الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 23 أبريل، 2016

أين نجح الأرمن وأين فشل الموارنة؟


قطعُ الأشجار في وادي قنّوبين... اقتلاع تاريخ




* صحيفة النهار - الثلاثاء 4 أيّار 2010

     بعيداً عمّا إذا كانت المقارنة تصحّ بين الموارنة والأرمن باعتبار الاختلاف بين أن تكون المارونيّة مذهبًا لا قوميّة، وبين ما إذا كانت مسيرة الأرمن التاريخيّة محكومة بكونهم أبناء مذهب مسيحيّ أو بكونهم شعبًا لوطن له اسم وكيان وتاريخ. بعيدًا عن كلّ هذا، يمكننا أن ننظر إلى الشعبين كأقلّيتين مسيحيّتين تعرّضتا للاضطهاد أو المجازر، فتعاملت كلّ منهما مع الأمر بأساليب مختلفة، وكانت النتيجة أنّ الأرمن يحقّقون رغبتهم في الحصول على اعتراف بقضيّتهم وبالمجازر التي تعرّضوا لها ونجحوا في فرض وجودهم في دولة خاصّة بهم أو في مناصب رسميّة واجتماعيّة في الدول التي حلّوا فيها، في حين يتعرّض الموارنة لخيبة تلو أخرى. فأين نجح الأرمن وأين فشل الموارنة؟

     1 - العامل الأوّل الذي جعل الأرمن ينجحون هو تكتّلهم في وحدة متراصة متضامنة. فعدا عن تجمّعهم في أماكن خاصّة بهم، شبه مغلقة من غير أن تكون منغلقة، حياديّة من غير أن تكون منعزلة، بقيت صلاتهم بعضهم ببعض قويّة مهما بعدت المسافات بين النازحين والمقيمين، وبين المهاجرين إلى الغرب والمتشبّثين بأرض الشرق. لذلك نراهم يتعاضدون ويتبادلون الخدمات مهما اختلفت آراؤهم في معالجة قضيّتهم الجوهريّة. وهذا ما لم يستطع الموارنة تحقيقه، فلا قضية واحدة تجمعهم، ولا تضامن بينهم، ولا صلات وصل قويّة وفاعلة بين المقيمين منهم في لبنان وبين المستقرّين في بلاد الانتشار. وفي حين يجذب الأرمنيّ سائر الأرمن الذين يعرفهم إلى حيث يعمل أو يقيم، نرى المارونيّ يهرب من الموارنة بذريعة الانفتاح ورفضًا لتهمة الانعزال، فكان الزواج من الأجانب وعدم السعي الى حمل الجنسيّة اللبنانيّة وبيع الأراضي.

     2 - العامل الثاني هو اللغة. فلقد اعتبر الشعب الأرمنيّ أنّ اللغة هي الرابط بين تاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم، وهي الجسر الآمن بينهم مهما تفرّق شملهم. وهذه اللغة تحمل حكاياتهم وأحلامهم وحضارتهم، ومن دونها لا بقاء لهم. في المقابل لا يملك المارونيّ لغة خاصّة به: فمن الآراميّة إلى السريانيّة إلى العربيّة إلى الفرنسيّة ثمّ الإنكليزيّة، تنقّل اللسان المارونيّ غير قادر على حسم أمر انتمائه. لذلك، يبدو من الطبيعيّ أن تطالب فئة من الموارنة بإعادة تدريس السريانيّة في المدارس المارونيّة لحفظ لغة الأسلاف، ويبدو من الطبيعي كذلك أن تنظر فئة مارونيّة أخرى إلى هذا الطلب متسائلة عن جدواه في وقت تكاد اللغة العربيّة نفسها تنقرض أمام هجمات اللغات الأجنبيّة أكانت غربيّة أم آتية من أقصى الشرق. ويرتبط باللغة حكمًا كلّ ما له علاقة بالتاريخ والتراث والفنون، ما يجعل الأرمني في ذلك قادرًا على استحضار ماضيه بكلّ ما فيه من خيبات وإنجازات، ويعجز المارونيّ عن تحديد هويّته الحضاريّة.

     3 - العامل الثالث هو العمل: فلقد فهم الأرمنيّ مذ طاولته يد الإجرام أن عليه أن يعلّم أولاده الناجين حبّ البقاء، في انتظار العودة إلى أرمينيا. لذلك، كان العمل هدفًا أساسًا لم يأنف الأرمني من السعي إليه مهما تدنّى مستواه أو ضؤل أجره. فعمل الشعب الأرمنيّ في كلّ المجالات، ولا يذكر أحد أنّه يعرف متسوّلاً أرمنيًّا. وهذا الإصرار على العمل بنشاط جعل الأرمن ينجحون في مجالات لا يمكن حصرها، حتى بات بعض الحرف والمهن حكرًا عليهم، وصولاً إلى مراتب عالية في الوظائف والإدارات. وهذا ما لم يفعله الموارنة الذين خرجوا من الوظائف الحكوميّة والإداريّة وتعالَوا عن الانضمام إلى الجيش وتخلّوا عن العمل في الأرض والحِرف، واكتفوا عمومًا بقطاع الخدمات حيث ينصاع الإنسان لأوامر من يدفع له أكثر، مما انعكس سلبًا على نفسيّاتهم التي صارت أسيرة مقيّدة بعدما كانت حرّة طليقة.

     فَهِم الأرمن بعد المجازر الرهيبة أنّهم ضحايا مؤامرات دوليّة وأنّهم أقليّة تعرّضت للإبادة أمام صمت العالم كلّه، ولذلك عليهم الاتّكال على قدراتهم والرهان على الوقت. أمّا الموارنة فآمنوا بأنّهم محور الأرض وأنّ سياسات الدول تبنى على قياس رغباتهم وأنّ السماء لن تتخلّى عنهم وأنّهم حاصلون على خبزهم لأكثر من يومهم ولو لم يعملوا أيّ شيء. وبنتيجة هذين الاقتناعين، تقترب المسألة الأرمنيّة من فرض نفسها في كلّ مكان وعلى كلّ الناس حتّى في تركيا نفسها وعلى المثقّفين الأتراك في الدرجة الأولى، بينما يفقد المثقّفون الموارنة الثقة يومًا بعد يوم بأهليّة زعمائهم وقادتهم الزمنيّين والروحيّين، ويجدون أنفسهم في دفاع سخيف عن قضيّة لا يعرفون ما هي في الحقيقة ولا كيف يقنعون غيرهم بها. وإن لم تكن هذه الحال نهاية الموارنة فثمّة خوف مشروع في أن تكون النهاية أقرب بكثير مما يظنّ المتعامون عن الحقائق والأرقام، والمتجاهلون واقع المجتمع.


هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

والأرمن إذا وعدو بشيء وفوا به، وإذا أرسلوا شي وصل، (إذا)،
أليس كذلك يا ابنت حفرون
ابن نفرون.