الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 5 أغسطس، 2010

متى يحتار المستشار؟


من هو المستشار الأوّل؟ ومن كان أوّل زعيم عيّن مستشارًا؟ وعلى أيّ أساس يتمّ اختيار المستشارين؟
طبعًا لا أملك أجوبة على هذه الأسئلة. ولكنّها مقدّمة مقبولة للحديث عن دور المستشارين الذين في لحظة مصيريّة من حياتهم يحتارون في أيّ جواب يقدّمون: هل يعطون الجواب الصحيح أم الجواب الذي يريده طارح السؤال؟ وكم من رؤوس تدحرجت بسبب جواب أثار حفيظة الرأس الكبير ودفعه إلى قتل مستشاره الحبيب.
منذ فجر التاريخ المعروف والمستشارون يدفعون أثمانًا باهظة لأنّهم أشدّ حنكة من الحكّام الذين يطلبون رأيهم، وأكثر قدرة منهم على تحليل الأمور، وأوسع اطّلاعًا، وأبعد نظرًا، وأعمق فهمًا لنفسيّة الحاكم ونفسيّات المحكومين. ولكن في لحظة معيّنة، في لحظة مدّتها لحظة يقف المستشار على مفترق طرق ويتردّد في اختيار الجواب الذي يجب إعطاؤه. هو يعلم ما هو الجواب الصحيح ولكن هل يقوله في صوت مرتفع ويخسر رأسه المرتفع فوق كتفيه، أم يعطي الجواب الذي يعرف أنّ الحاكم يريد سماعه من فم مستشاره رغبة منه في الاطمئنان إلى وجود صوت آخر غير صوته يشير عليه بما يعلم أنّه يحتمل الخطأ وإلاّ لما استشار أحدًا منذ البداية.
في هذه اللحظة القصيرة - واللحظة دائمًا قصيرة للمحكومين- يعرف المستشار بحكم خبرته ومهاراته وحكمته أنّه خاسر في كلتا الحالتين. المهمّ كيف يحدّد المستشار الذكيّ حجم الخسارة ويقرّر إن كان سيدخل التاريخ برأس مقطوع لأنّه أغضب سيادة الحاكم أم بنفَس مقطوع لأنّه أغضب ضميره.
الحاكم الجبان والغبيّ هو الذي يخاف من مستشار شجاع وذكيّ. ولذلك فمن الطبيعيّ أن يكون عدد الحكّام الناجحين في التاريخ أقلّ بكثير من عدد الحكّام الفاشلين. وتعريف النجاح والفشل هنا مرتبط طبعًا بنظرة كلّ منّا إلى الدور الذي يجب أن يؤدّيه الحاكم وشروط هذا الدور الأخلاقيّة والفكريّة الاجتماعيّة والدينيّة والإنسانيّة. وكلّ هذه الأمور نسبيّة بالطبع، ومن يجده أحدكم زعيمًا ناجحًا وقويًّا قد يراه آخرون متسلّطًا غاصبًا ومجرمًا. وعندما يصل هذا الاختلاف في الحكم على الحكّام والقادة إلى المؤرّخين الذين عليهم أن يكونوا محايدين وموضوعيين نكتشف أنّه لا مجال إذًا للاتفاق على الحاكم المثاليّ الذي لن يوجد إلاّ في المدن الفاضلة وحكايات الأطفال.
في مسرحيّات الأخوين رحباني، لمستشار الحاكم دور أساس. قد لا يكون لنصائحه الأثر الكبير على سير الأمور في المملكة أو الرعيّة أو الوطن، ولكنّه يقول ما يجب أن يقال لعلّ أحدًا في آتي الأيّام يسمع ويستجيب. ولعلّ هذا الدور الأساس للمستشار بحسب رؤية الأخوين رحباني لسير الحكم يعكس طبيعة العمل السياسيّ والإداريّ في لبنان خصوصًا والعالم العربيّ عمومًا، إذ لا أحد ( ما عدا حالات خاصّة جدًّا) من رؤساء الدول أو الحكومات أو المجالس النيابيّ وسواهم من العاملين في الشأن العامّ سمح بأن يكون إلى جانبه مستشارون أكثر معرفة منه، لأنّ المعرفة قوّة تخيف هؤلاء الرؤساء والزعماء وتفقدهم الثقة بأنفسهم وقدراتهم، وهي قدرات مهما نمت وكبرت وتشعّبت تبقى محدودة وتحتاج إلى رأي ثان وثالث ورابع، كلّ في اختصاصه ومجاله.
"إذا أردت أن تعرف ماذا يجري في إيطاليا عليك أن تعرف ماذا يجري في البرازيل"، بحسب ما يردّد نهاد قلعي في المسلسل الشهير "صحّ النوم"، وإذا أردت أن تعرف ماذا يجري على الصعيد العامّ فعليك أن تعرف ماذا يجري على الصعيد الخاصّ. أنظر إلى نفسك، فأنت كعربيّ مقتنع تمام الاقتناع ومؤمن أشدّ الإيمان بأنّك تفهم في كلّ شيء وتعرف كلّ شيء وخبير في كلّ الأمور وأذكى إنسان عرفه العالم. ومن المؤكّد أنّك تنقل هذا الإيمان إلى أولادك وأحفادك. وبالتالي ما حاجتك إلى من يشير عليك بأن تفعل كذا ولا تفعل كذا؟ وهكذا حاكمك! (أليس كما تكونون يولّى عليكم؟)، فهو يردّد: ومن هو حضرة الباحث الفلانيّ كي يظنّ أنّه قادر على أن ينصحني ويعطيني رأيه، فأنا لا أثق إلاّ بنفسي وبصديقتي وابني وصهري وابن عمّي، ولا أظنّ أنّ شهادات هذا الخبير وكلّ الكتب التي قرأها ستجعلني أثق بولائه الأعمى لي.
هذه هي كلمة السرّ: الأعمى، الولاء الأعمى، المستشار الأعمى الذي عليه ألاّ يرى (ولو رأى)، أن يكذّب عينيه، أن يقتلعهما إن دفعتاه إلى الشكّ. وإلاّ فلا مكان له في قصر الحاكم.
أيّها المستشار، إن أردت أن تبقى مستشارًا فلا تجعل لسانك منشارًا، واعمل كما نصح الوزير الملك في نصّ لجبران خليل جبران حين أشار عليه بأن يشربا من مياه البئر ليصيرا مجنونين كسائر أفراد الرعيّة. وإلاّ فستمضي عمرك أيّها الباحث وأنت تبحث عن لقمة العيش!

ليست هناك تعليقات: