الثلاثاء، 4 فبراير 2020

المسيحيّون اللبنانيّون بين معتقل العيب وحريّة المحبّة - 2018(من سلسلة الموارنة مرّوا من هنا)

القدّيس مارون بريشة الفنّان مارون الحكيم


العائلات المسيحيّة، المؤسّسات المسيحيّة، المناسبات الاجتماعيّة المسيحيّة، محكومة، ما عدا استثناءات نادرة، بتلافي العيب لا بمعانقة المحبّة.
عيب أن يسمع الجيران أصواتنا، عيب ألّا ننتخب فلانًا، عيب ألّا نشارك في مأتم أو عرس، عيب ألّا يكون بيتنا على مستوى الزائرين، عيب أن تكون سيّارتنا قديمة الطراز، عيب أن يتخصّص أولادنا في المجال المهنيّ، عيب أن نرتدي الثوب نفسه مرّتين...عيب ألّا نأتي بخادمة... عيب أن أضع والدي في بيت العجزة، عيب ألّا يكون على المائدة مئة صنف من المازة، ...
عيب وشو رح يقولوا الناس، وجرصة، ومش ناقصنا حكي، استرونا،...خلّيها بالقلب تجرح ولا تطلع وتفضح، وغيرها من العبارات والكلمات التي تفضح طبيعة قائليها وخلاصتها أنّ الخوف من كلام الناس هو الذي يدير شؤون حياتنا، فلا محبّتنا لهم تجعلنا نهتم بهم، ولا محبّتهم لنا تطمئننا إلى أحكامهم، وبالتأكيد لا علاقة لله بكل ذلك.
ولكن الكارثة هي حين تغيب المحبّة ويتغاضى الإنسان عن العيب، عند ذلك نصير على ما نحن عليه الآن: لا حدود للعهر والخبث والكذب، ولا ضوابط للأخلاق، ولا موانع تقف سدًّا أمام الفساد والشرّ.
أين هي المحبّة المسيحيّة حين يكره سياسيّ مسيحيّ سياسيًّا آخر ثم يتناولان القربان المقدّس نفسه؟ أين هي المحبّة المسيحيّة حين تضرب حاملة شهادة اللاهوت أباها وتطرده من البيت، وحين يتقاتل الأشقّاء على الإرث، وحين لا يتخاطب اثنان وهما خارجان من القدّاس نفسه، وحين يغار كاهن من آخر ويحقد عليه، وحين يرتشي الموظّف ثمّ يذهب إلى الكنيسة كأنّ شيئًا لم يكن؟
أين هي المحبّة المسيحيّة حين يعمّ الفساد في المستشفيات والمدارس والجامعات؟ وحين تسرق أموال الفقراء في المؤسّسات الخيريّة الإنسانيّة؟ وحين تهدر أموال الكنيسة على ما لا يضمن بقاء المسيحيّين؟ وحين يُقتل الشهداء مرّة بعد مرّة؟
أين هي المحبّة المسيحيّة، جوهر الإنجيل، والموضوع المفضّل في عظات الكهنة من كلّ ذلك؟
أين هي المحبّة المسيحيّة وأنت حين تلجأ إلى كاهن شاكيًا أمرًا أو طالبًا خدمة يحوّلك إلى الصليب الأحمر أو الطبيب النفسيّ أو القوى الأمنيّة؟ فهو ليس حلّال مشاكل ولا حائط مبكى! ويللي مش عاجبو مع السلامة...
أين هي المحبّة المسيحيّة وأنت إن نظرت إلى معلّم مسيحيّ رأيت النقمة، وإلى طبيب مسيحيّ رأيت الغرور، وإلى مهندس مسيحيّ رأيت الزعبرة، وإلى محام مسيحيّ رأيت السمسرة، وإلى قاض مسيحيّ رأيت الظلم، وإلى موظّف مسيحيّ رأيت الرشوة، وإلى مصرفيّ مسيحيّ رأيت الجشع، وإلى رجل أمن مسيحيّ رأيت الغضب، وإلى إعلاميّ مسيحيّ رأيت الزحفطونيّة، وإلى عامل مسيحيّ رأيت الكسل، وإلى طالب جامعيّ مسيحيّ رأيت طلب هجرة؟
***
لا يحتاج المسيحيّون اليوم إلى مجامع لاهوتيّة تقرّب وجهات النظر، أو مؤتمرات تأسيسيّة تدرس الهيكليّة التنظيميّة، أو حركات تصحيحيّة تبعد فلانًا وتعيد فلانًا، أو مساءلة في روما وتحقيق. وبالتأكيد لم يعودوا في حاجة إلى أحزاب وعقائد وتيّارات، بعدما أثبتت كلّها فشلها في حلّ الأزمات أو على الأقلّ إدارتها.
مسيحيّو لبنان في أمسّ الحاجة اليوم إلى لقاء روحيّ لا فضل فيه، إلّا بالتقوى، لرجال الدين على علمانيّين مشهودٍ لهم بالحريّة والشجاعة والالتزام، بهدف العودة إلى جوهر المسيحيّة؛ وإلى خلوة فلسفيّة فكريّة اجتماعيّة تنظّف المسيحيّ من أدران الحروب وتبعات الشرذمة؛ وإلى انتفاضة تأريخيّة تعيد النظر في مفاهيم البطولة والقداسة والشهادة، فتنفض الغبار عن الفكر المضطَهد وتعتذر عن الأخطاء/ الخطايا.
مسيحيّو لبنان اليوم في حاجة ماسّة اليوم إلى مؤسّسة رسوليّة جامعة تنشر الكتب وتكرّم الشعراء والروائيّين والصحافيّين، إلى رجال اقتصاد يوزّعون فرص العمل ويعالجون البطالة ويستفيدون من ممتلكات الكنيسة لما فيه خير الجميع، إلى وسائل إعلام تستضيف نساء ورجالًا يملكون مواهب وأفكارًا تحرّك المياه الراكدة في مستنقعات الحياة.
هل هو كلام طائفيّ محدود النطاق؟ لا، بل هي دعوة لطائفة أعرف تاريخها ومزاياها بقدر ما أعرف أخطاء كثيرين من مسؤوليها وأتباعها لكي ينظّف أبناؤها حياتهم الروحيّة وبيوتهم الروحيّة ومؤسّساتهم الروحيّة ليستطيعوا بعد ذلك أن يطلبوا من الآخرين أن يحذوا حذوهم، فيلتقي الجميع في بوتقة المواطنيّة.
فهذا التكوين اللبنانيّ القائم على التقويم الطائفيّ لن يحلّ أزماتِه المغرقة في التاريخ والجغرافيا زواجٌ مدنيّ، أو تحسم أموره ثورة نعلم كلّنا أنّها لن تجتمع على هدف. ولعلّنا مدعوون إلى حركة تحرّر داخليّة، تعيد ما لله لله كي نستطيع في مرحة لاحقة أن نعطي القيصر ما له.
وإلّا، وبعدما تحوّلت المحبّة تهمة سذاجة، وبعدما صار العيب موضة بائدة، على المسيحيّين أن يكفّوا عن الشكوى والنقّ، وعلى زعمائهم السياسيّين أن يخجلوا من الحديث عن بطولات وهميّة، وعلى قادتهم الروحيّين أن يتوقّفوا عن التطلّع إلى سماء لا تنحصر اهتماماتها بالهمّ المسيحيّ اللبنانيّ!  

ليست هناك تعليقات:

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.