الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 24 أغسطس، 2010

القدّيسة سندريلّا

سندريلاّ العاملة المحظوظة
سندريلّا القليلة الحظّ

سندريلّا بعدما هجرها الأمير مع طفلها

سندريلّا تفكّر في المستقبل

سندريلّا تعلّم الصبيّ القراءة وهو يعلّم بنات جنسها الخضوع


     لا يمكن أن تكون سندريلّا على مثل هذا النقاء في القلب والطهر في النفس فضلاً عن امتلاكها فضائل الطاعة والفقر والعفّة وإلاّ لكانت راهبة في دير لا خادمة في بيت أبيها. هذا ما خطر لي حين أخبرني أحد الأصدقاء عن عمّته التي قيل عند انتشار خبر موتها: ارتاحت أخيرًا من خدمة أخوتها وأولادهم.
     ولا أعتقد أنّ أحدًا منكم لا يعرف امرأة واحدة على الأقلّ عاشت طوال حياتها تنتظر الأمير الجميل الذي ينقذها ممّا هي فيه وماتت عجوزًا لا ترفع رأسها عن الأرض، لتخفي على الأرجح ما تشعر به ويظهر واضحًا في ملامح وجهها ومياه عينيها. ولكن هل كانت تلك المرأة تشعر بالخيبة فقط أم أنّ أيّام التعب عجنتها بعرق الحقد وخبزتها على نار الغضب؟ يحلو للرومنطيقيين أن يقولوا لعلّها صارت قدّيسة تقيم فيها السكينة، شفيعة المحكومات بمصائر لم يكن للواحدة منهنّ رأي في تقريرها وتحمّل النتائج. فلنتخيّل لسندريلاّ سيرة حياة مختلفة عن تلك التي محت من أدمغتنا فكرة الرفض وفرضت علينا الخنوع.
     ماذا لو كانت سندريلّا مع كل ضربة مكنسة تمتلئ حقدًا، ومع كلّ قطعة حطب تحملها إلى موقد لا مكان لها قربه تزداد غضبًا، ومع كلّ إهانة تتلقّاها تشتعل رغبة في الانتقام؟ ماذا لو أنّ القهر جعلها هي الشريرة التي تمثّل دور الضحيّة، وكانت عند نهايات نهارات العمل والإهانة تنصرف إلى التخطيط لا إلى الحلم، وإلى تحضير المكائد لا إلى استحضار أرواح الساحرات الطيّبات؟ أكتب هذا التصوّر وفي بالي مجموعة من الأوانس والعوانس اللواتي فُرضت عليهنّ حيوات لا يُحسدن عليها: واحدة منهنّ خدمت والدتها لعشرة أعوام، وحين ماتت أمّها مرض والدها فخدمته لأكثر من عشرة أعوام أخرى، وحين توفّي، وجدت الوقت المناسب لتمرض هي، كأنّ الأعوام التي أكلت عمرها والحسرة التي التهمت شبابها لم تبق فيها ما يستحقّ الحياة. واحدة غيرها مات أبواها ومن بين مجموع أخوتها وأخواتها كان لها حظّ الاهتمام بأخوين عاجزين عقليًّا عن تدبّر شؤونهما، وثالثة هي البنت الوحيدة بين سبعة شبّان أمضت عمرها وهي تشرف على رعاية الوالدين ومن بقي عازبًا من الأخوة، ورابعة أرسلوها مع "جهاز" ابنة أختها.
     الأمثلة أكثر من أن تحصى وفي كلّ بيت حالة مشابهة. والحالات كلّها تجد حلولها في وزارتي العمل والشؤون الاجتماعيّة المطالبتين بمعالجة هذه الأوضاع بالتعاون مع سائر الوزارات. فضمان الشيخوخة حلّ يقي المتقدّمين في السنّ العوز ويحرّرهم من ذلّ الاتكال على مساعدة من يفرضون عليهم شروطًا تذلّهم، والقروض السكنيّة حلّ عمليّ للواتي لم يتزوّجن والمعروف أنّ هذه القروض تعطي الأوليّة للمتزوّجين. والمؤسّسات الدينيّة (كوننا في نظام طائفيّ) مدعوة كذلك للتعاطي وهذا الملفّ عبر رصد الحالات التي تستدعي الاهتمام بالعجائز وبمن يخدمهم.
     ومشكلتنا الأساسيّة هي أنّنا أمام هذا النوع من المشكلات ما زلنا عاجزين عن تحديد هويّتنا الحضاريّة: فالمفروض في القرية أن يتعاون الجميع (ولو عن غير محبّة بل لضرورات حياتيّة)، وعبر البلديّات والمجالس الاختياريّة، على مساعدة من يحتاج إلى مساعدة ، وفي المدينة من الطبيعيّ أن توجد مؤسّسات اجتماعيّة وحكوميّة ترعى شؤون المحتاجين إليها. أمّا نحن فلا نعرف إن كنّا قرويين أم مدينيين، أبناء دولة أم أتباع دين، إذ لم يبقَ من حياة القرية إلاّ مأكولاتها، ولم نأخذ من حياة المدينة إلاّ ملابسها، أمّا جوهر الأشياء فغائب في كلتا الحالين، ولا فرق بين علمانيّ ومتديّن.
     في أدبنا القصصيّ شخصيّات نسائيّة يتجاذبها التعقّل والجنون وتعيش على هامش الحياة. أكثرها يصحّ عليه ما نحن في صدده: نساء في منتصف العمر، عانسات أو أرامل أو مهجورات تركهنّ الأزواج ليرحلوا بحثًا عن حياة مختلفة خلف البحار، وفي كلّ الحالات هنّ ضحايا فرض عليهنّ المجتمع إطارًا يجمع بين السجن والعمل، حتّى ليصحّ أن نقول إنّهن محكومات بالأشغال الشاقّة المؤبّدة: العانسات لأنّهن لم يرضين بأوّل عريس، والأرامل لأنّهنّ بقين على قيد الحياة في حين "هوى جسر البيت"، والمهجورات لأنّهن لم يستحققن عودة الزوج إليهنّ. أمّا الأقاصيص التي تصوّر عالم المدينة فلا تضع هذه الشريحة من النساء إلاّ في عالم الخدمة المنزليّة أو الدعارة.
     والغريب أنّ أيًّا من الجمعيّات المتعاونة مع وزارة الشؤون الاجتماعيّة لا تأتي على ذكر هذه الحالات التي لم يخفّف منها انتشار العلم وتوفّر العمل كأنّ الأمر من طبيعة وجود المرأة ( أن تخدم أهلها وأخوتها وأولاد أخوتها) فلا هي معنّفة ولا هي معوّقة ولا مدمنة مخدّرات ولا أمّ عزباء ولا في موقع من يحتاج إلى رعاية حكوميّة أو خاصّة ما دام أخوتها يؤمنّون لها الطعام والشراب والمنامة. أمّا اللواتي يعترضن على هذا الوضع فما عليهنّ إلاّ أن يطلبن شفاعة سانت سندريلّا!
***
النهار - الثلثاء 24 آب 2010

ليست هناك تعليقات: