الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 14 يوليو، 2016

كتاب مفتوح إلى القيّمين على تراث الأخوين رحباني


 لو كان الأمر في غير لبنان أو في غير الظروف الحاليّة لقلنا إنّ القرار الذي اتّخذته وزارة التربية ويقضي بإدخال أعمال الأخوين رحباني في المناهج التربويّة تاريخيّ رائد، غير أنّنا في لبنان، أي حيث لا رقابة حاليًّا على المدارس ولا دورات تربويّة تشمل الجميع ولا إمكانات ماديّة تسمح بإعطاء الأخوين حقّهما. وثمّة سوابق في المناهج الحديثة تؤكّد أنّ ثمّة مواد مهمّة ألغيت لأنّ المدارس الرسميّة وسواها من المدارس الضعيفة الإمكانات عاجزة عن تأمين متطلّباتها الضروريّة لوضعها بين أيدي التلاميذ. هذا فضلاً عن أنّ القرار المتسرّع الذي اتخذته الوزارة للردّ على من اتّهم الحكومة بالتقصير في إعلان الحداد الرسميّ لا يكون في حصر الإبداع في أخوين عملا طوال حياتهما على التبشير بالعدل ونشر التراث اللبنانيّ واحترام جنوده المجهولين، ولا يكون حتمًا في تغييب آخرين كان لكلّ منهم دوره في الحضارة اللبنانيّة. ثمّ لا بدّ من التساؤل – في حسرة – أين كانت الوزارة يوم كان منصور في سرير المستشفى يواجه الموت؟
     أكثر من يعرف سيّئات المناهج التربويّة وخطرها على الإبداع هم آل الرحباني وسواهم من الذين ضاقت بأحلامهم غرف الصفوف، وخنقت مواهبهم سلطة معلّمين لا موهبة لهم، لذلك فمن يعتقد أنّ وضع إنتاج الأخوين رحباني في المناهج التربويّة إنجاز في حدّ ذاته، مخطئ ولا يعرف شيئًا عن التربية والفنّ وطرائق التدريس، خصوصًا في ما يتعلّق بتدريس اللغة العربيّة والفنون المتعلّقة بها. تخيّلوا معي مشهد معلّم يؤنّب تلميذًا ويوبّخ آخر ويعنّف ثالثًا ويعاقب رابعًا ويهين خامسًا لأنّهم لم يعرفوا كيف يجيبون في الامتحان على أسئلة حول نصّ للأخوين رحباني. تخيّلوا ماذا سيكون موقف الرحبانيين من هذا المشهد وكيف كانا سينقلانه إلى المسرح؟
     ثمّة عناوين كثيرة يجب وضعها بين أيدي التلاميذ إلى جانب الأخوين وإلاّ كانت الخطوة ناقصة، ناقصة جدًّا. فالزجل والشعر العامي والغناء والموسيقى والنحت والرسم وسائر الفنون التشكيليّة والتمثيل والتقديم والرقص والمسرح على اختلاف مدارسه والسينما والصحافة وفنّ العمارة اللبنانيّة والاختراعات العلميّة وكلّ ما يمتّ إلى الإبداع والثقافة بصلة عوالم غنيّة بالأسماء والإنجازات ولا يجوز أن تبقى خارج المناهج، فهل ترضي السياسة أهل الفنّ بتكريم الأخوين رحباني وتغيّب آخرين كان لكلّ منهم إبداعه الخاص؟ وهل يرضى ورثة آل الرحباني بذلك؟ إنّ حصر التكريم بالأخوين عاصي ومنصور سيبقي الياس أخاهما والجيل الثاني من الرحابنة خارج المعادلة، هذا إذا لم نأت على ذكر من ليسوا من هذه القبيلة الفنيّة التي غزت العالم بإبداعها. قيل الكثير عن فرادة هذين الأخوين، وسيقال الكثير، ولا شكّ في أنّ هذا المثلّث المؤلّف من عاصي وفيروز ومنصور سيبقى غامضًا وعصيًّا على الإحاطة والتحليل، ولكن أركان هذا المثلث نفسه لن يقبلوا أن يهيمن فنّهم على إنجازات آخرين وهم أمضوا أعمارهم في محاربة الظلم والفساد وتحدّي التسلّط والهيمنة، فهل نكافئهم بأن نجعلهم كذلك؟
     من المعروف أنّ السياسيين لم يتّفقوا على منهج لتاريخ لبنان السياسيّ، وحتّى الآن لا كتب تاريخ بين أيدي التلاميذ على الرغم من رصد مبالغ كبيرة أهدرت على مشاريع لم تر النور. فلماذا لا يكون تاريخ لبنان الإبداعيّ هو الحلّ؟ لماذا لا يكون هناك متّسع لكلّ مبدع ساهم في "رفع اسم لبنان عاليًا" على ما تقول البيانات الرسميّة عند الإشادة بجهد أحدهم؟ وهل صعب علينا أن نوزّع حصص التاريخ خلال مراحل الدراسة الطويلة على آلاف المبدعين في مختلف المجالات ويكون للأخوين رحباني مكانهما بين أصدقاء وزملاء عملوا معهم في الارتقاء بالفنّ والشعر والمسرح والموسيقى إلى حيث نحن الآن، وفي التمسّك باللغة اللبنانيّة والعادات والتقاليد وأنواع الأزهار والأشجار وأجزاء البيت اللبنانيّ التقليديّ؟ وهل يجوز أن يعرف تلاميذنا الأخوين رحباني فقط ولا يعرفون توفيق الباشا وزكي ناصيف وفيلمون وهبي وروميو لحّود، أو صباحووديع الصافي ونصري شمس الدين؟ أو رضا خوري وروجيه عسّاف ونضال الأشقر وريمون جبارة ونبيه أبو الحسنوشوشو؟ أو وليد عقل وعبد الرحمن الباشا ومارسيل خليفة؟ أو رياض شرارة وهند أبي اللمع وليلى كرم وإيلي صنيفرومحمّد شامل؟ أو شحرور الوادي وخليل روكز وزغلول الدامور وزين شعيب وموسى زغيب؟ أو بول غيراغوسيان وصليبا الدويهي وخليل الصليبي ووجيه نحله؟ أو ميشال طراد وطلال حيدر؟ وغيرهم كثير ممّن لا تحصرهم الذاكرة في هذه العجالة ولا يتّسع لهم المجال، فأجد نفسي مضطرة إلى التوقّف عن استحضار أسماء لا تكفيها أعمارنا كي نحيط بأعمالها. لذلك يحتاج هذا الأمر إلى لجان متخصّصة وعمل متأنّ ودراسة وافية تجعل تاريخ لبنان تاريخ الإبداع فلا يُهمل فنّان أو عالم ولا يُنسى ملهِم، فيتعلّم تلاميذنا ما يجمعهم ويهذّب ذوقهم الفنيّ ويجعلهم يفتخرون بوطنهم.
     وأهمّ ما في الأمر ألاّ يكون هؤلاء المبدعون عبئًا دراسيًّا على التلاميذ، فلا امتحانات ولا محفوظات ولا صراخ ولا تأنيب بل فسحة للتحليق في فضاءات الفنون الشاسعة حيث تتطهّر عيون التلاميذ وآذانهم ونفوسهم ممّا علق فيها من بشاعات الفنّ التجاريّ. قال دوستويفسكي: الجمال سوف ينقذ العالم. وعندنا من الجمال كثير فحرام أن نوصد عليه الأبواب!


* صحيفة البلاد البحرينيّة - الخميس 19 شباط 2009

ليست هناك تعليقات: