الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 16 فبراير 2012

السلطة الخامسة: القرّاء النقّاد


George Cruikshank
The Headache

المرّة الأولى التي خطرت لي فيها فكرة الكتابة عن القرّاء الذين صاروا سلطة خامسة، مذ أتاحت لهم السلطة الرابعة أي الصحافة أن يعطوا آراءهم في كلّ شأن،  كانت حين قرأت تعليقًا لقارئ مجهول، على أحد المواقع الإلكترونيّة، عن كتاب للشاعرة عناية جابر. والقارئ الذي عرّف عن نفسه بأنّه عربيّ لم يكتفِ بالتعبير عن عدم إعجابه بقصائد الشاعرة، بل أضاف جازمًا إنّ كلّ ما تكتبه الشاعرات اللبنانيّات لا قيمة له.
حين قرأت تلك العبارات القاسية التي يمكن أن يكون صاحبها أيًّا كان (امرأة أو رجلًا، شاعرًا أو ناقدًا أو مجرّد متطفّل)، شعرت بالخوف من هذه الحريّة التي أتاحت لكلّ واحد منّا، ومن دون الإفصاح عن هويّته الحقيقيّة، أن يقرّر قيمة ما يراه أو يسمعه أو يقرأه... وفكّرت في أنّ هذا النوع من الحريّة خطير ومؤذ، يشبه وضع علبة كبريت في يد طفل لا يعرف الخطر الذي يمكن أن يتسبّب به اللعب بعيدانها. ولا أعني بالخطر أن تتأذّى عناية جابر مثلًا أو أيّ شخص مبدع آخر، بل الخطورة في ألّا يبقى المتلقّي متلقيًّا مستعدًّا للتفاعل مع ما يتلقّاه. فما دام قادرًا على أن "يبدع" هو الآخر في غياب أيّ رقيب أو حسيب فلماذا يبقى منتظرًا ما يصدر عن سواه. وغياب هذا التفاعل يفقد الإنسانيّة حسّها الاجتماعيّ، إذ يتحوّل كلّ منّا حلقة تدور حول نفسها ولا تطيق الآخر.
ولكي لا يكون الأمر مجرّد تنظير، جعلت نفسي عنصرًا فاعلًا في هذه السلطة الخامسة، وقرّرت أن ألعب لعبة الاستفادة من حريّة التعليق التي تتيحها الصحف لعلّني أكتشف شعور من يختبئ خلف الاسم المستعار وفي موقع لا رقابة عليه. لقد سبق لي وكتبت باسم مستعار (مي م الريحاني) لكنّ الأمر كان مختلفًا إذ كانت الصحيفة (النهار) قادرة على رمي النصّ في سلّة المهملات في حال لم يتمتّع بالقيمة الأدبيّة التي تسمح بنشره.
فاخترت إذًا مقالة في إحدى الصحف وكتبت تعليقًا عليها، فنشر، ثمّ كتبت ردًّا على التعليق، فنشر، ثمّ كتبت ردًّا آخر على التعليقين فنشر، وهكذا إلى أن توالت الردود بين موافقة واعتراض، مرّة بصفة مجهولة ومرّة بأسماء غريبة، وكلّ شيء ينشر من دون اعتراض. وهذا في حدّ نفسه جميل ومغرٍ، ويستحقّ دراسة اجتماعيّة ونفسيّة، نعالج فيها حاجتنا إلى حريّة التعبير، مهما ادّعينا أنّنا حقّقناها. ولكن حين أنهيت تجربتي شعرت بما يشبه شعور القرد الذي يلحس المبرد، كأنّني استهلكت حريّتي حتّى آخرها ولكن من دون تحقيق أيّ نتيجة.
استعدت هذه الأفكار منذ بضعة أيّام حين قرأت ردًّا عنيفًا وجّهته إليّ قارئة (اسمها تاتيانا حبالله - تولوز) عبر جريدة "الحياة"، تردّ فيه على رأيي في رواية هدى بركات "ملكوت هذه الأرض"، وتأسف للحال التي وصلت إليها كتابة المقالات. أثار الأمر ريبتي في البداية، خصوصًا عندما لاحظت أنّ التعليق وصل إلى الجريدة بعد ساعات قليلة من نشر المقالة على الموقع الإلكترونيّ (أي حوالى منتصف الليل)، ومع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الصحيفة لا تنشر التعليقات التي تسيء إلى الكاتب أو تستخدم كلمات نابية. المهمّ في الأمر أنّني توقّفت طويلًا أمام التعليق الذي جعلني أشكّ في كثير من الأشخاص الذين قد يكونون خلف تلك الكلمات التي لا يمكن أن تصدر عن قارئة معجبة بالرواية فحسب، بقدر ما تحمل موقفًا شخصيًّا منّي. أحد الأصدقاء اعتبر أنّني أخطأت في الإشارة إلى عدد من الروائيّين في مقالة عن "هدى بركات"، فهذا أمر لا يجوز في النقد العربيّ، إذ لا أحد من المبدعين يرضى بتواجده مع سواه في مكان واحد، خصوصًا إن كان هذا المكان مقالة صغيرة في صحيفة. وفي رأي هذا الصديق قد يكون التعليق صادرًا من جهة الروائيّة نفسها التي لم يعجبها النصّ. غير أنّني لم أستطع الاقتناع بهذا التحليل، خصوصًا أنّ الروائيّة هدى بركات كتبت إليّ، ونحن لم نلتق أو نتواصل قبل ذلك، تهنّئني على مقالتي في هذه المدوّنة عن إحصائيّات معرض الكتاب العربيّ (معارض الكتب وقراءة نقديّة أبعد من الأرقام). فكيف يمكن أن تضيق صدرًا بمقالة في صحيفة عرضت الكتاب وأثنت عليه، وهي تعلم أنّ العُجالات في الصحف لا تحتمل الكثير من التحليل والدراسة؟
استعدت وأنا أقرأ تعليق القارئة ما سبق وشعرت به وأنا اقرأ التعليق على كتاب "عناية جابر": الإحساس بأنّنا أمام سلطة غاشمة (أي ظالمة) أشدّ فتكًا من السلطات الأربع المعروفة: التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة والصحافة، لأنّها سلطة مستترة لا نعرف في الغالب وجوه ممارسيها ولا حقيقة وجودهم ولا مقدار ما يعرفونه عن الموضوع الذي يدلون برأيهم فيه. صحيح أنّ الصحافة المكتوبة، قبل عصر الإنترنت، فتحت مجال الردّ للقرّاء، إلّا أنّ الأمر لم يكن سهلًا أو تلقائيًّا أو مشاعًا كما هو الحال الآن مع الشبكة الإلكترونيّة العنكبوتيّة.
أخبرني أحد الصحافيّين أنّه يقرأ تعليقات القرّاء على المقالات في الصحف أكثر ممّا يقرأ المقالات لأنّها، في رأيه، تعبر عن نبض الشارع وأفكار الناس. خطر لي وأنا أسمعه أنّ تلاعبي بالتعليقات التي كتبتها لإحدى الصحف، من باب تجربة هذه المساحة من الحريّة، يعبّر أيضًا عن حاجة كلّ واحد منّا إلى استغلال هذه "العتمة" لممارسة شذوذ فكريّ والذهاب بعيدًا في جرأة القول إلى حدّ الوقاحة أحيانًا أو البذاءة ولو كان ما نكتبه من وحي الخيال الخبيث أو الحقد الأعمى أو الإعجاب المرضيّ...كلّ ذلك ونحن مطمئنّون إلى أنّنا مجهولون لن يُلقى القبض علينا.
كتب أنسي الحاج في صحيفة "الأخبار" مقالة عن كثرة الكتّاب بالمقارنة مع انخفاض عدد القرّاء. لا شكّ في أنّ إمكان النشر عبر الإنترنت (الفايسبوك، تويتر، المدوّنات...) وسهولته ومجّانيّته ساعد في تفشّي موضة الكتابة، لكنّ قيمة هذه الكتابات هي ما يحتاج إلى ميزان دقيق، فضلًا عن السؤال عمّن يقرأ هذه الكميّة الهائلة من الكلمات التي تتدفّق على المواقع الإلكترونيّة والصحف والمجلّات والكتب، في حين أنّ نسبة القراءة في البلاد العربيّة تسجّل عامًا بعد عامًا أدنى نسبة بالمقارنة مع غيرها من الدول.
  

ليست هناك تعليقات: