الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 26 مارس 2016

وأنا كذلك الأمّ الحزينة





يوم الجمعة الحزينة، ينفجر الحزن في الإذاعات والتلفزيونات والبيوت والكنائس، فيذهب "المؤمنون" إلى رتبة دفن المسيح وهم يرتدون ملابس الحداد، ويتسابق الرجال لحمل نعش المصلوب، وتقرأ الأناجيل الأربعة التي تصف مشهد الصلب والموت (لماذا لا تقرأ أناجيل أربعة يومي الميلاد والقيامة؟)، وتدمع العيون حين تصدح الأصوات المرنّمة "أنا الأمّ الحزينة". 
هذا نحن، شرقيّون نحتفل بالموت، ولا نعرف كيف نحيا، وإلاّ لكنّا تذكّرنا أنّ كلّ أمّ ترغب في أن تصرخ من صميم القلب: وأنا كذلك الأمّ الحزينة وما من يعزّيها:
أنا الأم الحزينة التي لا تملك ثمن الدواء لابنتها المريضة
أنا الأمّ الحزينة التي تعجز عن تسديد قسط المدرسة
أنا الأمّ الحزينة التي لا تعرف إن كانت مستقرّة في عملها أو ستطرد عند نهاية الشهر
أنا الأمّ الحزينة التي هاجر ولدها ليبحث عن أمنه وأمانه وطعامه خارج بلده
أنا الأمّ الحزينة التي تعرّض أولادها للاعتداء على حقوقهم وأجسادهم وعقولهم في المؤسسات الدينيّة ولن يشفي جرحها اعتذار أو أسف
أنا الأمّ الحزينة التي قتل أولادها في حروب الآخرين
أنا الأمّ الحزينة التي خُطف وحيدها ولا تعرف إن كان عليها أن تبكيه ميتًا أو أسيرًا معذّبًا
أنا الأمّ الحزينة التي تنظر إلى إعاقة ولدها وتشعر بالذنب لأنّها عاجزة عن اجتراح معجزة شفائه
أنا الأمّ الحزينة التي تبيع كرامتها كي تشتري قوت عائلتها
أنا الأمّ الحزينة التي تتسوّل على الطرق
أنا الأمّ الحزينة التي لم تنفعها ثروتها في حماية ابنها من الإدمان والانتحار... 
هل أتابع؟ 
كثيرات هنّ الأمّهات الحزينات، ولكن ليس لجميعهنّ إيمان مريم وثقتها بأنّ لها من يواسيها في السماء وكذلك على الأرض، وليس صحيحًا القول عنها: وما من يعزّيها. وهل تعدم معزيًّا من اختارها الآب أمًّا لابنه، والتي لم تتخلّ عنها السماء لا في حياتها ولا عند انتقالها إليها؟ ولكن ماذا عن سائر الأمّهات؟ ومن يعزّيهنّ خصوصًا في هذا الشهر الذي يُحتفل فيه بيوم المرأة العالميّ وعيد الأمّ وعيد الطفل وعيد البشارة؟
يجب ألا يشغلنا حزن مريم عن أحزان مثيلاتها من الأمّهات، بل لعلّه يفتح أعيننا على مآسيهنّ وآذاننا على تنهّداتهنّ، إذ كيف يمكن أن تقتنع السماء بمظهر الأسى على وجوه الناس تضامنًا مع امرأة لم يعاصروها ولم يعرفوها وعاشت منذ أكثر من ألفي سنة وكانت تعرف مصير ابنها، في وقت يتعامى كلّ واحد منهم عن آلام من حوله. يكاد الأمر يبدو تمثيليّة كبرى لولا العَشرة الصالحون. لذلك يبدو الاحتفاء بمريم في عيد البشارة المفترض أن يجمع المسيحيّين والمسلمين (ماذا عن أبناء الطائفة الإنجيليّة؟؟ هل سئلوا عن رأيهم في الموضوع؟؟) غريبًا حين ننتبه إلى أنّ المسلمين لا يرون فيها الأمّ الحزينة لأنّ ابن ستنا مريم لم يصلب بل شبّه لهم أنّهم صلبوه، في حين أنّ ابن السيّدة العذراء صلب ومات وقام في اليوم الثالث كما جاء في الكتب. فهل نتّفق على مريم السعيدة بابنها ونختلف على مريم الثكلى؟
لا أستطيع شخصيًّا أن أرى مريم كما صوّرها التقليد أو كما صوّرتها الأفلام. فالفتاة العذراء التي قالت للملاك: فليكن لي بحسب قولك، وآمنت بأنّها ستحبل من الروح القدس، لا يمكن أن تكون أمومتها ليسوع وتتلمذها عليه قد جعلاها أقلّ إيمانًا وبالتالي أكثر تفجّعًا بسبب رفضها المصير الذي كان من المفترض أنّها وابنها ويوسف ينتظرونه. طبعًا ذلك لا يعني أنّها قتلت إحساس الأمومة فيها نحو ابنها، ولكنّها لن تكون مريم/ والدة الإله/ أمّ الله/ إن لم يكن حزنها على البشريّة أكبر وأعمق. ونحن، إن لم نسمع في ترنيمة "أنا الأم الحزينة" صدى لأحزان أمّهات الأرض كلّها فإنّما نحن صنوج ترنّ ونحاس يطنّ، ولن نخدع السماء بأصواتنا مهما بدت جميلة.

صحيفة النهار - الثلاثاء 30 آذار 2010
***
سبق نشره على هذه المدوّنة في تاريخ 30 آذار/ مارس 2010

هناك تعليقان (2):

جمال السيد يقول...

مصباح (ماريم) مجلي وعامر بالزيت .. إنها واحدة من الحكيمات الخمس ــ افتح لها وعافيها يا الله!

ماري القصيفي يقول...

دعاؤك صديقي الأستاذ جمال يطمئن الروح! دمت بخير!