الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 29 يونيو، 2010

مطر حزيران بلا قبعة وعصا



ليس في الأمثال الشعبيّة اللبنانيّة ما يشير إلى سقوط المطر في حزيران، ربّما لأنّ الشتاء حين يرحل يلملم عباءات الغيم المغسولة بمياه السماء وينشرها على حبال الغسيل في أرض بعيدة تنتظر قطرات تروي عطش تربتها.
ومع ذلك، فحزيران هذا العام أنزل علينا ماءه المجبول بالغبار وتساقطت الأمطار وحولاً أتلفت الزرع ولوّثت زجاج النوافذ وحوّلت الطرق ساحات تزحلق تصطاد من لا يعرف كيف يثبت قدميه على الأرض. وتبيّن أنّ مطر حزيران لا يؤمَن له، فلا هو شتاء يعدك برجل ثلج يعتمر قبعة ويتّكئ على عصا يخلّفهما وراءه حين يذوب في الأرض مع أوّل خيط من خيوط الشمس، ولا هو صيف وكَيف وبساط واسع يمتدّ خارج الدار حيث كان القمر قنديل السهر. هو نوبات بكاء لا نفهم أسبابها، مزاجيّة سماء لم نعد نعرف ماذا تريد من أبناء الأرض، فورة أعصاب لا مهدّئ لها. وحين يتوقّف المطر فجأة عن الهطول نكتشف أنّ الطقس لم يعد طقسنا وأنّ مزروعاتنا أتلفت وثمار أشجارنا تساقطت ومواسمنا بارت ومنتجعاتنا خلت من روّادها. أمّا ألسنة الناس فلا تردّد إلاّ لازمة واحدة: "لم تعد الأمور كما كانت عليه. حتّى الطبيعة تغيّرت وما عاد فينا نوثق فيها". صحيح، لم تعد الأمور على حالها: موسم الشتاء كان بلا ثلج، وموسم الربيع كان بلا زهر، وموسم الصيف يصل بلا شمس، كأنّنا في خريف دائم لا يريد أن ينتهي، بل يزداد ضبابه كثافة مع احتمال حرب يتمنّى نشوبها كثيرون لتصفية حسابات شخصيّة. ولكنّ الطبيعة لا تقتل نفسها بنفسها والحرب لا تقع من تلقاء نفسها، الإنسان عدوّ ذاته مذ وعى ذاته.
تحكي سيّدة في حيّنا وتقول: حين كانت المرحومة أمّي تجلس على هذا المقعد قبل عشرين سنة كانت تقول إنّ الشمس في أوّل يوم من الصيف تغيب خلف قصر الشرتوني. الآن صارت الشمس تغيب أبعد بمبنيين، تتابع السيّدة وهي تشير إلى الاختلاف في موقع مغيب الشمس، وتسأل نفسها بصوت مرتفع: شو عم يصير بالدني؟ من يخبرها أنّ كلّ واحد منّا صار محور الأرض، تدور الأرض والكواكب والنجوم حوله، وهو مشغول بنفسه عمّا حوله؟
حين كتب جبّور الدويهي روايته عن حمّام الدمّ في ليالي الشمال الحزينة، وضع لها عنواناً معبّراً هو "مطر حزيران". وعلى الغلاف الخارجيّ الأخير لها وبحسب القرار الظنيّ في قضيّة الاعتداء على أمن الدولة الداخليّ الحاصلة في مزيارة، قضاء زغرتا، بتاريخ 16 حزيران 1957، نقرأ: "كانت السماء ترسل رذاذًا من المطر... وبسبب المطر أخذ الناس يدخلون إلى الكنيسة من بابيها الجانبيين الشماليّ والجنوبيّ، وأمّا باقي الموكب فدخل من الباب الغربيّ الملوكيّ المواجه لساحة البلدة، وما إن بدأ الموكب بالدخول إلى الكنيسة حتّى حصلت ضوضاء بين الحضور وأطلق طلق ناريّ في خارج الكنيسة كان الإشارة والشرارة الأولى للكامنين في داخل الكنيسة وفي الساحة وعلى السطوح، فشهروا أسلحتهم وأخذوا يطلقون النار على خصومهم، ودام إطلاق النار زهاء العشرين دقيقة فقتل وجرح مئة وبعض المئة من الناس وهرب القسم الأكبر من المعتدين وألقي القبض على البعض منهم".

كان ذلك في أعالي الشمال، غير أنّ الكبار في بلدتي يقولون إنّهم لا يذكرون أنّ المطر تساقط في مثل هذا الوقت من السنة، ولكنّهم يشيرون إلى مطر نزل في آب مرّة منذ زمن بعيد، إذًا "معقولة تشتّي بآب" كما يغني وائل كفوري. أمّا حزيران فيبدو أنّه احتفظ بمطره لحيث كان عليه أن يغسل الدم بعد صوت الرصاص المنهمر كالشتي كما وصفه المصوّر الأرمني في الرواية المشار إليها.
ماذا يحمل مطر حزيران هذا العام، وهو المتسلّل يومًا والمقتحم يومًا آخر ودائماً بلا برق ورعد، فضلاً عن حوادث التزحلق والاصطدام وخربطة مشاريع الاحتفالات والمهرجانات؟ وكم ضحيّة يجب أن تسقط قبل أن نكتشف أنّ انعدام الرؤية لا يكون دائماً بسبب الضباب؟ وكيف سيكون صيفنا الموعود بالنفط على شواطئنا التي صارت أملاكًا خاصّة، في حين تغرق مدننا في عتمة انقطاع الكهرباء وتزدحم السيارات على طرقنا بسبب ورش الإعمار العشوائيّة أو حوادث السير القاتلة؟ وأيّ مصدر للرزق سيكون لنا بعدما فقدنا اعتدال فصولنا واستقرار مواسمنا السياحيّة اللذين كانا فخرنا ولا فضل لنا إلاّ في تخريبهما وتشويههما؟ أسئلة لا تنتظر أجوبة مقنعة أو منطقيّة، فحين يبدأ الخلاف على نفط لم يظهر بعد، ونهمل ثروة مائيّة تروي عطش الشرق ونتركها تذهب إهداراً إلى بحرنا الملوّث، لا يعود يهمّ إن سقط المطر في حزيران أو نشبت الحرب في تمّوز أو نجح تلامذة لبنان بالجملة، فالمهمّ: وين السهرة الليلة؟

* صحيفة النهار - 29 حزيران 2010

ليست هناك تعليقات: