الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 16 فبراير 2012

"الحفيدة الأميركيّة" للكاتبة إنعام كجه جي: صراع الحضارات في عائلة واحدة



بطلة هذه الرواية فتاة عراقيّة مسيحيّة، هاجرت مع والديها وأخيها إلى الولايات المتحدة هربًا من حكم "البعث" الذي اختطف الوالد وعذّبه. لكنّ الفتاة تلتحق بصفة مترجمة، بالقوّات الأميركيّة التي أرسلها بوش لتحرير العراق وتخليصه من صدّام حسين، بعد هجمات 11 أيلول. وفي العراق، تحاول المجنّدة أن تتصالح مع وطنها من خلال علاقتها بذاكرة جدّتها "بتول"، أمّ والدتها.
حاولت "زينة"، وهذا اسم بطلة الرواية، أن تخفي أمر التحاقها بالجيش الأميركيّ عن جدّتها، إلّا أنّ هذه الأخيرة حدست بالأمر ما أسقمها وهي المرأة العراقيّة الأصيلة التي بقيت، حتّى بعد وفاة زوجها الضابط، تخرج بذّته العسكريّة وتلمّع أزرارها احترامًا لولاء صاحبها للقوميّة العربيّة ومشاركته في حرب فلسطين عام 48، ثمّ أحيل على التقاعد بعد ثورة 58 بأشهر قلائل (ص90). وهنا تسأل الحفيدة جدتها: "كيف كان جدّي قوميًّا وهو المسيحيّ الكلدانيّ؟"، فتجيبها الجدّة": ولم لا؟ هل تمنع الأديان حبّ الوطن؟
إلى جانب هذه العلاقة المشحونة بمشاعر متضاربة بين الجدّة العراقيّة والحفيدة الأميركيّة، تعاني "زينة" من وطأة عاطفتها نحو "مهيمن"، ابن "طاووس" المرأة التي تخدم جدّتها والتي أرضعت "زينة" حين أصيبت والدتها بالحمّى، ما يجعلها بالتالي أخت "مهيمن" بالرضاعة. وكأن لا يكفي هذا العائق، حتّى يتبيّن أنّ الشاب الذي وقع أسيرًا في الحرب مع إيران، عاد من أسره ملتزمًا دينيًّا بعدما كان شيوعيًّا، والتحق بجيش الصدر، ما يعني أنّ أخته بالرضاعة عدوّته في الوقت نفسه.
تأخذنا الحفيدة الأميركيّة إلى أرض أجدادها لنرى من خلال عينيها قصور صدّام التي تحوّلت مراكز عسكريّة، والشوارع المزروعة رعبًا، والعيون التي تنظر بعداء إلى الأميركيّين، ثمّ تنقلنا إلى أميركا حيث والداها المنفصلان لا يتوقّفان، كلّ في بيته وسيّارته، عن الاستماع إلى الأغنيات العراقيّة، وحيث مقابر شهداء الجيش الأميركيّ التي تقيم الأمّهات الثكالى إلى جانب شواهدها شاهدات على فظاعة الحرب.
نجحت الروائيّة في الجمع بين العالمين المتناقضين بتقاليدهما وعاداتهما، والمتشابهين بكميّة الأسى التي زرعها الحقد فيهما، لذلك جاءت عبارة أحد المترجمين، وهو عراقيّ يعمل مع الجيش، معبّرة عن التنافس على الظلم بين الأنظمة، فيقول للجنود الأميركيّين الذين أثارت فضيحة سجن أبو غريب اشمئزازهم: هذا لا شيء بالنسبة إلى ما كان يجري في السجون زمن صدّام حسين!
بدت المصالحة بين الحاضر والماضي مستحيلة وكذلك بين الشرق والغرب، فالروائيّة جعلت الجدّة تموت قبل أن تسامح حفيدتها على تعاملها مع الأميركيّين، كأنّ الحفيدة المدلّلة ماتت يوم رحيلها مراهقة عن العراق، أو كأنّها فسدت ولم يعد من الممكن إصلاحها. لذا تقول زينة: "أنا غريبة حتّى عن جدّتي، أمّ أمّي. إنّ حيدر ومهيمن وطاووس أقرب إليها منّي لأنّهم ظلّوا مثلها، عراقيّين خلّصًا" (ص131). وكذلك، لم ترغب الروائيّة في زرع أمل مخادع تجعل القارئ يتوقّع نجاح قصّة الحبّ "المحرّم" بين "زينة" و"مهيمن" الذي هيمن على عاطفة الفتاة وأفكارها كما لم يفعل رجل قبله. كأنّ إنعام كجه جي لا تؤمن بأنّ حربًا كهذه، وفي أرض السواد تلك، يمكن أن تنتج سلامًا بين عقليّات لا شيء يجمعها غير العاطفة. فلا يكفي أن تحبّ الحفيدة جدّتها أو أن تحنو الجدّة على حفيدتها كي تردم هوّة الهجرة والخيانة والغربة، ولا يكفي أن يرضع طفلان من ثدي واحد كي تزول الفوارق الطائفيّة والحضاريّة والسياسيّة بين الشاب والفتاة.
فكرتان أخيرتان عن هذه الرواية:
الأولى أنّ موت الجدّة يبدو نهاية مرحلة (خصوصًا أنّ المرأة مسيحيّة) كأنّ العراق لن يعود كما كان.
الثانية أنّ الممارسات الدينيّة متى تطرّفت تتشابه، لذلك يبدو وصف "زينة" وهي تلميذة في مدرسة الراهبات، تقرأ الصلوات الصباحيّة من كتاب "الأيدي الضارعة"، شبيهًا بمشهد أيّ داعية إسلاميّ يترك أثرًا في سامعيه، فيتناقل أتباعه شرائط تسجيل صوته وكلماته. (تفاصيل المشهد في الصفحة 170)
***

من الرواية:
-       "زوينة حبّوبتي... هل هناك بلد على هذه الأرض، غير بلدنا، يتسلّى أهله بذكريات القهر وهدّ الحيل؟" (ص53)
-       تقول "زينة" لوالدها: "كيف تكون تلك البلاد عزيزة وقد جارت عليك، يا أبي، وكسّرت أسنانك وأرعبتك وتجسّست عليك ودبّجت كلابها فيك التقارير؟ (ص 132)
-       تقول "زينة" عن "مهيمن": "لم يحدث معي أن تولّهت برجل يقنعني أنّ الرمّان لا يكون رمّانًا إلّا إذا تناولته من يده" (ص 133)
-       "هل يخشى السجين من أن يقرأ سجّانه أفكاره؟" (ص145)
-       تقول طاووس عن الجريدة: " مفيدة لمن لا يقرأ. تحمي الرأس من الشمس. توضع على حافّة الرصيف للجلوس في انتظار الباصّ. تفرش على المائدة ساعة الأكل".(ص162)
-       "ما أحلى الحياة حين تكون الامتحانات معضلتها الكبرى. بعد ذلك تتعقّد الحياة". (ص167)
-       "بكاء النساء هنا ليس هواية. بل طريقة حياة. رياضة يمارسنها بانتظام، فرادى وجماعات، للحفاظ على لياقتهنّ الروحيّة". (ص190)
***

الكاتبة صحافيّة عراقيّة تقيم في باريس، لها:
-       لورنا، سنواتها مع جواد سليم، سيرة روائيّة، دار الجديد، 1998
-       العراق بأقلامهنّ، محنة العراق بأقلام نسائه، نصوص من الأدب العراقيّ (بالفرنسيّة) دار لو سيربان آ بلوم 2003
-       سواقي القلوب، رواية، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، 2005
-       الحفيدة الأميركيّة، واحدة من ستّ روايات اختيرت على اللائحة القصيرة للجائزة العالميّة للرواية العربيّة (البوكر) 2009، صدرت بالفرنسيّة بعنوان "إذا نسيتك بغداد"، ترجمة علا مهنّا وخالد عثمان.

***
لوحة الغلاف: تفصيل من لوحة شاي العصر للرسّام العراقيّ فيصل لعيبي


ليست هناك تعليقات: