الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 7 أغسطس، 2010

المال النفطيّ والصحافة وعود الكبريت



يكثر الحديث اليوم في لبنان (2008)، ومع اقتراب موعد الانتخابات النيابيّة، عن المال المتدفّق على جيوب الزعماء ورؤساء الأحزاب والتيّارات، ليذهب جزء بسيط منها إلى جيوب الناس المطلوب منهم أن يهرعوا يوم الانتخاب لانتخاب النوّاب، النوّاب أنفسهم الذي دفعوا المال ودفعوا البلاد إلى الهاوية. ويتبارى صحافيّو المرحلة، بالنيابة عن زعمائهم، في سرعة فضح مصادر الأموال المشبوهة، ويتبارزون في من يتفوّق على الآخر في وضع مصطلح تخويّني جديد لم يخطر على بال أحد: فصار عندنا المال النفطيّ، والمال الوهّابيّ، والمال الفارسيّ، والمال الخليجيّ، والمال المفسد، ومال يهوّذا الذي خان المسيح، والمال الانتخابيّ، والمال الملوّث، وإلى ذلك من العبارات التي صحّت على الجميع وإن في مراحل مختلفة ونسب متفاوتة.
ولقد وضع الشاعر أنسي الحاج قلمه في الجرح وحرّك المواجع حين كتب عن ارتباط الصحافة بالمال وارتهانها لأنظمة ودول، وذلك في مقالته الأسبوعيّة في صحيفة الأخبار اللبنانيّة يوم السبت 29 تشرين الثاني 2008. وأنا إذ أوافقه الرأي في الكثير ممّا كتبه لا يسعني إلاّ أن أضيف بعض الأمور، وأنا أعرف أنّ الحديث عن هذا الموضوع لا يرتبط بتاريخ نشر النصّ ولا بتاريخ نشر هذا الرأي، لأنّنا كلّما اقتربنا من استحقاق ما، وفي لبنان عندنا كلّ يوم استحقاق، يتجدّد الحديث عن الفساد والمال والمصالح.
نعم، "لقد أفسد المال النفطيّ كلّ شيء. وعوض أن يحرّر الشعوب العربيّة والإسلاميّة الفقيرة من العوز والأميّة ركّزها في تخلّفها وذهب قسمه الأكبر متدفّقًا إلى الذمم يشتريها والأقلام يسخّرها والكبار يراودهم عن غرائزهم ويحني هاماتهم إذلالاً وتسوّلاً إلى أعماق الوحل". غير أنّنا لا نستطيع أن ننفي عن الذين باعوا أنفسهم وسخّروا أقلامهم وأحنوا هاماتهم تهم البغاء والزحفطونيّة والرغبة في الإثراء السريع والولع بالسلطة والمتسلّطين والتأهّب الدائم للانتقال من معسكر إلى آخر ما أن تتغيّر رياح السياسة وتنقلب موازين القوى. لم يكن المال النفطيّ ليفسد من ليس مستعدًّا وحاضرًا ومهيّأ للفساد.
ونعم، "صارت الصحافة اللبنانيّة تنتظر جرعاتها المنعشة إمّا من الخليج مباشرة وإمّا بواسطة رجاله اللبنانيّين"، غير أنّ هذه الجرعات كانت تميت الحريّة بقدر ما تعلي القصور الأنيقة وتشتري البيوت الفخمة في أوروبا واليخوت الضخمة والجياد الأصيلة. وفي المقابل كانت رواتب الموظّفين تبقى على حالها وتتهاوى قيمتها الشرائيّة مع الوقت والغلاء وارتفاع الأسعار.
على كلّ حال، متى كانت الصحافة عندنا لا تتلقّى الجرعات؟ وهي من كلّ جنس ونوع: تركيّة وفرنسيّة وبريطانيّة وأميركيّة وروسيّة قيصريّة ثمّ شيوعيّة ثمّ "بوتينيّة"، وخليجيّة عربيّة وخليجيّة فارسيّة ومصريّة وسوريّة وعراقيّة (هل نسينا المال العراقيّ خلال الحرب وبعدها؟). وماذا يفعل الصحافيّ اللبنانيّ، لا مالك المؤسّسة، حين يعمل في صحيفة ما ولا يقبض راتبه وإن حصّله فبعد نهاية الشهر بكثير أي بعد أن تستحقّ الفواتير ويسمع الإهانات؟ وهل نعتب عليه إن مدح من يدفع له قسط أولاده أو قيمة التأمين الصحيّ ويقيه شرّ العوز؟
نعم لقد أفسد المال النفطيّ الضمائر والقلوب، ولم يعد صاحب المؤسّسة الصحافيّة يشعر بحاجة الناس إلى الرواتب والعلاوات والمكافآت لأنّ المال الذي أنقذ مؤسساته من الغرق أغرقه في الاستزلام. فالمشكلة ليست في المال النفطيّ المتدفّق علينا أو الذي نهرع إليه بل في نفوسنا التي اعتادت التسوّل ولو في سبيل العربدة والسكر والميسر والتجارة بالكلمة والجسد والدين وكلّ ذلك تحت شعار كبير اسمه الحريّة. الشاري صار يعرف البضاعة ولم يعد في الإمكان خداعه، ولذلك فقول أنسي الحاج "حين يكتب أحدهم في جريدة عن السعوديّة أو الكويت أو قطر أو الإمارات تحسبه يتغزّل بالرقيّ في اسكندينافيا أو بأحدث آفاق الهندسة المعماريّة في نيويورك" لا يصحّ دائمًا لأنّ الناس صاروا يعرفون أنّ هذا الصحافيّ الذي يملك بيوتًا في بيروت ولندن وفرنسا ودبيّ ويغيّر سيّارته كلّ سنة لا يبيع كلامًا فقط. وأوّل من يعرف ذلك عنه أو عن سواه هم الذين يدفعون له ولسواه. الدول الخليجيّة ليست قَطعًا اسكندينافيا أو نيويورك، وتحتاج إلى الكثير من العمل والتخطيط لتصل إلى مستوى الرقيّ المطلوب، وأهلها أكثر من يعرف ذلك. ولكن المشكلة في ما نعرفه نحن اللبنانيين عن بعضنا ونخجل من البوح به حتّى أمام أنفسنا، وأهمّ ما نعرفه أنّ شرف الصحافة ليس بالتأكيد "زي عود الكبريت"، وخصوصًا في زمن عمليّات الترقيع.

ليست هناك تعليقات: