الأربعاء، 13 يوليو 2011

ياسين رفاعية مستعيداً بيروت الستينات


صحيفة الحياة - الأربعاء، 13 يوليو 2011
انها الرواية الحادية عشرة للكاتب ياسين رفاعية، عدا ما كتبه في القصّة القصيرة والشعر وقصص الأطفال ونصوص في العشق، غير أنّ أجواء «من يتذكّر تاي» (دار الخيال) وإن لبست ثوب الرواية بقيت أقرب إلى مجموعة نصوص «رفاق سبقوا»، الصادرة عام 1989 عن دار الريّس، فكلا الكتابين يتّكئان على ذاكرة تقاوم عبور الرفاق والزملاء بالكتابة عنهم، أو إليهم، إذ إنّ الشعراء والروائيّين والسياسيّين الذين يستعيدهم ياسين رفاعية في كتاباته يزدادون حضوراً بقدر ما تتراكم السنون ورداً فوق أضرحتهم. فأمين نخلة وفؤاد شهاب ومعين بسيسو وصلاح عبدالصبور وخليل حاوي رفاق سبقوا فاستحقّوا وقفة تقدير في كتاب سابقٍ له طابع الذكريات، وكان لا بدّ من استذكار آخرين كأكرم الحوراني وسامي الجندي وغسّان كنفاني وغادة السمّان وكمال ناصر وأبو يوسف النجّار وكمال عدوان وعصام محفوظ وحسين حيدر ومرّة ثانية أمين نخلة ومعين بسيسو، فكانت هذه الرواية التي تدور أحداثها في بار بيروتيّ زمن هزيمة حزيران (يونيو) 1967، تديره ساقية مصريّة أطلقت على نفسها اسم «تاي».
هي ابنة باشا مصريّ أغضب المافيا الصقليّة التي كان يتاجر معها بالمخدّرات، فانتقم منه زعيمها باغتصاب وحيدته أمام عينيه. وحين أراد الباشا الانتقام لشرف ابنته قُتل، ما دفع الفتاة التي فقدت والدتها بعد هذه المأساة، للهرب إلى لبنان والعمل في أحد البارات تحت حماية رجل أمن كان صديق دراستها في القاهرة. وفي هذا البار، التقت مجموعة الشعراء والصحافيّين والسياسيّين، وأمام «تاي» المثقّفة والمتخصّصة في الفلسفة، دارت الأحاديث عن فلسطين والهزيمة وتخاذل الحكّام العرب، ونوقشت قضايا فكريّة عميقة، وطرحت موضوعات عن الأدب والحبّ والحزن، ورويت حكايات عشق أبطالُها هؤلاء المتردّدون على البار والمتردّدون في حزم أمر عشقهم الذي لا أمل له: غسّان كنفاني يعاني من حبّه لغادة السمّان، أمين نخله الستينيّ يعشق فتاة شاميّة في السابعة عشرة من عمرها، عصام محفوظ خانته حبيبته مع أعزّ أصدقائه، الشعراء الفلسطينيّون يذوبون في عشق فلسطين. وفي خضّم هذه الأجواء الفكريّة الموزّعة بين اليأس من الواقع العامّ وبعض التفاؤل في خلاص يحمله الحبّ، كانت قصّتا عشق تحاولان أن تشقّا طريقهما إلى نهاية سعيدة: تاي ترضى بالزواج من جارها الشابّ السعوديّ الذي يصغرها بكثير من الأعوام، والراوي الذي يحبّ «شيرين» وهي فتاة درزيّة، ترفض الارتباط به لأنّ طائفتها الصغيرة تخاف على نفسها من الانقراض إن تزوّج أتباعها من غير مذهبهم، فتقول: «نحن طائفة صغيرة، ولا نريد أن تتشتّت هذه الطائفة في زيجات من خارجها» (ص11).
يؤكّد الكاتب في ختام الرواية «الواقعيّة» وفق وصفه أنّ أحداثها جرت بين عامي 1967 و1973 وأنّ الأسماء والأمكنة كلّها حقيقيّة. غير أنّ «شيرين» بدت غريبة عن كلّ الذين يحيطون بها، كأنّ مخيّلة الكاتب أنجبتها لتنقذ الرواية من رتابة السرد التأريخيّ وتكرار أفكار تستعاد في البار كلّ ليلة، ولتضفي جانباً عاطفيّاً متفائلاً وخصوصاً حين تركت زوجها وعادت إلى حبيبها، فينتصر الحبّ الحقيقيّ على زواج المصلحة؛ أو كأنّ حقيقة وجودها نابعة من مكان وزمان مغايرين، فأتى بها الكاتب (الراوي) إلى مكان الرواية وزمنها ليعطيها صفات وتصرّفات تميّزت بها امرأة علّمت من تحبّه على صغر سنّها بالنسبة إليه كيف يأكل بالشوكة والسكّين. أمّا سرد الأحداث فيدلّ على أن الكتابة تمّت على مراحل، أو على مرحلتين على الأقلّ. ولعلّ النصّ القديم الذي كتب في مرحلة قريبة من الأحداث الحقيقية، أعيد النظر فيه في ضوء معطيات حديثة. فالعبارة الأولى تقول لنا إنّ الرواية تكتب في الوقت الحاضر «الحمرا، غير حمرا هذه الأيّام. يوم كانت شعلة بيروت ومركزها الرئيسي»، ولكن حين نقرأ في الصفحة التالية وصف الهزيمة نشعر كأنّ العبارة من بدايات عهد الكاتب بالكتابة أو هي مقصودة لتعبّر عن لغة تلك المرحلة «فما حصل يعجز عن حمله عالم عربيّ بكامله. كأنّه جمل ذو سنامين، برك... على ركبتيه، وأصبح عاجزاً عن النهوض». ثمّ يطالعنا في الصفحة 34 تعليق الشابّ السعوديّ «طارق» على موضوع العمل في الإعلانات، فيقول: «فالعالم الآن تحت سيطرة الإعلان. خصوصاً إذا كان الإعلان ذكيّاً في عرض المعلن عنه. مثلاً يعرضون أمامك امرأة جميلة جدّاً ورجلاً وسيماً وأنيقاً وكلاهما بصحّة جيّدة وهما يدخّنان نوعاً من السجائر ثمّ هذه العبارة الغليظة «التدخين يضرّ بصحّتك وهو الأساس في أمراض السرطان». ومعلوم أنّ تحذير وزارات الصحّة من مضار التدخين لم يخطر على بال أحد في نهاية الستّينات وبداية السبعينات، وهو زمن الرواية الذي لم يخطر لأحد فيه أن يصارع من أجل الدولار، إذ لم يكن ثمــّة خـــوف على العملة المحليّة، فتأتي هذه العبارة «في عالم المال، عالم الصراع على الدولار» (ص160) في غير سياق النصّ.
والرواية التي كتبت بمشاعر جيّاشة وقعت مرّات في فخّ الانجراف العاطفيّ، فلم تنتبه إلى بعض المغالطات في حبكة الأحداث وجنحت إلى الغلوّ في الانفعال ووقعت في الكثير من الأخطاء اللغويّة والإملائيّة. فالفصل الخامس مثلاً يبدأ بما يأتي: «في زيارتي الثانية لشقّة تاي التقيت عندها بضابط أمن لبنانيّ قدّمته لي: صديقي مفيد، هو الذي يهتمّ بي، ويجلب لي إقامتي السنويّة»، ثمّ دعته تاي إلى الجلوس فجلس قريباً منهما، وبعد حديث ودّي بين الراوي والضابط، ووصف دقيق لشخصيّة «مفيد» يختفي الرجل من الصورة بلا مبرّر أو تفسير، إذ يستمرّ الحوار بين تاي والراوي حول صحّتها و «طارق» الذي طلب منها الزواج، ويُنسى أمر الضابط تماماً، فلا نعرف كيف خرج أو إن كان موجوداً خلال الحديث ولم يدل برأيه فيه. وفي الصفحة 68، وخلال اعتداء الوزير على «ريتا» الصحافيّة التي أحبّها الشاعر معين بسيسو، نفاجأ بأنّ الوزير ترك مسدسه تحت وسادته، وأنّ الفتاة حين استيقظت من أثر المخدّر خطر في بالها أن تسرقه وتنتقم لشرفها، ثمّ انتبهت إلى أنّها لا تعرف كيف تستعمله. وفي الصفحة 102، لا يقنعنا الكاتب/ الراوي وهو صحافيّ وروائيّ وصديق الشعراء بأنّه «ضعيف في الشعر ولا يحفظ منه سوى أبيات قليلة، ينساها ثمّ يتذكّرها، وحين أسمعه «طارق» بيتاً متداولاً لعنترة بن شدّاد: «ولقد ذكرتك والرماح نواهل»... صاح به: الله... الله... ما أجمل هذا الشعر. وفي الصفحة 153، تشبيه يسيء إلى صورة الحبّ، ففي وصف ما فعله هجر شيرين بقلب الراوي نقرأ: ما فعل الجمر بهذا القلب الذي يتلوّى كلحم الخراف المشكوك بأسياخه فوق الجمر الملتهب تصعد رائحته مشتهاة.
أمّا ما ورد سهواً من أخطاء: سوى شيئاً واحداً (ص19)، يأتي يوماً تصطاد فيه السمك (ص 38)، أن يسهرا معاً ويسبحان ويتناولان الطعام (ص 43)، أحببتُ أخيها (ص 48)، وهو بعد طالباً جامعيّاً (ص 53)، والذين كان منهم رجالاً استشهدوا... من كلّ بيت من هذه البيوت سقط شهيداً (ص 62)، كان يردّنا عن بعضنا خجلاً أصيلاً (ص 105)، فبانَ صفّين من اللؤلؤ (ص106)، كأنّها برقاً اشتعل (ص 123) أنتما الآن شهوداً عليّ (ص 133)، وكم خدعا رجال وفنّانين وسياسيّين (ص 140)، فلا داعي طبعاً للتأكيد بأنّها تعبّر عن رغبة في استباق الوقت وكأنّ الكاتب، وذاكرته معبّأة بأصدقاء سبقوه إلى حيث لا ألم ولا خيبة، وقلبه ملتاع من غياب أحبّة تركوه في غفلة من الزمن، يسرع فيتسرّع خشية أن يغريه نداء العبور فيلبّي متناسياً أنّ لديه الكثير بعد ليكتبه ويقوله. فياسين رفاعية حين يتذكّر يشبه من أتيح له الانتقال في آلة الزمن إلى الماضي، فشغلته لهفته عن أيّ أمر آخر. وعذره أنّ في صدره قلباً لم يعرف غير الصداقة والحبّ وكلاهما ترك له ألم الفراق وأمل اللقاء.

الثلاثاء، 12 يوليو 2011

من احتراف الحزن إلى الحريّة



صرنا شعبًا يحترف الحزن والمآتم وانتظار الحياة في الساحات العامّة.
صرنا خبراء في تحضير دفن على السريع، وحشد الجماهير في ساعات، وصناعة الأعلام من مختلف الألوان وصياغة المراثي وكتابة الخطب الملتهبة.
صرنا نرتدي الملابس السوداء استعدادًا لموت آت بلا شك.
صرنا نبكي مسبقًا لئلاّ يغدر بنا الوقت بين دفن وآخر ولا نجد المجال للنحيب.
منذ أعوام وأعوام ونحن نبكي، حتّى صرنا لا نخجل من الكاميرات المتلصصة على عيوننا والملتقطة حركاتنا والمسجّلة كلماتنا.
صرنا نستغرب إن مرّ شهر ولم نسمع فيه انفجارًا يغتال رمزًا أو صوتًا أو قلمًا مع من تيسّر وجوده في اللحظة نفسها.
لا ندري إن كانت الحريّة تستحقّ كلّ هذا الدمع.
لم نعد ندري إن كان الوطن يستحقّ كلّ هذا الدم.
لا نعرف إن كانت الكلمات المرمية على جوانب الطرق تستحق كلّ هذه التضحيات.
نبكي على أشخاص لم نلتق بهم يومًا وجهًا لوجه، ولم نتبادل معهم الأحاديث، ولم نلق عليهم تحيّة ولو عابرة.
نبكي على رجال ونساء نراهم عبر الشاشات ونسمع أصواتهم عبر الهواء، ولا يعرفوننا، ولم يسمعوا بأسمائنا ولم يروا وجوهنا ولن يعرفوا شيئًا عن دموعنا.
ونبكي على رجال ونساء مجهولين، مجرّد أسماء نسمع أنّ أصحابها صاروا في لحظة سوداء شهداء أبرياء.
ومع ذلك، لا نرحل ولا نقبع في الزوايا ولا ننتحر يأسًا. نمسح دموعنا ونتابع أعمالنا وحياتنا، ونحبّ وننجب الأولاد ونرسلهم إلى المدارس ليتعلّموا ويكبروا ويموتوا على قارعة الطريق ونلمّ أشلاءهم ونجمعها قطعة قطعة ونستمرّ في مشاجراتنا اليوميّة السخيفة كأنّ شيئًا لم يكن، كأنّ الحياة لم تغدر بنا، كأنّ الموت لم يمرّ بنا، كأنّنا نرفض الاستسلام والرضوخ.
نحن شعب التناقضات.
لا ندرس تاريخ بلادنا لأنّ ثمّة خلافًا سياسيًّا على كتابة التاريخ، ومع ذلك نموت من أجلها وندخل التاريخ.
لا نحسن الاحتفاظ بأرضنا فنبيعها ومع ذلك نموت من أجل الأرض.
نحن من برج التراب ومع ذلك فالسماء لا تتسع لأحلامنا وطموحنا.
نبيع الكتب والنساء ونشتري البنادق.
نسهر ليلة في ساحة الحريّة وليلة في الملهى الليلي.
نكتب بالقلم نفسه قصيدة الحبّ وبيان الثورة.
نمارس التجارة والصلاة والوطنيّة بالحماسة نفسها.
نملك أكبر مجموعة من الطوائف في أصغر بقعة من الأرض وعددًا لا يحصى من الكنائس والمساجد ومزارات القدّيسين والأولياء ونتقاتل باسم الدين.
نهدم الآثار ثمّ نشتري بقاياها بأغلى الأثمان.
نكتب المطوّلات عن الثقافة لكنّنا لا ننشد الأغنيات الوطنيّة ولا نستمع إلى الموسيقى الكلاسيكيّة إلاّ عند الموت.
على شاشاتنا مذيعات شبه عاريات ومذيعات محجّبات.
في أرضنا مقابر جماعيّة ومدافن شهداء وقدّيسين.
في سمائنا طيور عابرة وطائرات عدوّة.
في مياهنا أوراق شجر ونفايات سامّة.
نحن شعب لا يعرف قيمة الأشخاص والأشياء إلاّ بعد أن يفقدهم ويفقدها، ولا يعترف بالخطأ إلاّ بعد أن يتكبّد الخسائر الفادحة.
ومع ذلك، وعلى الرغم من تناقضاتنا وأخطائنا وعيوبنا، نقول لمن ينتقدنا: على الأقلّ، عندنا الحريّة للاستفادة من التناقضات والحريّة لارتكاب الأخطاء والحريّة للتعلّم من العيوب، وهذا ما لا تستطيع شعوب كثيرة أن تدّعيه.
نحترف "الحزن والانتظار"؟ ربّما.
غير أنّ في حزننا غضبًا وفي انتظارنا أملاً. والآتي سوف يأتي.

الاثنين، 11 يوليو 2011

رسائل قصيرة إلى مريم المجدليّة



1- يعجبني فيك أنّك لم تلقي عظة واحدة عن العفّة.

***

2- إنّك تثيرين حيرة الناس. فإن تكلّموا عنك بالحسنى خجلوا من تاريخك الحافل قبل صديقك يسوع وإن تكلّموا على ماضيك بالسوء خجلوا من وجودك معه في السماء.

***

3- يعجبني الصمت الذي يحوطك، تعجبني الأفكار التي تثيرينها في مخيّلة الناس عن علاقتك بصديقك يسوع وما هي سوى انعكاس لما في عوالمهم الداخليّة، تعجبني القصص التي يتناقلها الناس عن علاقتكما، والكتب والأفلام التي تروي حكايتكما، يعجبني كيف يتحاشى الناس الحديث عنك وكيف لا يفكّرون في إقامة كنائس على اسمك. فأبناء الجسد لا يفهمون إلاّ بأمور الجسد!

***
مريم المجدليّة


4- شاهدت زوجة المبشّر "اللي فاتح ع حسابو" فيلم "دفينتشي كود" وأخذت تقارن بين حياتها وحياتكِ، فعادت بها الذاكرة إلى بداياتها الحافلة بالنشاط وكيف التقت الرجل الذي اختارها وتزوّجها قبل أن ينطلق في رسالته التبشيريّة ثمّ أسّس معها عائلة لا تتكلّم إلاّ اللغة الفرنسيّة، فما كان منها إلاّ أن اتكأت على صدر زوجها وقالت في حنان: ألا تستحقّ قصّتنا أن تكون فيلمًا؟ فأجابها مطمئنًا: الله كريم، الله كريم. أمّا حماتها الأميّة فتمتمت: يتمجّد إسم العدرا..

***

5- هل أنت قدّيسة؟ غريب! لا أذكر أنّني سمعت أحدًا يذكر العجائب التي فعلتها، أو العظات التي أتحفت بها الكنيسة، أو النفوس التي خلّصتها أو المرضى الذين شفيتهم. لا شكّ أنّ صديقك يسوع أحرج الكثيرين بوجودك في حياته.

***

6- بعض المبشّرين يبحث عن العاهرات وحجّته أنّ المسيح أتى للمرضى لا للأصحّاء.

***

7- بسبب عدم توافر فرص العمل، سأفتح متجرًا أبيع فيه قلائد مصنوعة من حجارة وسأقول للناس إنّها حجارة كريمة ونادرة لأنّها من تلك التي رُجمت بها.

***

8- يوحنّا المعمدان هو سابقه، ومريم العذراء هي أمّه، وبطرس هو الصخرة التي بنى عليها كنيسته، ويوحنّا الحبيب هو صديقه المدلّل، أمّا أنتِ فشجرة الزيتون التي بكى عند جذعها.

***

9- أيّتها المرأة الخبيرة في شؤون الأرض والسماء، صلّي من أجل تغيير الأَسقف فلقد بدأت ترشح مطرًا وأخشى أن تغرق كنائسنا.
Duccio Di Buoninsegna - 1308

10- شهادة امرأة عجوز في ما حصل يوم رجمك:

لو رفعت مريم رأسها لرأت من كان يرجمها، ولما كانت خجلت من رجال على عدد الشياطين السبعة التي أخرجها منها ذلك الشاب. أنا جارتها وأسمع كلّ ما يجري في بيتها، ولذلك أستطيع أن أشهد وضميري مرتاح. فالرجل الذي رمى الحجر الأوّل هو خادم الهيكل الذي أتى إليها مرّة تحت جنح الظلام وطرق بابها فطردته لأنّه كان خبيثًا يرجوها أن تستقبله في سريرها ليلاً ويهاجمها نهارًا. والرجل الثاني كان متزوّجًا خشي ألاّ يشارك في الرجم فتشكّ فيه زوجته البدينة، والرجل الثالث كان مخلّعًا مريضًا عرض عليها الزواج فرفضت لأنّه كان حاقدًا على البشريّة والحياة، والرجل الرابع كان معلّمًا يتحرّش بالصبيان ويقصدها ليبعد عنه الشبهات، والرجل الخامس كان شابًا يافعًا يخجل من أحاديث الناس عن تصرّفات شقيقته، والرجل السادس كان خادمًا عند الرجل الأوّل ويأتمر بأمره ويخاف على راتبه، والرجل السابع كان مصابًا بعجز جنسيّ فعمل محافظًا على الشريعة والقوانين.
أمّا النساء فقد اختبأن في منازلهنّ لأنّ كلّ واحدة منهنّ خشيت أن تتحوّل الحجارة نحوها!***
11- أنت الحجر الصغير الذي سند صخرة الإيمان لحظة القيامة.

***

12- هل تعلمين أنّ شاوول لم يكن معجبًا بك؟
***
من كتابي : الموارنة مرّوا من هنا

الأحد، 10 يوليو 2011

تعب (تمرين بالمحكيّة)


يمكن يجي شي نهارْ
وتقول منّي تعبتْ
وصارتِ الإيّامْ
متل بعضا تمرّ
وما عادْ عنّا جديدْ

يمكن يجي شي نهارْ
وما نحسّ إنّو العيدْ
قلّكْ: ما عدنا زغارْ
لمين الهديّه؟
والضجرْ يِزْهِرْ
وضجرْ غيرو يجرّ
تيجبلنا عَ العيدْ
عيديّه
***
يمكن يجي شي نهارْ
إكتشف فيك سرارْ
ما كنت أعرفها
وما يعود غيرا يِهمّ
وإنسى شو كنت كبيرْ
وتزغر بعيني كتيرْ
تتصير تقل وغمّ

يمكن يجي شي نهارْ
تكره فساتينْ
كنت تعشقها
وتبطّل إيدَكْ
تغلّ بشعري
ت تلعب معو
ويضايقك صوتي
وتنسى شو كنت تحبّ
إنّك تسمعو
وما يعود بدّن يرجعو
الأصحاب لعنّا
من بعد ما كنّا
نحكين أشعار
عن قصيدة حبّ
بطّلت إلنا
***
يمكن يجي شي نهارْ
يموت فينا الحبّ
من بعد ما ختيرْ
وما يعود في عنّا
ولا شعلة نارْ
ولا يعود إلنا خِلق نتذكّر
ونفلّ
كلّ مين ع طريقْ
لا أنا رفيقة عمر
ولا إنت كنت رفيق

وتخلص حكايه
بقصر عمر الورد
وما يضلّ غير الوعد
المرسوم بصوره
بقيت لحالا
تسيهر خيالا
ع برد المرايه
***
يمكن إجا الْنهار
الما عاد بدّك فيه
تقطف الورد زرار
وتقطّر الزهرات
يمكن صرت ختيار
بيكفيك بالمَسْوات
تساير النسمات
وتغنّج الشجره
اللي ارسمت ع كعبا
من أوّل المشوارْ
قلبين كانوا زغار

السبت، 9 يوليو 2011

الجزء الضائع من حكاية الأمير الصغير



لا بدّ أنّ في حياة "الأمير الصغير" جانبًا أسود لم يستطع "أنطوان دو سان إكزبوري" أن يكشف عنه. لا يعقل أن تكون الحكاية على مثل هذه البراءة والشفافيّة، لا يعقل أن تكون الأمور على هذه الصورة من الخيال والجمال والسحر والصداقة (حتّى مع ثعلب). لا شكّ في أنّ ثمّة ما لم يقل بعد عن حكاية أميرنا الصغير.

ماذا لو كان للأمير أخوان شريران كما كانت لسندريلاّ أختان شريرتان؟ ماذا لو كان أحدهما فاسقًا اغتصب خادمة الجيران وهرب إلى كوكب صار فيه ملكًا لا يعرف إلاّ إصدار الأوامر ويريد أن تطيعه النجوم حتّى انتهى به الأمر وحيدًا في جوّ سلطة بارد، والآخر مدمن كحول يعيش على كوكب آخر خجلاً من نظرات الناس؟ ماذا لو تخلّص منه والده كما حصل مع "عقدة الإصبع" وبقي الصغير صغيرًا تائهًا بين الكواكب والنجوم؟ ماذا لو كان الأمير الصغير مريضًا نفسيًّا يخاطب نفسه من شدّة الشعور بالوحدة والاضطهاد؟
ماذا لو؟
لكلّ حكاية جزء ضائع في ثنايا الذاكرة أو تحت أغطية التعتيم السميكة. جزء لا يريد أحد الكشف عنه كي لا تصير الحكاية مصدر خوف ورعب يخاف الناس بعد الاستماع إليها من النوم على مخدّة الحكايات الجميلة. وفي هذا الجزء بالذات تكمن معضلة البشريّة الكبرى حيث يكشف الإنسان عن أبشع ما فيه.
الشعور بتقدّم العمر يبدأ هنا، حين نكتشف أنّ الحكايات ليست جميلة كما صوّرتها لنا جدّاتنا يوم كانت الجدّات يجدن الوقت لمجالسة أحفادهنّ عوض لعب الورق مع الجيران أو متابعة البرامج المدبلجة أو السهر في المرابع الليليّة. نكبر حين نعرف في لحظة من العمر أنّ الأمير الذي أنقذ الأميرة من النوم أوقعها في الضجر، وأنّ الصبيّ الضائع في الغابة كبر وأصبح الذئب الذي يعترض طريق الفتيات الصغيرات، وأنّ الجميلة التي خطفها الوحش لم تستطع بالحبّ وحده أن تعالج أمراض طفولته، وكانت في حاجة إلى مساعدة طبيّة خبيرة. وأنّ الأميرة الأسيرة في البرج فقدت شعرها الذهبيّ من آثار الانهيار العصبيّ وجنون الوحدة ورهاب الأمكنة المرتفعة. في هذه اللحظة بالذات نستيقظ على صوت الأقنعة الحديديّة وهي تقع على الأرض وتحدث دويًّا هائلاً ترتجّ له السماء، ويغزو الشيب روحنا، وتتجعّد الكلمات في أقلامنا، ونغرق في هدير الصمت.
في البدء كانت الحكاية. وفي النهاية ليست الحكاية سوى طريقة الراوي في "الحكي" ورؤية العالم والحياة والناس. ولذلك تتغيّر الحكاية في كلّ مرّة تروى فيها وكأنّها ترتوي كلّ مرّة من ذاكرة لا تنضب.
حين ارتفع الكاتب "أنطوان دو سان إكزبوري" في طائرته التقى بأميره الصغير على كوكب غريب فيه زهرة متفتّحة، وحين غرقت طائرته في البحر التقى به من جديد في العمق الغامض. وهناك، في عتمة اللجّة اكتشف الكاتب أنّه لم يكتب الحكاية كاملة، وأنّ الوجه الآخر من حياة أيّ كان لا يظهر إلاّ بعد أن يصير هذا الذي كان في الجانب الآخر من الحياة. حين التقى الكاتب بأميره ذي الشعر الأشعث والرداء الطويل بكى، فازداد البحر ماء وملحًا، غير أنّ أحدًا لم ينتبه. بكى لأنّه وجد الجزء الضائع من الحكاية ولكن لم يعد في استطاعته أن يكتبها لأنّ البحر يبتلع الأصوات والكلمات والحكايات كما يبتلع حطام السفن والطائرات. بكى لأنّه رأى في العتمة ما لم يره في الضوء، لأنّه كان يملك الجزء الآخر من الحكاية ولكنّه أخفاها في مكان دفين من ذاته ونسيها هناك إلى حين غسل البحر روحه.
يوم ترجمت حكاية الأمير الصغير إلى لغة غريبة (*) تستخدمها قبيلة تعيش في مجاهل الغابات الأفريقيّة (أفريقيا نفسها التي سقط في صحرائها الأمير)، وقرأها طفل من عمر بطل الحكاية قال إنّ الحكاية ناقصة، وإنّه يعرف الجزء الضائع، غير أنّه كان يتكلّم بلغة غريبة لا يعرفها العالم فلم يفهم عليه أحد خارج حدود الغابة. غير أنّ الصبيّ أخذ كلّ ليلة يروي لأبناء قبيلته ما لم يرد في الكتاب وما لا يعرفه أحد غيره. وكان الجميع يصغي في حزن وأسى لأنّ الأمير الصغير صار واحدًا منهم.
* ترجم هذا الكتاب إلى نحو 160 لغة، بعضها لهجات محليّة.

الخميس، 7 يوليو 2011

ليس "عندي بيت وأرض صغيرة فأنا الآن يسكنني" الهوان

أفراد العائلة في المسلسل التلفزيونيّ الذي نال شهرة كبيرة
غلاف الكتاب الشهير (1935) الذي استوحي منه المسلسل

الكوخ الحقيقيّ الذي أوحى للكاتبة بالموضوع

"العودة إلى البيت".

يختلف وقع هذه العبارة بين مجتمع وآخر، وبين مستوى اجتماعيّ وآخر. ففي اللغة الإنكليزيّة مثلاً قد تعني العودة إلى البيت العودة إلى حضن الوطن، أو البلدة، أو العائلة. وفي اللهجة اللبنانيّة ثمّة من يستعمل تعبير "يا بيتي" لوصف الشخص المحبوب، وهو في ذلك يشبه قولنا يا حبيبي، أو يا حياتي أو يا عيوني.
الأثرياء الذين يملكون أكثر من منزل ليس لهم بيت، أو عليهم أن يحدّدوا أنّ ثمّة منزلاً معيّنًا من منازلهم هو البيت الذي يقول العائد إليه عند نهاية النهار: أخيرًا، أنا في البيت. لذلك فالشقق المفروشة، والشاليهات على البحر أو في الجبل والمنتجعات والفيلاّت والقصور في أكثر من بلد والتي تُقصد نادرًا ليست "البيت" الذي فيه ذكريات المناسبات وألبومات العائلة ووشوشات عالقة على حيطان العمر. أمّا من لا بيت له فمقيمٌ دائمٌ على أبواب الغربة ومسافر أبديّ على رياح القلق. ولذلك تغنّي فيروز في أغنيّة رحبانيّة عنوانها "أقول لطفلتي": عندي بيت وأرض صغيرة فأنا الآن يسكنني الأمان.
كان البيت قديمًا امتدادًا للأرض. موادّ بنائه من تربتها، ولونه من لونها، وحجارته من صخورها، وشرفته أرض لا حدود لها تمتدّ حوله وتحيط به، ونوافذه إطلالات على مشاهد لا تشبه نفسها ولو ظُنّ عكس ذلك وسطحه بساط طائر يصل الأرض بالسماء ولا مسافات أو حواجز تمنع أن تقطف اليد نجوم الليل، لذلك لم تكن البيوت تضيق بأهلها مهما صغرت مساحتها وقلّت غرفها. أمّا حين عربشت الشقق فوق أكتاف بعضها وحاولت أن تنطح السحاب تعلّم الإنسان كيف يدوس على أكتاف غيره ليرتقي إلى مجد لم يكن ليطاله لولا أنّه ناء بثقله على سواه. حينذاك صغرت البيوت على أصحابها الذين صاروا يطمعون بمنازل يكثر عددها وتقلّ الزيارات إليها.
حين كانت البيوت تتجاور كانت الأبواب مفتوحة وعلى العتبات تجلس النساء وأمام الدُور يلعب الأولاد، كان التمدّد الأفقي للقرى والبلدات يبقي الجميع على صلة بالأرض والآخر، وفي مثل هذه المجتمعات لم يكن من السهل أن يغادر المرء مكانه. وحين وقع "التمدّد" العاموديّ، أي حين قلّت مساحة الأرض وارتفع البناء عاليًا، وارتفع بالتالي سعر الشقق مع ازدياد عدد الطبقات، صار الإنسان كلّما ارتقى درجة أو طبقة يقطع علاقته بالتراب وصار الهواء ملعبه يطير به أنّى شاء وكيفما شاء، ولكنّ أديبنا الكبير الروائيّ يوسف حبشي الأشقر عَنْوَنَ روايته الرائعة بالنفي التالي: لا تنبت جذور في السماء. وأضيفُ أنا: ولا أجنحة كذلك، فكيف إذا كانت من الشمع! في الشقق المقيمة فوق بعضها تقفل الأبواب، ويختفي الناس خلفها، وتخفت أصوات الأولاد، وخطوة القَدَم التي كانت على الأرض هدّارة كما في أغنية لفيروز صارت هادئة تتنقّل في حذر كي لا يشكو الجيران أمرها إلى رجال الشرطة، وشتّان ما بين هدوء هذّبته مدنيّة تخلط بين الخبث والاحترام، وهدير كموج البحر أو كعصف الريح يؤكّد أنّ الحياة حركة. في الشقق التي تتراكم في ضيق المساحات، تغلق الأبواب، ويختفي الناس في قوقعتها، ليتحوّل ما يعتبرونه خصوصيّةً عزلةً تعيش فيها شتلات استُقدمت لعلّها تؤنس وحشة المنعزلين، فإذا بها تنشغل بالاشتياق إلى المطر والهواء والشمس والعصافير والفراشات. في الشقق التي تعلو عن صدر الأرض حيطان هشّة، وطلاء ملوّن كزينة الوجه التي تفضح بنات الهوى، ونوافذ ليست منافذ بل حواجز.
لا تشتروا اللوحات التي تصوّر البيوت وتعلّقونها على جدران ليست ملككم، ولا تؤلّفوا قصائد عن الحنين إلى الأرض التي هجرتموها، بل امتلكوا الأرض وابنوا البيت لئلّا يقيم فيكم الهوان.

***

* العنوان مستوحى من أغنية للأخوين رحباني وتغنّيها فيروز عنوانها: أقول لطفلتي،

وفيها:

عندي بيت وأرض صغيرة فأنا الآن يسكنني الأمان

الأربعاء، 6 يوليو 2011

هل مُنحت الرواية النسائيّة العربيّة ...حقّها؟


صحيفة الحياة، الاربعاء، 06 يوليو 2011
دور المرأة العربيّة في الرواية موضوع شائك ومجاله واسع لا تفيه حقّه الصفحات المئة والأربع والأربعون من القطع الصغير، التي ضمها كتاب «المساهمة الروائيّة للكاتبة العربيّة» للروائي والناقد السوري نبيل سليمان. وبدا الكتاب أقرب إلى دليل حافل بأسماء الكاتبات العربيّات، يرشد إلى عناوين أهمّ الروايات التي ساهمن من خلالها في هذا النوع الأدبيّ، مبيّنًا في إشارات خاطفة إلى ما هو قيّم يستحقّ الدارسة وما هو عابر أو يتيم أو مقلِّد، فيغري القارئ بالبحث عن رواية يطالعها بشغف أو يطمئنه إلى أنّه ما دام ليس باحثًا أو دارسًا متخصّصًا فليس في حاجة إلى قراءة بعضها. ليس في هذا الكلام إساءة إلى مجموعة نصوص الكاتب والباحث السوريّ «نبيل سليمان» الصادرة من ضمن منشورات مجلّة «الرافد» الإماراتيّة، بمقدار ما فيه إصرار على عدم تحميل الكتاب ما لم يدّعه. فهو قطعًا ليس دراسة شاملة وافية اتّبع فيها صاحبها منهجًا علميًّا صارمًا يقيس فيه إبداعات المرأة العربيّة في هذا النوع الأدبيّ، وفق عصور وأبواب وموضوعات. إنّما هو اعتراف كامل، وبملء رغبة الكاتب، بأنّ مساهمة المرأة العربيّة أمر شغله طويلًا، فأعطاه ما استطاع من الاهتمام في كتبه وبخاصّة في العقد الأخير، وكذلك في مقالاته طوال سنوات في جريدة «الرأي» الأردنيّة، وتحت عنوان أثير لديه هو: «بنات شهرزاد» (ص6). وما هذا الكتاب إلّا القبلة التي يطبعها على جبين شهرزاد الأمّ، وانحناءة تقدير وحبّ ووفاء أمامها (ص7).
البداية من لبنان مع رائدات الرواية في العقدين الأوّلين من القرن العشرين: أليس بطرس البستاني، لبيبة هاشم، زينب فوّاز، عفيفة كرم، لبيبة صوايا، فريدة يوسف عطيّة. ثمّ بدءًا من العقد الخامس، يتوزّع زخم كتابة الكاتبة للرواية، بحسب تعبير الباحث، من لبنان إلى سورية ومصر. «وعلى أيّة حال، يضيف، جاء ظهور الروائيّة العربيّة إعلانًا عن حدث ثقافيّ وظاهرة أدبيّة، وإن بلجلجة ستطول حتّى سبعينات القرن العشرين» (ص11). هذه «اللجلجة» تتبدّى في أكثر من مظهر لا يتردّد الكاتب في توجيه الأنظار إليها وإعطاء الأمثلة عليها، وإن بشكل سريع لكن من دون أن تفقده السرعة بُعد الرؤية وحسن الرأي. ومن ملامح الاضطراب الذي رافق الرواية «النسائيّة» منذ البدايات حتّى الآن: الأسماء المستعارة التي فرضتها ظروف كانت ولا تزال تمنع المرأة من ممارسة حريّتها في الكتابة خشية أن ينظر إلى روايتها من باب السيرة الذاتيّة؛ انتماء الكاتبات إلى أسر بورجوازيّة مدينيّة؛ الجمع بين الرواية وأنواع تعبيريّة أخرى كالصحافة والشعر والعمل الأكاديميّ والمسرح والقصّة القصيرة؛ تمحور المواضيع حول حريّة الجسد ورغباته؛ دور الدين وانعكاس أوامره ونواهيه على المجتمع؛ التاريخ وما تركه من آثار في تكوين الشخصيّة وصولًا إلى الصراع العربيّ الإسرائيليّ؛ العلاقة مع الهجرة والاغتراب؛ دخول عنصر الثقافة على الرواية كعامل مؤثّر في رسم الشخصيّات النسائيّة. وبقدر ما تبدو هذه العناصر دليلًا على بحث الروائيّة العربيّة عن لغة ومضمون، تشير في الوقت نفسه إلى مواكبتها التغيرات التي تطرأ على الحياة والمجتمع والوطن والأمّة. لكن تبقى المشكلة في اللواتي يبدأن الآن من حيث انتهت أخريات، فتبدو أعمالهنّ ترجيعًا لصدى أزمنة عبرت وغبرت.
يخصّص الكتاب فصلًا لمساهمة المرأة الإماراتيّة في الرواية، من دون أن ينسى الإشارة إلى كونها مساهمة طريّة العود لا تزال تنتظر الوقت كي تثبت نفسها وتؤكّد حضورها، وبعد عرض لبعض الأسماء والعناوين، يلفت الباحث إلى أنّ في هذه الرواية (الإماراتيّة) «ما يمثّل تاريخ الرواية العربيّة ما بين البداية وما هي عليه اليوم: فأغلب الروايات ينادي بما كتبت أليس بطرس البستاني أو لبيبة هاشم، في فجر الرواية العربيّة حتّى القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، كما في روايات باسمة يونس وآمنة المنصوري وأسماء الزرعوني. بل إنّ لهذه الروايات من الأخطاء الإملائيّة والنحويّة ما يؤخّرها عن بدايات الجدّات. واللافت جدًّا أنّ هذه الأخطاء تطغى في أغلب الروايات الأخرى» (ص87).
أمّا القسم الأخير من الكتاب فأضاء فيه نبيل سليمان على نصوص روائيّات من السعوديّة (أمل الفاران) وفلسطين (إيمان البصير) والجزائر (سارة حيدر) ومصر (سلوى بكر) وسورية (سمر يزبك) والأردن (سميحة خريس) والعراق (صباح خليل متعب) والكويت (ليلى العثمان) واليمن (نادية الكوكباني) وتونس (نجاح محمّد يوسف). وما غياب غيرهنّ من البلدان نفسها، أو سواها من الدول العربيّة، سوى البرهان على الحاجة إلى مزيد من الدراسات الموسّعة تعطي هذا الموضوع ما يستحقّه من قراءة وتحليل ونقد.

السبت، 2 يوليو 2011

وصفة طعام لمليار عربيّ


ليس سرًّا أنّ أسوأ أنواع الرقابة هي تلك التي يفرضها الكاتب على نفسه، فليس بالأمر اليسير أن يجلس الواحد منّا للكتابة وفي رأسه عشرات الممنوعات والمحرّمات التي تجبره على تحايد ذلك الموضوع والتحايل على تلك الكلمة والتذاكي على رقيب يحمل سلطة التحليل والتحريم.
وليس عيبًا الاعتراف بأنّ الكاتب العربيّ يتعلّم مع التجربة والوقت كيف يغذّي هذا الرقيب الذاتيّ المقيم فيه، وكيف يمدّه بالقوّة والسلطة اللتين تخوّلانه ممارسة مهامه وصلاحياته من دون مشورة أو اعتراض. فالمعوقات التي حالت بين الكاتب والنشر، وشروط مقاربة المواضيع، ومتطلّبات الحياة اليوميّة، وما علق في لاوعيه من أخبار الكبت والمنع والسجن والتعذيب والفقر، كلّها أمور روّضت الكاتب العربيّ، وليّنت طباعه المتوحّشة، وعجنت طبعه الثوريّ، وقلّمت أظافره الجارحة، وشذّبت أنيابه الحادّة، وهذّبت كلماته العوسجيّة، أو على الأقلّ، علّمته كيف يضع قفّازات بيضاء حريريّة فوق مخالبه المسنونة.
ومع الوقت المعبّأ بالتجارب والخيبات، يصير الرقيب الخارجيّ والرقيب الداخليّ صديقين عزيزين، يتفاهمان بالإشارة، بالنظرة، بالإيماءة، ويتبادلان المعطيات والأدوار والمعلومات، لا بل يأتي وقت يجلس فيه الرقيب الخارجيّ مرتاحًا إلى وضعه، مطمئنًّا إلى سير عمله، واثقًا من أنّ الرقيب الداخليّ يقوم بعمله في رأس كلّ كاتب، ولا داعي بعد اليوم للتنبيه والتحذير والرقابة والقصّ أو المنع، إلاّ في الحالات الشاذّة حين يخيّل للكاتب في لحظة توهّم لذيذة وخطيرة أنّ الظروف اختلفت وأنّ حريّة التعبير تحقّقت.
منذ بدأت الكتابة والرقيب الذاتي يحاصرني، مرّة يقفز من رأسي ويجلس أمامي محاورًا يريد أن يقنعني بالمنطق والبرهان بالابتعاد عن هذا الموضوع الحسّاس أو عدم التطرّق إلى هذه المشكلة الخطيرة، ومرّة يصرخ في وجهي ويجبرني على تمزيق أوراقي، ومرّة يتسلّل إلى خلايا دماغي محاولاً اقتلاع الأفكار التي تنمو هناك كأنّها بالنسبة إليه حشائش ضارّة تريد التهام المزروعات الصالحة، ومرّة يرندح في صوت يجمع بين اللؤم والدلال: تذكّري الراتب، تذكّري الفواتير، تذكّري التنزيلات المغرية...حسنًا، حسنًا إخرس، سأكتب ما لا يزعج والدي ولا أخي ولا صهري ولا كاهن قريتي ولا معلّميّ منذ صفوف الروضة ولا جيراني ولا أصدقائي ولا أقربائي في الوطن والمهجر، ولا رؤساء التحرير، ولا الشعوب العربيّة. سأكتب ما تريد وما يطلبه القرّاء وما تفرضه القوانين والأعراف والديانات ولن أكون سبب عثرة لأحد، ولن أغضب أحدًا، ولن أزعج سكينة أحد، ولن أتدخّل في ما لا يعنيني، ولن أمدح أحدًا ولن أهاجم أحدًا، ولن أشير لا من قريب أو من بعيد لا إلى السياسة ولا إلى الجنس ولا إلى الدين ولا حتّى إلى القبائل الشعريّة المتناحرة، ولن أعظ ولن أعلّم ولن أثير حفيظة ناقد في صحيفة ولا بائع الجرائد، سأكتب ما تمليه عليّ ولن أناقش. فتفضّل يا حضرة الرقيب الداخليّ المنسجم تمام الانسجام مع الرقباء الخارجيّين المبثوثين في أرجاء وطننا العربيّ العظيم.
-
حسنًا: المقادير لمليار عربيّ
-
وهل سأكتب وصفة طعام؟
-
طبعًا! وهل يمكن أن تجمعي العرب حول موضوع آخر يُسمح لك بالكتابة عنه؟


الجمعة، 1 يوليو 2011

الشخص يللي مش تاني


لمّا الشخص التاني ببطّل تاني

بس إنتَ بتضلّ الأوّل


لمّا الشخص ببطّل شخص

وبيصير حالة بتعيش فيا


لمّا الشخص بعبّيك

وبيحيط فيك بالوقت نفسو


لمّا بيضلّ برّاتك

وبيصير جوّاتك


هيدا بيكون الحبّ


كيف بدّي قلّك قدّيش إنتِ بقلبي؟ سألها


ما كان فيي أكتب هالكلمات

لو ما كنت حاسّة أنا وين


بس أكتب هيك بحسّ إني عم أكتب

وأنا قاعدة بقلبَك ومرتاحة


غير هيك ما كنت بكتبلك عنك

وما كانوا بيطلعوا الكلمات بيشبهوا اللي أنا فيه

حين تصل الانهيارات إلى الداخل




ليونورا كارينغتون

يبدو أنّ كلمة "الانهيار" هي العنوان الكبير لكلّ ما نواجهه في هذه المرحلة، ومن الواضح أنّ المعالجات لوقف سلسلة الانهيارات التي نرزح تحت وطأتها لا تزال في مرحلة التشخيص والتفكير والتخطيط كعادتنا في معالجة المشاكل والأزمات.
الانهيار الاقتصاديّ الذي يحتلّ الواجهة حاليًا ليس إلاّ نتيجة مجموعة من الانهيارات الأخلاقيّة التي ردمت تحتها السياسة والاقتصاد والعِلم والفلسفة وجعلت العالم على شفير إفلاس حقيقيّ على مختلف المستويات وفي كلّ مكان من العالم. وما الفضائح الماليّة التي تنشر حاليًا إلاّ الجزء القليل من مآسي عالم المال، ولن نعجب إن توالت الأسماء والأرقام معلنة أنّ كرة الثلج لا تزال في أعلى الجبل وثمّة مسافة طويلة ستقطعها قبل أن تكبر جارفة معها كلّ ما يعترضها مسبّبة دمارًا هائلاً. وإذا كانت سلسلة الخطوات العمليّة التي قامت بها الدول والمنظّمات الحكوميّة لمعالجة هذا الوضع توحي بأنّها تسابق التداعيات والخسائر، فثمّة مجالات أخرى لم تصل إليها خطط الإنقاذ بعد وبدأ الناس يذهبون ضحاياها انتحارًا أو اغتيالاً، من دون أن ننسى الانهيارات العصبيّة والنفسيّة التي أصابت وتصيب ملايين العمّال والموظّفين الذين صرفوا من أعمالهم وتأثير ذلك على عائلاتهم، ما يجعلنا في مواجهة حقيقيّة مع عالم مرعب يتقاتل فيه الناس من أجل لقمة العيش، ولن يكون البقاء طبعًا إلاّ للأقوى ما لم تأت المعالجات سريعة وعادلة، وهذا مع الأسف ليس بقريب المنال.
انهيار الأبنية على من فيها وجه آخر من وجوه الفساد والاستخفاف بحياة الناس. فما من يوم يمضي إلاّ وفيه خبر عن انهيار مبنى وتصدّع آخر، حتّى تحوّلت بيوت الناس مصدر قلق بدل أن تكون ملجأ أمان. وحكاية الأم وطفلها اللذين عاشا تجربة من هذا النوع في منطقة الأشرفيّة لا تزال تتفاعل، وهل من السهل على تلك الأمّ أن تنسى كيف انهار جزء من البيت أمام عينيها، فخرجت من غرفة النوم حاملة طفلها لتجد نفسها في العراء معلّقة على ما تبقّى صامدًا من المنزل وكلّ ما حولها ردم وخراب. لماذا؟ لأنّ ورشة البناء المجاورة مخالفة للأصول القانونيّة، ولم يأخذ أصحابها في عين الاعتبار أنّ البيت الذي انهار، وانهارت معه أحلام ساكنيه وأعصابهم، مصنّف في سلسلة البيوت ذات الطابع الأثريّ، وله خصوصيّة جماليّة تراثيّة، فضلاً عن كونه يضمّ عائلة وأطفالاً لم تسعفهم عشرات الشكاوى التي حاولت استباق الكارثة.
حين يصل الانهيار إلى داخل كلّ واحد منّا لن يبقى شيء صامدًا، ومع ذلك فثمّة آباء يحاربون يأسهم وإحباطهم ويستيقظون باكرًا للبحث عن عمل، وثمّة أطفال يذهبون إلى المدرسة ليتعلّموا وهم لا يعرفون ماذا ينتظرهم في مستقبل قريب، وثمّة أمّهات يحضّرن طعام الغداء وينتظرن عودة الأب والأولاد، أم أنّ هذا مشهد من كتاب حكايات قديمة لا تزال عالقة في البال ولا تريد أن تترك مكانها لمشهد آخر مختلف فيه آباء يقتلون أولادهم ونساءهم ثمّ ينتحرون.

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.