة من سلطة الوالدين لأمارس دلالي على جدّين عجوزين. ألست أولى الحفيدات؟
حين أمرّ في الشارع الذي أحفظ تفاصيل دروبه وحجارة فيلاّته وقصوره وأبنيته، أكتشف كم تغيّرت الأمور. أحاول أن أبحث عن الماضي في منزلّ جدّي العتيق فلا أجده، أحاول أن أستعيد رائحة خبز الصاج فأعجز، أحاول أن أتنفّس فأختنق.
كانت "عاليه" مصيفًا للنخبة البيروتيّة والعربيّة، وكانت الحياة عندما تنفجر فيها مع أوائل الصيف تعد بتدفّق الفرح في شرايين المدينة الخارجة من تحت لحاف الثلج. الازدحام والحركة اللذان عرفتهما "عاليه" بعد الحرب لا علاقة لهما بالحياة التي كانت فيها قبل ذلك. ثمّة عطر ناقص، ثمّة نكهة ناقصة، ثمّة لمسة ناقصة، ثمّة جوهر ناقص.
من لم يعرف "عاليه" عهدذاك لن يفهم إن قلت إنّها كانت هي التي تشبه لبنان ما قبل الحرب لا بيروت. وأعتقد أنّ كتابة تاريخ هذه المدينة من الناحية الاجتماعيّة والسياسيّة والفنيّة سيكشف الكثير عن دور هذه المدينة في تاريخ لبنان.
ولكن من يفكّر في التاريخ وعلم الاجتماع والموسم موسم أراكيل ومصطافين وعابري مقاهي؟

الاثنين، 25 يوليو 2011

النساء والأزمة الاقتصاديّة

إيل ماكفرسون: عارضة أزياء وسيّدة أعمال
سيّدة أعمال منهمكة


من لا يملك مالاً لا يخاف من الأزمة الاقتصاديّة، ومن لا يعمل لا يخشى البطالة، ومن لم يعتد حياة الرفاهيّة لا يزعجه أن ينام في العراء. ونحن، والحمد لله - أقصد في عالمنا العربيّ – وضعنا ثرواتنا في أيدي مجموعة من الناس اختارت أن تتحمّل عنّا هموم البورصة وتقلّبات الأسعار وانهيار الأسواق الماليّة وخسارة الأسهم، أمّا نحن الأكثريّة الساحقة أو المسحوقة – لا يهمّ – فقد ارتحنا من هذه الهموم وانصرفنا إلى مسائل وجوديّة أكثر أهميّة.
ومع أنّنا لا نملك أسهمًا ولا عقارات ولا ودائع مصرفيّة لا يسعنا إلاّ متابعة ما يجري في هذا العالم، على الأقلّ لإرضاء فضولنا العلميّ ومواكبة مجريات الأحداث. ولذلك علمنا أنّ التقرير السنويّ لمنظّمة العمل الدوليّة يتوقّع أن تؤدّي الأزمة الاقتصاديّة إلى زيادة نسبة النساء العاطلات عن العمل إلى 22 مليونًا في العالم في عام 2009، مع العلم أنّ التقرير يذكر أنّ عدد النساء العاطلات عن العمل في العام 2008 كان 1,2 بليون امرأة من أصل 3 بلايين شخص في العالم. ونستطيع أن نستنتج بناء على هذه الأرقام أنّ أمورًا كثيرة ستتغيّر نتيجة لذلك، سترتفع مثلاً نسب الانتحار والإدمان والأمراض والانهيارات العصبيّة، وفي طبيعة الحال، وكما يحصل بعد كلّ حرب أو نكسة أو أزمة، سترتفع كذلك نسبة الدعارة، لأنّ النساء اللواتي اعتدن تحصيل المال لن يستطعن القبول بالمتغيّرات المفروضة عليهنّ وسيلجأن إلى مختلف الأساليب للإبقاء على الحدّ الأدنى من مدخولهنّ.
لقد أجبرت الحياة العصريّة النساء العاملات، وخصوصًا في الشركات الكبرى والمصارف والمؤسّسات الماليّة على اتّباع نمط حياة مترف ولو بالدَين. وصارت المرأة في هذه القطاعات مجبرة على الالتزام بصورة نموذجيّة متكاملة وكاملة الصفات تحتّل الكماليّات مساحتها الواسعة: شقق فخمة وسيّارات حديثة وأزياء أنيقة ومجوهرات ثمينة وعمليّات تجميل وتلبية دعوات اجتماعيّة ورحلات سياحيّة، وكلّ ذلك بالتقسيط المريح والفائدة العالية. وهذه المرأة العصريّة التي جاهدت طويلاً لتحقيق ذاتها في العمل ولإثبات وجودها كعنصر فاعل في المجتمع لن ترضى بالتخلّي عن مكتسباتها بالسهولة التي يظنّها النظام الاقتصاديّ الجديد، وبالتالي ستحاول التمسّك بما امتلكته بدءًا من الحريّة التي حقّقتها في حياتها الشخصيّة وصولاً إلى الاكتفاء الماديّ لا بل الثراء الذي جعلها كائنًا مستقلاًّ لن يرضى بالعودة إلى زمن العبوديّة.
ومن جهة ثانية، يفرض واقع المرأة البيولوجيّ على المؤسسّات والشركات التي تجد نفسها مجبرة على صرف القسم الأكبر من موظّفيها أن تضع النساء في أعلى القائمة. وقد تبدو الأسباب عنصريّة وغير مقبولة إلاّ أنّها عمليًّا وفي حساب الربح والخسارة حجّة في أيدي أرباب العمل وربّاته إذا جاز القول، أي حتّى ولو كان القيّمون على العمل نساء أيضًا: فمشاكل الحمل والأمراض النسائيّة وعطل الأمومة وأمراض الأولاد ومشاكل سنّ اليأس ورعاية الوالدين المريضين وصعوبة التوفيق بين العمل والواجبات المنزليّة، كلّها التزامات مشروعة ومحقّة وطبيعيّة إلاّ أنّها في ميزان الحسابات تؤثّر سلبًا على أداء المرأة الوظيفيّ، ما يجعلها أكثر عرضة لقرارات الصرف ما دام الوضع الاقتصاديّ على شفير الهاوية. ومن سخرية الوضع أنّ النساء اللواتي يتمّ إنقاذهنّ أوّلاً عند الكوارث الطبيعيّة، مع الأولاد والعجزة والمرضى، هنّ اللواتي يتمّ التخلّص منهنّ الآن لينجو الوضع الاقتصاديّ من الغرق.
الفساد الأخلاقيّ الذي كان السبب في الأزمة الماليّة سيولّد فسادًا من نوع آخر سيفكّك العائلات ويشرّد الأولاد ويدفع بالنساء والرجال إلى خيارات قد لا تخطر في البال وكلّ ذلك في سبيل ما يظنّونه حبّ البقاء، ولكن ليس على قيد الحياة كما يفترض أن يكون عليه الأمر بل على قيد فترٍ من مستوى اجتماعيّ مخادع كسراب في صحراء.

الأحد، 24 يوليو 2011

رسالة أخيرة ككلّ سابقاتها


منطقة عمّيق - لبنان


كلّ رسالة كتبتها إليك كانت الرسالة الأخيرة.
وفي كلّ واحدة منها وداع ووعد بعدم الاتّصال وعدم الكتابة وعدم الردّ على الهاتف وعدم انتظار الرسائل عبر الهاتف أو البريد الإلكترونيّ. ولكن كلّ هذه الوعود بعدم فعل شيء كانت توقعني في العدم الحقيقيّ، في الفراغ، في الموت كأن لا هواء خارج هذا الانتظار، كأن لا حياة.
وكنت أعرف، وكنت تعرف أنّني لن ألتزم بوعودي ولن أنفّذ تهديداتي، لا لأنّني عاشقة تبحث عن حبيب، ولا لأنّني مشتاقة أحتاج إلى إشباع حاجتي من الآخر، ولا لأنّك إنسان لا يستغنى عنه من حيث الكرم والجمال والحنان، بل لأنّني أحبّ أن أخبرك ما خطر على بالي.
هكذا بكلّ بساطة أتصل بك عندما تخطر على بالي فكرة ما: مشروع نزهة أو مشروع كتابة أو مشروع ثورة، ولكن المهمّ أنّك وحدك من أرغب في إشراكه في الأمر.غالبًا ما كنت لا تجيب لانشغالك في عمل ما أو لوجودك مع أحد الأشخاص، ولكنّك كنت تعرف أنّ "جنونًا" ما في طريقه إليك، وأنّ إلحاحي في الاتّصال يعني أنّ الفكرة رائعة كما أصف أفكاري دائمًا ولا تحتمل التأجيل كي لا يبهت لمعانها ورونقها ويمرّ أوان نشرها.وغالبًا ما كنت تسخر أو تضحك أو تغضب لأنّني لجوجة لا أطيق الانتظار ولا أقبل النقاش، ولكنّني لم أكن أصغي إلى ما تقوله أو تفعله. كنت أسترسل في عرض فكرتي كطفلة تتباهى في ثوب العيد أمام رفيقاتها، وأشبعها شرحًا وتفنيدًا وتحليلاً كأنّك تلميذ لن يفهم الدرس من المرّة الأولى.وعندما كانت الأمور تحتدم وترفض مشاركتي في فكرة جميلة من أفكاري كنت أقرّر أنّك لا تستحقّ نعمة ذكائي وبالتالي لن أتصل بعد اليوم ولن أكتب إليك وستكون هذه المرّة الأخيرة التي نتكلّم فيها. وكنت دائمًا أنجح في عدم احترام قراراتي.
******
يا صديقي العابر، في معاركي اليوميّة، الدونكيشوتيّة ربّما، يبدو أن لا مكان لك ولا دور.أنت تريد ثورة لا يتّسخ فيها قفّازاك الحريريّان الأبيضان لا من الحبر ولا من الدم.وأنا؟... يغلي الدم في عروقي ويفور الحبر في قلمي. وعندما أكلّمك عن كلّ ذلك يصيبني الإحباط لأنني أشعر بطعم الهزيمة وأنا ما زلت أطلق فكرتي الأولى.
بربّك قل لي من أين لك كلّ هذه القدرة على إحباط العزائم، وتقويض الانتصارات، وتشويه الحقائق، وتنفيس الاحتقان، وعرقلة الثورات؟ ومن أين لك هذه الصلابة في الصمود أمام محاولات التغيير والتجديد والتحديث؟
مشكلتي معك أنّني أعرف أنّ فيك القوّة التي لو فعلت لغيّرت وجه التاريخ ولكنّك تطمرها تحت أطنان من الابتسامات المهذّبة، واللياقات الاجتماعيّة، وأحاديث المجاملة، والمواقف الرماديّة الباهتة. ومع أنّي أعرف كلّ ذلك ما زلت أقبع على سفح بركانك الخامد وأنتظر فورة مفاجئة يحرّكها غليان ما.

الخميس، 21 يوليو 2011

Iron masks - Marie Kossaifi - Translated by Linda Eid


Marie Kossaifi

سقوط الأقنعة الحديديّة

Translated by Linda Eid

A Mask drops every day from a face, so you think that face will finally look the way it really is, but the truth is deeper than to be reached with the naked eye, because every mask hides another mask in a silly and slow and endless game. Every day, we discover that the naked face is more embarrassing than the naked body, because it holds the truth of the creature that exists behind that interface, decorated differently with every occasion, and with a different gown with each season.

However, when the iron mask drops it is hard for a persono not to hear the sounds of it banging and claning on the floor, or not to see the face hiding behind and how much it has taken from the rigidity of the iron that stuck against it for a lifetime. When other masks fall it is another case; some fly like feathers and cotton, and some are torn apart like old paper, and others are folded and wrapped. But the Mask of Iron is different, it does not fall on its own, but requires special equipment and methods of treatment which are not required for others, and requires time and patience and expertise, but the sound of it falling and rolling on the ground it worth all the time needed to lift its rusted joints from what the days have left on it.

The Iron mask is both thick and heavy and it disturbs its holder, but it remains a lighter weight for him to keep rather than looking in a mirror that reflects the true image of his face. And the longer he hides behind it the more he hates it, and the more he hates it the bigger is his desire to take cover by it, and days pass and he is spinning in this vicious circle empty from everything but his empty days.

Are we at the stage of the fall of the iron mask? Perhaps the era of globalization and speedy spread of information through the media helped to break down some of the sculptures and removed masks off the faces of many, but the nature of human is intertwined with fear and it refuses to take off what it thinks is its fence and defense, with fear of becoming vulnerable. And as soon as one mask falls another one is made up, and we may spend all our lives with people who we would not know for what they truly are even if we thought the opposite. This is why it seems those people who are "real/authentic" are very rare.

"Fakes" are the ones who put their masks hiding their truths, even if they were good (and that is the extreme malice and hypocrisy). While "real" people show themselves in the light of day as they are: mean-spirited or selfish or arrogant or cynical, or perhaps the opposite, but they do not fool us nor "weaken themselves" while they are strong, they pretend courage while they are afraid, do not play the romantics while their hearts are ponds full of dirt and filth. You trust them, and you feel you know how to deal with their good deeds and bad deeds, but the "Fakes" they are the others who sting you when you do not expect.

There is something repugnant in the “fakes”, that makes me feel that they come from other planets, gray and dead, or as if they were sticky creatures with unpleasant appearance, or as if they were heavy creatures disfiguring earth and ruining the beauty of its nature, or as if there is a big gap between their inside and their outside. The "fakes" resemble each other in a monotonous and boring way, they do not have passion nor recklessness nor romanticism. They wear the same iron masks, made in the same mold, painted with the same color, and they move according to the same rhythm, and they don’t surprise us. Oh my God, how ugly “fakes” are and how many they are! However,sometimes, in moments of fatigue from my existence, I wish that those iron masks would stay on the faces of their holders, for they, despite their ugliness and coldness and the absence of most of their features, they remain a thousand and thousand times, more beautiful than what you discover behind them.

الاثنين، 18 يوليو 2011

الحاجة أمّ الاختراع والفقر أبوه



يوم تضيق الدنيا بالإنسان، وتخلو جيبه من ثمن عشاء أولاده، يجد نفسه مجبرًا على البحث عن اللقمة في أيّ مكان، وبأيّ وسيلة، ومهما كان الثمن. فالكرامة وعزّة النفس والأنفة تمسي كلمات جوفاء لا معنى لها ولا قيمة لأنّها لا تسدّ جوعًا ولا تدفئ مقرورًا.

على طرقات لبنان الرئيسيّة، وعندما يزدحم السير، تهجم مجموعة من الرجال والنساء والأطفال على السيّارات المتلاصقة ليطلبوا من سائقيها أو سائقاتها المال: فيهم المتسوّل، وفيهم المريض المعوّق، وفيهم العجوز الذي تدلّت من عنقه لوحة من الورق المقوّى تعلن أنّ أولاده طردوه من البيت ويطلب ثمن ربطة خبز، وفيهم بائع العلكة، وبائع قناني المياه الباردة، وبائعو الساعات والمحارم الورقيّة وكلّ ما خفّ حمله وخطر على بال أحد هؤلاء فسبق الآخرين إلى بيعه. أمّا الصغار فيحاولون تنظيف السيّارات بخِرق متّسخة لكثرة ما استعملت ما يحوّل الزجاج بقعًا كبيرة من الخطوط السوداء، فيعلو صراخ السائقين ويرتفع زعيق الزمامير، لعلّ الأولاد يبتعدون. أمّا آخر ما تفتّقت عنه عبقريّة الحاجة فهي: التبخير! فعلى تقاطع الطرقات الرئيسيّة قبل فرن الشبّاك في ضاحية بيروت ثمّة كهل يحمل مبخرة ويتجوّل بين السيارات عارضًا على من فيها أن يبخّرهم من صيبة العين ولطرد الأرواح الشريرة. يبدو المشهد غاية في السورياليّة ما يجعلنا نحن الناظرين إليه نتساءل إن كان ثمّة كاميرا خفيّة ترصد ردود فعل الناس. ولكن الرجل المندفع في عمله والذي يحاول الاستفادة من توقّف السير عند الإشارة الضوئيّة ليبخّر أكبر عدد من الزبائن لا يعير تساؤلاتنا شأنًا. تواطأ الجميع في ما بدا لهم لعبة أو مزحة أو حالة جنون، فمنهم من كان يضحك ومنهم من كان يطرح عليه الأسئلة مستفهمًا وهو يستعجل الانصراف قبل أن تنطلق السيّارات. سائق سيّارة الأجرة التي كنت فيها، سألني أو سأل نفسه في صوت مرتفع إن كان ما يراه واقعيًّا ثمّ استطرد: الناس جنّوا بهالبلد!

هل هو جنون أن تبيع الناس دخانًا أبيض يتصاعد من مبخرة تراثيّة؟ ربّما، وربّما هي الحاجة، وربّما هو الاحتيال، غير أنّ أحدًا لن ينكر على الرجل إبداعه عندما خطرت على باله فكرة التبخير في بلد يؤمن أكثر من فيه بالكواكب والنجوم والأبراج والتبصير وفكّ المكتوب والشعوذة وصيبة العين والحسد والخرزة الزرقاء، ولا تخدعنّكم كثرة الكنائس والمساجد والمزارات، فالاقتتال الطائفيّ والمذهبيّ الذي خبرناه ونخشى عودته لا علاقة له طبعًا بالإيمان. الأخوان رحباني في مسرحيّة "المحطّة" جعلا "فيلمون وهبي" يبيع دخّان القطار المنتظر في القدّاحات، فلماذا لا يبيع الرجلُ الناسَ وهمَ الخلاص من الشرّ بحركة بسيطة من المبخرة؟

يحتار الناس في التعامل مع البائعين المتجوّلين ومع المتسوّلين بين الحذر والريبة والشعور بالشفقة والرغبة في المساعدة. أكثر الناس يعتبر هؤلاء جواسيس وعملاء ومحتالين فيرفض إعطاءهم أيّ مبلغ، ولكن ثمّة من يتبرّع ليريح ضميره وخصوصًا بعد الخروج من مطعم فاخر أو بعد شراء أغراض ثمينة، كأنّ هؤلاء يحاولون إرضاء الكون ليغضّ الطرف عن إسرافهم في الطعام والشراب والتسوّق. أمّا التجاهل الذي يأتي بعد الحركة العفويّة في إقفال السيّارة من الداخل ورفع الزجاج فهو الحلّ الملائم للكثيرين: لم نر ولم نسمع، ننظر إلى الأمام، نتابع الحديث على الهاتف أو مع من معنا، نغيّر المحطّة الإذاعيّة وندعو الله كي يتغيّر لون الإشارة قبل أن تصل تلك المرأة العجوز وتحرجنا.


لا نعلم عمّا سيتفتّق ذهن الناس بعد ذلك، ولكنّ بلدًا لا يمنع التسوّل بتأمين حاجات الناس ولا يؤمّن شيخوخة الناس ولا يردع المحتالين لا يستطيع أن يحرم الناس من وهم الدخان الأبيض في حين أنّ كلّ ما حولهم دخان أسود.

الأحد، 17 يوليو 2011

بلد المربّعات الأمنيّة ولا أمان فيه


تماثيل للجيوش من الصين القديمة



في مسرحية "الشخص" للأخوين رحباني، يصرخ المسؤول الأمنيّ في وجه بائعة البندورة التي اقتحمت ساحة الاحتفال حيث يمرّ موكب "الشخص" الذي يرمز إلى صاحب السلطة: ممنوعة الوقفة بالساحة، ابعدي يا بنت ابعدي يا بنت.


هذا ما يقوله لي المسؤول الأمنيّ في كلّ مرّة يطرق على باب بيتنا ولكن من دون لحن أو إيقاع ومن دون أن أجرّ أمامي عربة لبيع البندورة. حتّى صرت أعرف ما أن أرى اللباس العسكريّ أنّه سيطلب منّي أن أبعد سيّارتي من أمام البيت لأنّ زعيمًا كبيرًا سيعبر بالقرب منّا. وفي كلّ مرّة كنت أسأل المسؤول: هل أركن سيّارتي هناك؟ فيقول:لأ، ما فيكِ، هون؟ لأ، هون؟ لأ، أين أضعها إذًا؟ فيقول لي ما معناه: روحي مطرح ما بتروحي، المهمّ تروحي من الساحة. ابعدي يا بنت ابعدي يا بنت. طبعًا هو لم يقل ذلك، بل كان يقول مهدّدًا: إن لم تبعدي سيّارتك فستأتي القاطرة للقيام بذلك. ولكن يا سيّدي السيّارة في موقف خاص أمام بيتي مباشرة، وأنتم أخليتم الشوارع المحيطة بنا في كلّ الاتجاهات ولمسافات طويلة فأين نضع كلّ هذه السيّارات؟ غير أنّ الرجل لا يعنيه الموضوع، المهم أن تنفّذ الأوامر. ولكن يا سيّدي. هناك وسائل أخرى لاستهداف حضرة الزعيم، وأماكن أخرى قد تفخّخ وأنتم لم تعيروها اهتمامًا، وحولنا عشرات مستوعبات النفايات التي لم تنظروا إلى ما في داخلها، وعشرات ورش البناء وقرب كلّ واحدة منها غرف لعمّال من جنسيّات مختلفة وأنتم لم تفتّشوا واحدة منها، وفي الإمكان أن تملأ بأطنان من المتفجّرات، وأنتم غافلون لأنّكم مشغولون بشحن السيّارات التي لم تعرفوا أين أصحابها، كما أنّكم لم تفتّشوا بيوتنا وحدائقنا التي يمكن تفخيخها، وثمّة قصور وبيوت مهجورة تصلح للمراقبة والتفجير وكان عليكم أن تبدأوا بها أوّلاً. ولكنّ المسؤول الأمنيّ يرفض في كلّ مرّة البحث معي في منطق الأمور الأمنيّة فالمطلوب منه التنفيذ لا التفكير، وعليّ أنا كذلك أن أنفّذ ثمّ أعترض.
تخيّلوا معي بلدًا فيه هذا العدد من النوّاب الحاليّين والسابقين، والوزراء، والجنرالات، وزعماء التيّارات والأحزاب، وكلّ واحد منهم يملك بيتًا في المدينة، وآخر في الجبل، وآخر على البحر، وآخر على الثلج، وكلّها يجب أن تحاط بحراسة مشدّدة وأن تقطع الطرق التي حولها وأن يمنع وقوف السيّارات إلى جانبها، نعم، تخيّلوا معي بلدًا كلّ مسؤول سياسيّ أو عسكريّ فيه يخشى الاغتيال، وكلّ مسؤول سياسيّ أو عسكريّ له مربّعات أمنيّة تزنّر أمكنة إقامته وإقامة أولاده وأحفاده وتمنع الاقتراب منها. نعم، تخيّلوا معي عدد السيّارات التي يجب إخفاؤها كلّما مرّ زعيم، وعدد المرافقين والحرّاس الذين لا يطلب منهم التفكير بل تنفيذ الأوامر وقولوا لي بعد ذلك: نيّال من له مرقد عنزة في جبل لبنان.
أحيانًا تغيم في بالي صورة هذا البلد ولا أعرف كيف أحدّد هويّته: هل هو ملهى كبير، فيه يرقص الناس ويسكرون لينسوا همومهم؟ أم هو ثكنة كبيرة، فيها أنواع من السلاح تنتظر متى تفتك بالناس؟ أم هو معبد كبير، يُقدَّم فيه الناس ذبائح باسم الدين وهو منهم براء؟ أم هو مسرح دمى كبير، تشابكت خيوطه المتّصلة بكلّ ما جرى ويجري في العالم؟ ربّما هو كلّ ذلك وأكثر، وهذه هي مأساته التي تغيّب تحت سوادها خصوصيّة هذا البلد.

الجمعة، 15 يوليو 2011

عن روايتي: كلّ الحقّ ع فرنسا بقلم ميشال مرقص







الصور للأستاذ ميشال مرقص

عن رواية ماري القصيفي "كل الحق عَ فرنسا":

"حيدٌ مرجانيٌّ" رائع يُلوّن حكايات العشق وأنفاس العاشقين
وخزائنُ حربٍ تفضح "حكايات لبنانيين" واستخفافهم بالوطن
بقلم
ميشال مرقص
متلهّفة رواية ماري القصيّفي "كلّ الحق على فرنسا". متداخلة تتسارعُ أخبارُ "فرسانها"، من دونِ التنازلِ عن الحبل السريري لها، الذي يربطُ بينَ سُرّة عشق روز وموت ورده في غموضٍ أرادتْ منه الكاتبة أن يكون عصبَ الرواية، فيما تداعياتِ الأحداث تنتقلُ من العام إلى الخاص ومن ثمَّ إلى تفاصيل دقيقة وشخصياتٍ متنافرة تجمع في ما بينها مسلّمة "الغاية تبرّرُ الوسيلة".
فعلى مدى قرنٍ مستفيض في السنوات، ومن بوّابة القرن العشرين حتى رتاج القرن الحادي والعشرين، تمزجُ القصيّفي بين اخبار عائلاتٍ شتتتها الحربُ وباعدت بين بطونها وأفخاذها من الأولاد حتى الأحفاد، ومن ربوع الوطن إلى مجاهل الغربة. يختصرون حكايةَ وطنٍ "مجنونٍ" لم يعِ بعدْ هويّته الحقيقية، ويضع تاليًا الحق على فرنسا الدولة التي انتُدبتْ عليه منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وإلى نهاية الحرب العالمية الثانية، إثر خروج جيوشها، قبل قليل من حلول النكبة في فلسطين وانفتاح ابواب هذا الوطن، لاستقبال أبناء النبكة واحتضانهم حتى تداخلهم في العصب المصيري للبلاد، وتشكيلهم "قضية" يائسة يختلفُ اللبنانيون حولها في مقاربةٍ لتضييع هويّتهم، أسوةً بإخوانهم الفلسطيين الذين اختلطوا بالمجتمع الحاضن حتى التزاوج والاقتتال.
"الحق على الطليان"، أو "الحق على فرنسا"، مدخلان إلى عالم الهروب من تحمّل المسؤولية، لكنّ القصيفي حصرتْ في الثانية مأساة الفتاة المتفتحّة الأنوثة التي كانتْ تغفى على حكايات الغرام المكتوبة، فتتقمّص شخصياتِ العاشقين في ذاتها، لتجد نفسها ذات يومٍ في أحضان ضابطٍ فرنسي لمْ يُقدّم لأم ورده أوراق "إطلاق حاله"، فظنّتْ أنّ العسكري الآتي من وراء حدود الوطن ومن مسافات البحار يحملُ الخلاص إلى بيتها (الوطن)، لتسعد وعائلتها بالمال الذي يجنيه ابنها حبيب من بيع المخدرات (مخالفة القوانين والفساد في ظل جيوشٍ محتلّة) يحميه الضابط الفرنسي، مرتشيًا بـ"روز" وبالمال طبعًا، ما أتاح لحبيب توسيع إطار التهريب ليدخل لاحقًا، ليس فقط السجون "المحلية"، بل أيضًا أحد سجون أميركا (ص 183)، ويصير خرّيج سجون. ولمْ تكترث أم حبيب بمصير روز مع الضابط "المنقذ"، ومن ثمّ "الضباط" المتناوبين، بعد سفر الصهر الأجنبي الافتراضي، إلى زوجته وأولاده. ويبدو أن عائلات السهل، حيثُ أم حبيب تستسهل العلاقات خارج أطر مؤسسة الزواج، فلا أحد يتناول الآخر بكلام سوء، "الأمور تُصبح عادية ومشروعة متى أراد الناسُ ذلك. والناس قرروا عهدذاك أن ما حدا أحسن من حدا، وما حدا فوق راسو خيمة، والله يُستر على جميع الناس" ( ص 28 وص61).
إنّها "العصفورية" في رواية القصيفي، "كل الحق على فرنسا"، حيثُ تصف تشييد "المدينة"، أي مشفى المختلّين عقليًا أو المعوقين عقليًا، من سبعة أبنية، كلٌّ منها يختصُ بنوعٍ من "الجنون"، وكل بناء شيّدته دولة (ص 87) ما يوازي الدول السبع التي توافقت عام 1860 على وضع نظامٍ سياسي لمتصرفية جبل لبنان على أساس طائفي، كلٌ منها يحمي أبناء طائفة أو مذهب، فيميلون مع الدولة الحامية مثل دوّار الشمس، في التوافق والاختلاف وحتى التقاتل والاستنزاف في الأرواح، وفي المقامرة على الوطن بكل مكوّناته. ويشكل كلٌ من هؤلاء، نزلاء في قسمٍ من أقسام العصفورية الكبرى. وهكذا يبقى وطن رواية القصّيفي موزّعًا بين فرقاء وانتماءات خارجية، ومواطنين متحجّرين في تلك الانتماءات لا يقوون على التلاقي، وفي ظنّهم أنّ منْ يحميهم هو الأقوى... وعندما تتلاقى مصالح الحامي مع مصالح الخصم يسقط الجميعُ ضحايا فيكون الحق على فرنسا، لا أحد يتحمّل مسؤولية تدمير البلد، طالما يجد الجميع مؤيدين لهم يُبرّرون سلوكياتهم الخرقاء غير المسؤولة والتي هي بحكم سلوكيات نزلاء العصفورية.
وقائع سوسيولوجية
وتحليل نفسي دقيق
تنطلق ماري القصيفي من العام إلى الخاص وغلوًّا إلى الخاص الخاص جدًّا... وأحيانًا بالعكس. لكنّها تلتقطُ الإطارَ الروائي بمنظار عالم الاجتماع. تدرس الخلايا الاجتماعية الصغيرة سواء على صعيد العيلة، المجتمع المحلّي، الوقائع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الطباع والطبائع، الاختلاف بين الطوائف والمذاهب، الاختلاف بين الأحزاب والتيارات، المشاكل الناتجة عن الزواج المابين طائفي أو مذهبي، أو على صعيد التفكك الأسري، الحب خارج نطاق الزواج، قبوله أو رفضه أو تقويمه في المجتمعات.... بلوغًا إلى العادات والتقاليد والأعراس والعمادات والمآتم (ص 50 - 51) والملابس وحتى مستلزمات التجميل، وبخاصةٍ المآكل والمشروب الذي يترافق مع نوبات الزجل، وغيرها وغيرها من انماطٍ جديدة أفرزتها الحربُ الداخلية.... فالرواية تشكّلُ عنصرًا أساسيًا في الواقع الاجتماعي اللبناني ووثيقة في درس علم الاجتماع كأسلوب وطريقة من جهة، أو لدرس واقع مجتمعٍ محليٍّ من جهةٍ ثانية. تعرضُ للكثير من المنسيات، حرم الكنيسة (ص 88)، وفاة المتزوّجة من مسلم، حيثُ يضع حبيب مبلغًا من المال في يد الكاهن ويقولُ له عن شقيقته: "كانتْ متزوجة واحد مسلم، كتّر البخور" (بالعامية صفحة 137).، وغيرها من التفاصيل.
في هذا الإطار، وباختصار، تحلّلُ القصيّفي نفسيات أبطال روايتها بدقّة متناهية، وتدخل مدرسة التحليل النفسي (البيهافيورية)، وتقارب التصرف والسلوك بعينٍ ثاقبة، كأنما تحملُ كاميرا ملوّنة وثُلاثية الأبعاد. حتى أنّها لا تغفل التغيّرات الفيزيولوجية الدقيقة في الأجسام: "ترتدي الشورت الذي يُظهر استعداد فخذيها لبدانةٍ ليست بعيدة" (ص 246). او للدلالة على حميمية علاقة جنسية: "فقط تلك المياه التي تسيلُ منها ذكّرتها بما كانَ يحدثُ معها حين كانتْ تقرأ روايات تُحرّك جسدها وتُذيبُه بين طيّات الكتاب (ص19)، أو "تألّمتُ ... كما لو أنّني عذراء في ليلة عرسها" (ص 220)، على أنّ التعميم ليس حتميًا.
ولا تُعابُ الدَّقةُ في التفصيل، ولا التنوّع الحيوي المكثّف، فماري القصيفي تكتبُ روايةً لا قصّةً، والرواية تتناولُ مجتمعًا من المجتمعات في أبعاده ومفاهيمه كلِّها، وتكويناته السوسيولوجية، وقناعاته، ومكوّنات حياته اليومية. وهي لمْ تنسّ حتى الأمثال الشعبية الرائجة في تلك المكوّنات الاجتماعية المترامية بين سهل البقاع، والشوف، وضواحي بيروت، والأشرفية والمرفأ وجونيه وكسروان حتى جرده...وبين عناصر الفسيفساء الطائفية والحزبية الرائجة...
لوحات شاعرية
استخدمت القصيّفي نسيجها الروائي بخيوطها الشاعرية، فلم تبتعد عن شفافيتها في الواقع النفسي والعاطفي، ولم تترك شُرفات قصائدها بعيدةً، بخاصّةٍ في وصف حالات العشق عند روز أو وردة لا سيّما لدى تجربتها الأولى (ص 19 و20). إنها شاعرية بامتياز، أخرجت اختلاجات العشق إلى ملامس اللوحة السوريالية مع ما ينتجُ عن تلك الاختلاجات من بصماتٍ تؤيّد الاندماج التام أو الانسحاق حتى تلاشي الذات في قبولٍ يمهّدُ له عمق الاشتياق أو بُعدُ تحقيق الرغبة. ولا تنسى عند إقفال أبواب الرواية، إسدال ستائر العشق الرافض أن يُهاجر ولو ليكتب قصّة حبّ يستوردها الوطن بدل أن يُصدّرها.
لكنّ القصيفي في عرضها الروائي أيضًا، لم تبتعد كثيرًا عن نسيج الشعر، على قربٍ من عاميةٍ أحيانًا تنقل كلام الناس كما هو في واقعهم. بل تتحوّلُ تلك الشاعرية إلى "قَرْصٍ" يستبطنُ رفض الراوية لتلك الوقائع المزيج من اجتماع واقتصاد وسياسة ودين و...، أو انها تُشيرُ إلى تنافر الوقائع ذاتها مع المعايير المتعارف عليها، وتلجأ إلى تهكّمٍ يقارب السخرية، من واقعة أو تصرّف. ورغمَ ذلك لا يُنفّر أسلوب القصيفي من تلك الاختلالات الاجتماعية بل يتشرّبها كأنما باتتْ من مقوّمات حياة اللبنانيين الذين أخذوا يَتقبّلون كلّ شيء مخالف على أنّه واقع له ما يُبرّره. فالحروب العبثية تقود إلى نسيج اجتماعي وعادات وسلوكيات اجتماعية وجودية في "تصرّفاتٍ ما كانوا ربّما يقومون بها لولا خوفهم من الموت". فيقبل الجميع بها: "انتحارُ وردة ومخدّرات حبيب وطلاق جولييت ومعاشرة نجيب جارته"، ويبررون سلوكياتهم كأنما صارت انتصارًا على القيود التي سجنتهم ضمن أدبياتٍ مزيّفة نتجت عنها حروبٌ باتوا هم وقودها."إلا أنّ الحروب تجعلُ الناس يتهافتون على الحياة وملذّاتها ويُحلّلون لأنفسهم ما كان السلام يُحرّمه. (صفحة 176) أو تسأل "ما قصّةُ هذه الرغبة المستجدة عند النساء؟" لتُجيب "ذلك يعني أنّ رجالاً كثيرين أحبّوا غير زوجاتهم". (ص 315).
سخرية إنتقادية
سُخرية القصيفي انتقادية بإمعان. قليلُها عندما تعرضُ لاختلاف الطبائع لدى الأخوة : "البطن بستان، يقولُ الناس حين يرون الاختلاف في طبائع الأخوة والأخوات. كلّهم خرجوا من رحمٍ واحد، وانطلقوا من غرفةٍ صغيرةٍ واحدة ومع ذلك لا أحد منهم يُشبه الآخر..." (ص 194). كأنما هي لا تقبل بالمسلّمة: لماذا الأم "الرحم" وليس الأب الوالِد من (فعل) ولدَ؟ هو عند وفاته لمْ يتكلّم أحدٌ عنه! ربما لكثرة "الوالدين"! ثمّ تورد القصيفي ما تقوله جولييت عن زوج عشيقة شقيقها نجيب: "زوج الجارة مقاتل على الجبهة ولم يجرؤ على قتل نجيب؟ أبهذا المقاتل ستربح القوّات الحرب؟ حلو كتير"... ولا تترك زاد (ماري القصّيفي) أحدًا من شرّها، فهذه جولييت لا تُصلّي إلا كما علّمها الكاهن "الذي يُحب الجنرال (عون) والذي صارت مدمنة على المشاركة في قداديسه". (ص 239). ويزيد التهكّم المأساوي أمام مصائر وطنية تُنذرُ بالمأساة "ربّما لأن التراب صار فعلاً أغلى من الذهب وخصوصًا في المناطق المسيحية التي تشهد زحمة سماسرة وتجار وغرباء، أو على الأرجح لأنه لم يعدْ يساوي شيئًا في نظر من يبيعون ويُهاجرون". (ص 303)... وكلامها عن نتائج الحرب: "بعد أنْ يفني الباقون بعضهم حين لا يجدون من يقتلونه وما يحرقونه". (ص329).
اللون الروائي المحلّي
وبما أنّ الفنّ الروائي لا يغفلُ الإطار الطبيعي العام، والألوان المحلية لم تنسَ الكاتبة تغيّراتٍ حصلت في هذا الإطار لا سيّما التغيّر المناخي الذي يقفلُ الرواية على مناخٍ صحراوي، قد يجمعُ بين الإطار الطبيعي ومسرح أحداث الرواية. او استخدام تقنيات المعلومات، او الاستعانة بأخبار خارجية لها دلالتها مثل إنقاذ عمّال مناجم في التشيلي "خرجوا من رحم التراب بعد شهرين من معاناةٍ على عمق 700 متر"(ص 261)...
لكنّ "زاد" التي قادت تحرّياتٍ طويلة لتربط بين موت روز الذي اوردته في الفصل الأول من الرواية، وسببُ شُربها الديمول. تقودونا بسلاسةٍ حول هذا المحور إلى النهاية. وتُبرزُ صورًا ورديةً لروز ضحيّة الضابط الفرنسي، أو ضحيّة أمّها الراغبة في حماية ابنها من السجن. وترافقت تلك السلاسة الأنثوية مع لقاء الجيل الثاني المهاجر الذي يحمل معه دفتر ذكرياتٍ من أخبار روز، ويرغب في الوقتِ ذاته أن يستثمر في بلدٍ نشأت فيه علاقة ما بين ناجي وروز، يقارب علاقةً ما خارج أدبيات الزواج على أنّها الواقع الأفضل في مقابل تدخل "رجال دين" لفبركة زواجين خلال الرواية، الأول (ص 44 عم ناجي) بقي صوريًا بعدما اقتحمته "روز" العشيقة، والثاني (ص 101) أدّى إلى الهروب من "عصفوريةٍ" خاصّة كادت تجني على ثمرته الوحيدة ...
وتزدادُ سلاسة التعبير عندما تشعرُ زاد بأنها تقمّصت فعلاً مشاعر "روز" وشعرتْ بأنّ شرايينها باتت تنبض بحب ناجي أو تكاد... لكنها بعد أن تنشّقت هواء تلك الليلة "المشوبة" عادت إلى فراشها تداعبُ أحلامها. فقد سرقتها الأيامُ لتكتبَ قصّة روز وليس قصّتها التي عاشت حياة بطلتها من دونَ أنْ تُقدم على شرب السمّ. لكنّها تاليًا تقدمّت بها السنون.
عُجالةٌ ما، أربكت النصَّ الروائي في الفصلين الأخيرين. قد تكون نتجت عن استكمال الرواية قبيل دفعها إلى الطباعة. فبين ذكر آخر تاريخ في الرواية، أو آخر حدث قد يكون الحرُّ الشديد الذي انتهى بداية كانون الاول 2010 وصدور الرواية في شباط 2011، وقتٌ قصير. كما انَّ النص الروائي يعرض في البدايات أسماء الشخصيات في صورةٍ متعبة. إلى مقاربة العامية احيانًا والتحليق الشاعري الوقّاد في كثيرٍ من الأحيان. وقد يُؤخذُ على الكاتبة التعريجُ في زواريب كثيرة متداخلة غير واضحة المعالم للقارئ، إلا بعد أن الانتهاء من جلاء متاهاتها. لكنّ تناول الشخصيات في لوحاتٍ منفصلة يوضح تلك الصور... ويُبرر المتاهات. كما تشير اللوحات إلى ذكاءٍ حاد، لا سيّما في تدرّجها غير المرتبط جدّيًا بالحدث، فتأخّرت لوحة "ناجي" عن لوحةابنه "سامي"...
ففي الواقع، وعلى رغم التشبّع في التفاصيل الضرورية لاستكمال الواقع الاجتماعي، نجد الكاتبة تمرُّ في محطاتٍ كثيرة سريعًا وتلحظ أمورًا أساسية تلميحًا، ربما تحاشيًا لتطويل أو لتقول للقارئ "أنا أعرفها" لكنّ وقتها لم يحن بعد للتوسع بها... بخاصةٍ اللمحات السياسية.
"كلّ الحق على فرنسا" تختلجُ فيها "أنوثة" ماري القصيفي، في غربة العواطف الملتزمة، وتدافع حمم الحبّ المتفلّت من قيود الالتزام، حيث يأتي فجأةً لا أحد يقدرُ على تجاوز حتميّته... وهي أيضًا رسالةٌ سياسية بامتياز لوطن جرفته الأهواء أيضًا خارج الالتزامات الحتمية على أنّه وطن. وتخلصُ الكاتبة بحزنٍ إلى أن الحق ليسَ على الآخرين بل على أبناء الوطن "الحقُّ على اللبنانيين أولاً وآخرًا. الآن يغازلون تركيا بعدما حكمتهم أربعمئة عامٍ، ولا يتكلّمون إلاّ الفرنسية مع أنّ فرنسا لم تكن أمًّا حنونًا لهم... ثمّ تحمّس بعضهم لمصر... وغيرهم فضّل إسرائيل وأميركا، ثمَّ أتى دور العراق والسعودية وسوريا وإيران، كلّ ذلك تحت غطاء قضيّة اسمها فلسطين، في حين يقتل الفلسطينيون بعضهم"... في جلاءٍ واضحٍ ومرير بأن لا دور للبنان هذا الوطن الصغير...
"كل الحق على فرنسا" رواية ماري القصيفي، (دار سائر المشرق- بيروت – 2011 في 330 صفحة)، تستحق القراءة بتمهّل والاستمتاع بما تكشفه من نمنمات الحياة في لبنان على مدى قرن أفقده هويته وشتّت أبناءه، بعدما قُتل كثيرون وقودًا لمطامع من التحق بكل تلك الدول الغازية.
***
نشر جزء من هذه المقالة في صحيفة "الجمهوريّة" اللبنانيّة في تاريخ 8 تمّوز 2011


مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.