الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 11 فبراير 2012

سقط سهوًا (عن الأهل وأولادهم)


Edward Munch
The Dad Mother


-       سقط ماؤه سهوًا في رحم الفتاة فنما طفل سقط سهوًا في الزقاق، فالتقطه عامل التنظيفات المسنّ، وضمّه إلى مجموعة منّوعة، يحتفظ منذ سقطت تلك التفّاحة سهوًا في يد الرجل الذي سقط من الفردوس.
-       ولد الطفل في المستشفى حين سحبته الممرّضة الغريبة التي ضربته على قفاه كي يصرخ. ثمّ حملته الخادمة الغريبة التي كانت تضربه لأنّه كان يصرخ، ثمّ أرسلوه إلى الحاضنة الغريبة ليصرخ خارج البيت الهادئ، وبعد ذلك صفعته المعلّمة الغريبة لأنّه كان يصرخ في الملعب. ولكن في عيد العَلَم طلب منه المدير الغريب أن يرفع رأسه ويصرخ مطالبًا برحيل الغرباء لتكون صورته معبّرة في كتاب المدرسة السنويّ. وحين صرخ في وجه المعلّم الغريب مدافعًا عن كرامته، قال له المدير إيّاه: لا ترفع رأسك أمامي وإلّا صفعتك. في صحراء الغربة، صرخ الطفل وهو يحكّ مكان الصفعة الأولى على قفاه مطالبًا بمن يشرح له شروط الصراخ فلم يسمع سوى الصدى المدوّي، فحزن حزنًا عميقًا وصمت إلى الأبد.
-       اشترت المرأة طفلًا طازجًا غير أنّها نسيت معه أمومة تحفظه ففسُد.
-       "أولادكم ليسوا لكم". صحيح. لكنّهم ليسوا للجيران أو لأهالي أصدقائهم أو للخادمات أو للمعلّمات أو للإدمان أو للانتحار أو للغربة. من المفروض أن يكونوا أبناء الحياة لا ضحايا الوحدة واليأس والموت.
-       أمضت المرأة شبابها وهي تخضع لعلاج يسمح لها إنجاب الأطفال. وعندما تحقّق لها ذلك أخيرًا وهي في مرحلة متقدّمة من العمر، عهدت بطفلها لأمّها ومربّية وممرّضة وخادمة وعادت لتمارس عملها "بهدف المزيد من تحقيق الذات".
-       نالت شهادة عالية، وقرأت آلاف الكتب، وأجادت الكلام في أكثر من لغة (استعملتها غالبًا في الثرثرة والنميمة)، غير أنّها لم تشعر بالثقة بالنفس إلّا عندما أقامت عرسًا فخمًا، وأضافت إلى شعرها الخفيف جديلة طويلة فاجأت بها الناس الذين فهموا بأيّ حبل اصطادت العريس الذي يصغرها سنًّا.
-       أمضى الأب حياته وهو يؤمن بأنّه يستحقّ أولادًا أفضل من الذين أنجبهم. من الواضح أنّه لم ينظر في وضوح إلى نفسه في المرآة، ولم يسمع نفسه في انتباه وهو يتحدّث، ولم يفكّر للحظة واحدة في أنّ أولاده لم يجدوا لحظة واحدة لهم في جدول أعماله الممتلئ بالمواعيد أو مكانًا ولو صغيرًا في حياته التي أسّسها متناسيًا وجودهم. فكبروا خارج المكان والزمان ولو يعودوا من هذا العالم.
-       بدت الابنة مرتاحة البال وهي تتحدّث عن طفولتها قائلة إنّ والدتها أمضت حياتها في السرير مريضة ولم تهتمّ بها. ثمّ أضافت: لا يحقّ لها أن تطالبني بشيء ولا تستطيع أن تذكّرني طوال الوقت بتضحياتها من أجلي واهتمامها بي، ولست ملزمة تجاهها بأيّ واجب. لمعت السعادة في عيني الابنة وهي تتكلّم كنصل حادّ متشوّق للطعن.
-       حضرات الأهالي الكرام: هناك أزمة حليب وطعام وفواتير، فتوقّفوا عن إنجاب الأطفال ما دمتم ستنزعجون من وجودهم في البيت، وتحارون ماذا ستفعلون بهم في المهلة القصيرة الفاصلة بين المدرسة والمخيّم الصيفيّ، أو في أيّام العطل.
-       قالت الأمّ متباهية: لا أشعر بوجود طفلي طوال النهار، فهو هادئ وصامت مثل الملاك، يجلس أمام التلفزيون ولا يتحرّك. غير أنّ الطفل فاجأ الجميع يوم عيد الأمّهات حين نهض عن الكنبة، وتوجّه نحو أمّه وهو يضحك ببراءة، وأطلق عليها الرصاص من مسدس استعاره من بطله المفضّل.
-       بعدما أنجبت مديرة المدرسة ثلاثة أولاد، وأمّنت استمرار سلالة بشريّة من النوع الممتاز، أصدرت قرارًا يمنع الموظّفات والمعلّمات عن الحمل لأنّهنّ ستغيّبن عن العمل ويعطّلن نجاح المؤسّسة، وأجبرتهنّ على توقيع وثيقة تقول إنّ كلّ موظّفة تخالف الأمر وتحمل، ستجبر على تقديم حليب صدرها (تعرف أنّهنّ يحلبن صافيًا) لأطفال المديرة، وعند الفطام يطردن. "خلصنا غنج ووحام ونوم وولاد فقرا". ختمت المديرة بيانها الرسميّ.
-       صرخت الأمّ الشابّة في وجه الطبيب: ماذا تقول؟ طفلتي مصابة بالسرطان؟ ياإلهي ما أتعس حظّي! هل كتب عليّ منذ الآن أن أمضي حياتي في المستشفيات؟ فأجاب الطبيب: مدام! ابنتك هي المريضة والقضيّة هي قضيّة حياتها هي لا حياتك أنت؟ فردّت الأمّ في ذكاء تُحسد عليه: إنّها طفلة لا تفهم ماذا يجري ولا تشعر بشيء! فهمس الطبيب في أذن مساعدته وهو يغادر الغرفة: لا تزال تتكّلم عن نفسها.
جريدة النهار – الثلاثاء 10 حزيران 2008

هناك تعليقان (2):

Sad yasser يقول...

أروع ما قرات بلغة عربية، مقالك سيدتي خصب بالشجن التربوي الاصيل الذي يمس عصبا معطلا في حياتنا لأنه ارتخى بفعل السعي الى تحقيق الذات في مسرح مجتمع استهلاكي متهالك القيم. نريد أن نزين حياتنا بأطفال كما نزين منازلنا بأفخم اثاث، لكننا لا نشعر بذلك الأثاث لأنه كان مجرد حاجة لا واعية او رغبة غامضة.ضياع المسؤولية الأبوية و الأمومة كرابطتين وجوديتين و اخلاقيتين تؤسسان للمعنى منذ المهد. و أنا اقرا المقال و اسير سيرا متأنيا بين دروب كلماته الشفافة تزاحمت في ذهني كل أفكار جون جاك روسو في كتابه " إميل، أو التربية"
احترم فيك ماري المربية.
محمد ياسر سعد

ماري القصيفي يقول...

محمد ياسر سعد
شكرًا على مشاركاتك القيّمة، ويسعدني أنّنا نتشارك في الكثير من الأفكار والهموم، وهذا في حدّ نفسه ربح في زمن الهزائم
مودّتي واحترامي