من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 13 أبريل، 2017

معاناة المسيح لا ألم المصلوب



Macha Chmakoff

     آلام المسيح التي يطيب للمسيحيين أن يمجّدوها استمرّت يومًا أو يومين، وهي تشبه آلام اللصّين المعلّقين معه، لا بل هي أقلّ بما لا يقاس من آلام أطفال مرضى، ومعوّقين عاجزين، وأسرى معذّبين، وعجزة محتضرين. ولكن ما يميّز آلام المسيح هي أنّها كانت تتويجًا لمعاناة داخليّة بدأت مذ تفتّحَ وعيه على الحياة وبدأ يدرك ما تواجهه الإنسانيّة، وكانت رفيقته على الدروب التي كانت تمرّ بين المرضى والأصحّاء، والظالمين والمظلومين، والأثرياء والفقراء. ولأنّه كان ينظر ويرى، يسمع ويصغي، يفكّر ويحبّ، كانت معاناته أكبر من آلامه.

     الرجل المعلّق على خشبةٍ بمساميرَ وحبال لا يملك القدرة، إن كان إنسانًا مثلنا، على التفكير بآلام الناس. مشغول هو بأوجاعه وباكتشاف أعضاء في جسده لم يكن يعرف أنّها تؤلم إلى هذا الحدّ حين تتعرّض للضرب والطعن والشوك والجَلد. والرجل المعلّق على الصليب سيقرّر قبل أن يتخدّر عقله من شدّة الوجع أن يطلب من أبيه ألّا يشعر أحد من بني البشر بمثل الآلام التي شعر بها، وسيهمس مرّة ثانية: أبعد عنّي وعنهم هذه الكأس! قبل ذلك لم يكن يعرف بأنّ الجسد يمكنه أن يتعرّض لكلّ تلك الآلام ويبقى عزيزًا على صاحبه ولا يرغب في التخلّي عنه. قبل ذلك كان ينظر إلى الآلام ويعاني مع حامليها، أمّا على الصليب فتألّم معهم ومثلهم وعنهم، ولو لم تنعجن شخصيّته بالمعاناة لما كان لألمه المعنى الخلاصيّ.

     معاناة المسيح الداخليّة هي ما يعنيني من تجربته مع الآلام التي يطلب بعض المسيحيين ما يشبهها حتّى صارت عبارة: مع آلامك يا يسوع، كافية لتجعل المسيحيّ قابلًا أوجاعه، راضياً بها، مستسلمًا لها، ساعيًا إليها. المعاناة تلك طالت من المسيح العقل والروح والنفس، وجعلته في قلب البشريّة، سابرًا أغوارها، سائلًا ومتسائلًا عن أسباب بؤسها وشقائها ورفضها الخلاص. الألم عابر وقد يدمنه الإنسان أو يعتاده، والإنسان مذ صُفع على قفاه ليبكي ويتنفّس اكتشف أنّه والألم رفيقا درب، والمسيح في ذلك ليس غريبًا عن تغيّرات الجسد البشريّ وما يرافقها من أوجاع ولذّات.

     المعاناة أمر آخر وتصدر من مركز مختلف في الدماغ (المشلول مثلًا لا يتألّم لكنّه يعاني). وفي حين أنّ الألم قد يكون موقّتًا أو عابرًا، تبقى المعاناة لصيقة بالإنسان وقادرة على إيهامه أنّه لا يزال يتألّم أو أنّ الألم سيعود، وهي التي تظهر له مدى هشاشته وسرعة عطبه. ولذلك، أزعجني دائمًا، كما سواي كثر، أن ترتبط المسيحيّة بالألم لا برفض الألم، وبالحرمان لا بمقاومة الحرمان، وبالموت لا بالحياة. وأن يزدحم الناس في الكنائس في أسبوع الآلام ويغيبون عنها في أزمنة الميلاد والقيامة. لا بل أتساءل كيف يمكن أن يكون المسيحيّ طالبًا الألم إن كان يؤمن بأنّ إلهه تألّم عنه، وكيف يكون حزينًا ومسيحه مسحه بزيت الخلاص؟ فهل المسيحيّة تنافسٌ على حمل صليب الألم لأطول زمن وإلى أعلى جبل؟ وكيف تكون المسيحيّة صنو الحرمان من جمال الحياة ومُتَعها والمسيح استمتع – بقدر ما عانى - بكلّ لحظة قضاها لابسًا إنسانيّتنا؟ أو كيف تكون مرادفة للجوع والعطش والمسيح خبز الأرض وخمرة السماء؟
     ولكنّ تخفيف الألم في المسيحيّة ليس في غسل أقدام اثني عشر مختارًا غسلوا أقدامهم قبل احتفال الغسل المرسومة تفاصيل مشهديّته بترف لا يناسب عظة التواضع، أو في عيادة مرضى لا تفوح منهم إلّا رائحة العطور والبخور وأنواع الزهور، أو في مواساة حزين لم يحزنه سوى أنّ صور حزنه لن تنشر في مجلاّت الموضة وصفحات المجتمع. وفي طبيعة الحال، ليس كلّ مسيحيّ خبيرًا في تخفيف الألم وبلسمة الجراح، فهذا علم تجتمع فيه الدراسة والخبرة مع المحبة والالتزام، غير أنّ كلّ مسيحيّ مطالب بمحاربة الألم، ألمه وألم سواه، وذلك برفض كلّ ما من شأنه أن يؤذي الإنسان في جسمه أو روحه.

     بعيدًا عن ذلك، لن تكون المسيحيّة سوى قبر على بابه ندّابات لا ينتظرن قيامة، أو مستشفى يقود إلى المشرحة لا إلى البيت، أو مختبر كبير الناس فيه فئرانُ تجارب يُضحّى بها لا مرضى يُضحّى بكلّ ثمين من أجل علاجهم.

صحيفة النهار - الثلاثاء 23 آذار 2010

هناك 4 تعليقات:

johnny Khoury يقول...

لقد أحبيت جداً المقاربة بين الألم والمعانات! انها رؤية جديدة بالنسبة لي وأقنعتني!
المسيح قام!

ماري القصيفي يقول...

المسيح حقًّا قام يا جوني. تحيّاتي مع الشكر على رسالتك!

Rouhana Karam يقول...

تأمّل رائع قد يكون الم النفس وجها" من وجوه المعاناة لكن هي المطلوبة لانها نتيجة إدراك للذات والاحساس بالآخر اي موضوع حب الله وهذه المعاناة ( آلام المسيح) هي مؤشّر النمو في الانسان ... قبول الواقع الاليم، معاناة، لكن استشراق الرجاء هو ما دعانا اليه المسيح وهو الذي جعل بولس الرسول يهتف: افرحوا بالرب واقول لكم ايضا" افرحوا. اللهم لا نسألك فضّ الحمل، بل تعريض اكتافنا.

ماري القصيفي يقول...

شكرًا لك روحانا كرم على قراءتك الدقيقة... فصحًا مجيدًا يغلب الموت