الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 10 أغسطس، 2010

إذا لم تكن هذه هي الحرب فما هذا الذي نحن فيه؟

ألوان أمين الباشا تتكامل/ ألواننا السياسيّة تتقاتل


أنا ابنة الحرب، وصرت أعرف أنّ لها وجوهاً كثيرة وصفات لا تحصى، وأنّها تملك من الأقنعة ما يجعلنا مخدوعين بها، فنعيش معها وفيها ونحن موقنون بأنّنا في سلم أهليّ وبأنّ الدنيا بألف خير. حرب أهليّة، حرب الآخرين، حرب بشعة، حرب التحرير، حرب الإلغاء، حرب المقاومة، حرب التصدّي والصمود، حرب باردة، حرب دفاعيّة، حرب وقائيّة، حرب مصيريّة، حرب اقتصاديّة، وكثير غيرها، ولذلك صرت أعرف أنّ ما نحن فيه، وإن لم يكن فيه قصف وتدمير، هو الحرب في أبشع صورها، لأنّ ما نحن فيه يقصف أعمارنا من الخوف في انتظار الحرب ويدمّر خلايانا العصبيّة حتّى صرنا نقول فلتقع الحرب لعلّنا نرتاح من همّ انتظارها. أليس من وجوه الحرب أن نبقى في حالة خوف من وقوعها فلا نفعل شيئًا سوى سماع البيانات والخطابات وقراءة التحليلات والدراسات ورصد التحرّكات والتجمّعات؟ أليس من علامات الحرب أن نلغي مشاريع السفر للسياحة كي لا "نعلق" في الخارج وننام في مطارات العالم، وأن نطلب من أحبابنا في الخارج أن يلغوا مجيئهم إلى لبنان كي نجنّبهم الموت أو على الأقلّ الخوف والبهدلة، وأن ننتظر ما ستطلبه السفارات الأجنبيّة من مواطنيها، وأن نستأجر منزلاً نقنع أنفسنا بأنّه بعيد عن ساحة المعركة، وأن نمتنع عن صرف ما في الجيب خوفًا ممّا سيحمله لنا الغيب؟ وقرشك الأبيض خبّيه للسبت الأسود الذي قد يمتدّ على كلّ أيّام حياتك. أليست هذه أهداف الحرب؟ ها هي قد تحقّقت.
البلد على كفّ عفريت (كما حاله دائماً): الإشاعات تملأه وتفيض إلى خارجه، والمجتمع منقسم بين من يفتّش عن قضيّة ليموت من أجلها، وبين من يفتّش عن متعته لأنّه شبع مقاومة وموتاً. مجتمعان متناقضان: واحد يضع الحجاب فوق الحجاب فلا تصل إليه وآخر صار يريد أن يخلع جلده بعدما خلع ملابسه. فكيف يكون حوار بين مجتمعين متناقضين إلى هذا الحدّ مع غياب من يصلح لتحكيم العقل؟ لذلك يبدو غياب أهل الفكر والعلم لافتًا في مجتمعٍ ترك المجال واسعًا للانفعالات والمشاعر وكلّها متفلّتة من ضوابطها، منساقة خلف غرائزها، ممعنة في التخريب بحجّة التجريب. من هنا يلفتنا انكفاء الأطباء وعلماء الاجتماع والبيئة والمحلّلين النفسيّين والفلاسفة والمهندسين والمحامين عن تعاطي الشأن العام تعاطياً علنيّاً فاعلاً إن لم يكونوا من العاملين في السياسة. صحيح أنّ ثمّة برامج تلفزيونيّة وإذاعيّة تخصّص حلقات كاملة لبحث مواضيع تتعلّق بالتلوّث وانتشار الأمراض والفساد، غير أنّ الكلام على الهواء يصير كلاماً في الهواء الذي يحمله إلى مكان آخر حتّى يتبدّد. هذه طبيعة العمل الهوائيّ التلفزيونيّ أو الإذاعيّ. البقاء للمكتوب، إن على لوحات من الآجر وبالخطّ المسماريّ أو على ورق البردي نسخها كاتب عجوز أو في الكتب أورقيّةً كانت أم إلكترونيّة. وكلّ كلام آخر هو نوع من الإعلان يرشدك إلى كتاب فيه العمق والتحليل والحلول، الهواء عابر/ وكذلك الهوى/ إن لم يحمل إليك لقاحاً يطعم ما فيك لتثمر.

حين أُسأل إن كنت استمعت إلى خطاب لرجل سياسيّ، أجيب: أفضّل قراءة ما قاله حين يُنشر. الخطب والمؤتمرات الصحافيّة تهدف إلى مخاطبة عواطفنا وانفعالاتنا الآنيّة ولا تترك للعقل مجالاً كي يناقش ويسأل ويسائل ولو مع نفسه. يؤخذ الإنسان أمام الخطباء/ خصوصًا إن كانوا يتمتّعون بالقدرة على جذب الشريحة الكبرى من المجتمع، تلك التي تعرف القراءة ولا تقرأ/، فتُؤخذ بأصواتهم وانفعالاتهم وغضبهم وحزنهم ومزاحهم وحركات أيديهم وتعابير وجوههم، لذلك يعجز أكثر المستمعين (غير المتخصّصين) عن استعادة الجزء الأكبر والأهمّ ممّا تابعوه لساعات. وحين تسألهم إن كانوا قرأوا ما قاله فلان أو فلان أجابوا لا لقد استمعنا إليه، ثم تكتشف أنّهم لم يسمعوا إلاّ ما كانوا يتمنّون سماعه. ما زلنا مجتمعاً "سمّيعاً" أكان ذلك في سوق عكاظ أم أمام أم كلثوم أم أمام شاشات التلفزيون وأثير الإذاعات. في الصحافة المكتوبة أمل في الخلاص ولو في عزّ هذه "الحرب" التي نحن فيها ولا ندري، حين تترك مجالات واسعة للعلم ليقول كلمته مقالاتٍ ودراسات وتحليلات ترصد ما يجري حولنا ونحتاج إلى ذوي الاختصاص ليشرحوه لنا في كتب ونصوص نعود إليها مرّة بعد مرّة. ولا يجوز في عصر الإحصاءات والمختبرات والجامعات أن يكون لما تقوله الأبراج زاوية يوميّة في الصحف، وصفحات كاملة لمن استقبل وودّع وصرّح، ولا تكون فيها صفحة يوميّة للعلوم والفلسفة على اختلاف مدارسها واهتماماتها. ولعلّنا مدعوون إلى خوض هذا النوع من الحروب (ضدّ الجهل والمرض والتلوّث) فننجو من حرب لا تقيم للعقل وزناً.
***
النهار - الثلثاء 10 آب 2010

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

tunisiechantepourl'amour
amiralcafe.blogspot.com
http://www.tadwina.com/
مدونات تونسية