من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 27 يناير، 2017

دعوة لتوقيع عريضة لجعل القرنة السودا محميّة طبيعيّة





أثار المشروع العقاري، الذي ظهر إلى العلن أخيراً تحت اسم "القمة"، ويقضي بإقامة مجمّعات سكنية وسياحية على سفوح القرنة السوداء (3093 متراً)، أعلى قمم الشرق، قدراً واسعاً من الردود الشاجبة. والحق يقال إن هذا المشروع، الذي أعلنته شركة تُدعى "ريليز دفلوبمنت"، مملوكة من لبنانيين، لديهم كما يقولون، مؤسسة تمويل في أبو ظبي، هو على قدر من الضخامة، والفجاجة، والإثارة، يصعب معها أخذه تماماً على محمل الجدّ.
المشروع الموعود البدء بتنفيذه الصيف المقبل، الذي "تضع مخططه الرئيسي شركة كندية"، يقع على ارتفاع 2400 متر عن سطح البحر، ويمتد على مساحة 420 ألف متر مربّع، وتبلغ مساحته المبنية 250 ألف متر مربّع، تشتمل على 650 شاليهاً و70 فيلاّ، ومؤسسات فندقية وترفيهية، إضافة إلى حلبة تزلج وغير ذلك، بكلفة إجمالية قدرها 500 مليون دولار.
ديناميكية الخراب
هذا المشروع هو، في هذه الحال، أشبه بـ"قنبلة الدمار الشامل"، التي تستهدف الطبيعة، والمشهد، والحياة البرية، النباتية والحيوانية، والثروة المائية الجوفية في جبل المكمل.
ليس في إطار المشروع المشار إليه في حدّ ذاته فحسب، بل أيضاً في تداعياته العقارية المحتومة على كامل سفوح "القرنة السوداء"، من جهاتها الثلاث، جهة إهدن وجهة بشري وجهة الضنية. إذ يكفي أن يجري الاستثمار العقاري في إحدى الجهات الثلاث (مشروع "القمة" هو على الأرجح جهة الضنية)، حتى تُفتَح الطريق أمام الوسطاء والسماسرة والمستثمرين من الجهتين الباقيتين، على أساس الشعار الآتي: "لماذا هم وليس نحن؟ هل نترك لهم وحدهم استغلال الجرد العالي؟"، فيعمّ الخراب. والحقيقة أنه ليس هناك "نحن" و"هم" في هذا المجال، بل طرف واحد في الجهات الثلاث: الرأسمال الأعمى.
لكن مهما كان مشروع "القمة"غريباً وفجّاً، فلا يمكن التغاضي عنه، للأسباب الآتية:
لأن، أولاً، ما لا يمكن تصور حدوثه في أيّ بلد، يمكن أن يحدث في لبنان، حيث الفساد المريع وضعف مؤسسات الدولة والفوضى العارمة في كل مجال، تتيح القفز فوق كل الاعتبارات، وتخطي كل المعايير والقيم، لتحقيق المزيد من الكسب المادي، وخصوصاً في موضوع التعدّي على الطبيعة.
ولأن، ثانياً، الكثير من الوسطاء الماليين اللبنانيين هم على استعداد لفعل أيّ شيء، ولاستباحة كل شيء، من أجل جذب الرساميل التي تؤمّن لهم الحصص والعمولات، ضاربين عرض الحائط بكل المحرّمات. فكيف لا يسوّقون سفوح "القرنة السوداء" ويسعون إلى استثمارها وبيعها؟
ثمّ هناك الكثير من أصحاب الثراء الفاحش في العالم الأقرب والأبعد، الذين يقودهم جنون العظمة، وحبّ التميُّز الفارغ، إلى الرغبة في شراء أراضٍ فوق سطح القمر، فلماذا لا يلوّح لهم الوسطاء والسماسرة بحلم امتلاك منزل في "أعلى جبل في الشرق"؟

الكارثة اللبنانية
ثمّ إن لبنان، الرازح تحت حروبه وأزماته المتوالية، المثقل بكثافته السكانية وفيض اللاجئين إليه، بُلي منذ أكثر من نصف قرن، في زمن الإسمنت المسلّح وتوابعه، بأخطر ما يمكن أن تُبلى به بلاد: أن تتوافر فيها القدرات المالية، أن يتوافر فيها الرأسمال، قبل أن تصل إليها الثقافة، ثقافة البناء وثقافة المشهد وثقافة البيئة. حينئذ تحل الكارثة.
وقد حلّت هذه الكارثة في المدى اللبناني. زاد من هول كارثة البناء في لبنان طوال نصف القرن الأخير، أن القدرات المالية حضرت، ليس في غياب الثقافة فحسب، بل أيضاً في غياب سلطة الدولة، وسط فساد بلا حدود. غياب الثقافة وغياب الدولة.
هكذا، زحف البناء الفوضوي، الهجين، غير المندرج في أيّ رؤية، في أيّ تخطيط مسبق للمكان، سواء أكان المكان مدينة، أم شارعاً، أم قرية، أم ضاحية مدينة، أم شاطئ بحر، أم ضفة نهر، أم أيّ شيء. البناء الخالي من كلّ جمالية، من كلّ طراز معماري، من كلّ ذوق، زحف واحتل كلّ أنحاء لبنان، مشوّهاً المشهد إلى غير رجعة، وملوّثاً الطبيعة تلويثاً خطيراً في عناصرها كافة.
هكذا، امتدّت الكارثة المعمارية، التي لا عودة عنها، في طول لبنان وعرضه، مغطيّةً الشواطئ، والمدن الساحلية، والمناطق الوسطى، والمناطق الداخلية، والمناطق الجبلية ايضاً. والآن، تحوم غربان المال فوق أعالي الجبال، وصولاً إلى "القرنة السوداء".
هكذا يمكن القول إنه ليس من مكان في العالم مثل لبنان، يبرز فيه هذا التناقض المأسوي بين جمال الطبيعة من جهة، وبشاعة الفعل البشري، من جهة أخرى. لقد بدّد الإنسان المعاصر ثروة لبنان الكبرى: جماله الطبيعي وصحّة بيئته. كان عمار لبنان هو خرابه. يشنق نفسه ألفونس دو لامرتين، إن عاد ورأى لبنان الذي وصفه في كتابه "رحلة إلى الشرق".

غربان "القرنة السوداء"
في موضوع غربان المال الحائمة حول "القرنة السوداء" بالذات، لا يمكننا إهمال مشروع "القمة" الدونكيشوتي، لأنه ليس هو المشروع الأول، ولن يكون الأخير. منذ ربع قرن تتوالى المشاريع نفسها، بصيغها العقارية المختلفة، من هذه الجهة أو تلك من سفوح "القرنة السوداء". وقد تكوّنت منذ أكثر من ربع قرن إلى الآن، مجموعة من الوسطاء والسماسرة والمستثمرين، الذين يجهدون في التقرّب من الزعامات السياسية في إهدن وبشرّي والضنية، ويتسربون إلى مجالسها البلدية المتعاقبة، بهدف واحد، متعدد المسالك والوجوه: الصعود إلى جبل المكمل وتنفيذ المشاريع العقارية على هذا السفح أو ذاك من سفوح "القرنة السوداء". ومنطق الاستثمار والبيع والشراء هو الآتي: "نضع يدنا مجّاناً على مشاعات شاسعة في الجرد العالي، نحور وندور و"نشيل ونحطّ" بلفاً وتزويراً على "الطريقة اللبنانية"، نذرّ الرماد في العيون بالكلام على التزلج وعلى المصاعد، ثمّ ننشئ بنى تحتية، نبني فوقها أو لا نبني، ونبيع الأراضي المعدّة للعمار، او الأبنية التي سنشيّدها، بأبهظ الأثمان. اما الخراب العظيم الذي سينتج من أفعالنا، فنغطّيه بالوظائف وفرص العمل التي نقول إننا سنوفّرها، وبالحديث عن ارتفاع أسعار الأراضي الذي سيلي ذلك". وتملك الهيئات المهتمّة بمواجهة هذه المشاريع ملفات ووثائق كثيرة عنها.
لقد برزت مثل هذه المشاريع، على سبيل المثل، جهة السفوح الإهدنية، قبل نحو عقدين من الزمن، مطلع هذا القرن. وعمدنا إلى مواجهتها، فكرياً وعلمياً وإعلاميّاً، طوال سنوات، من خلال "لجنة حماية جرد إهدن وجبل المكمل" التي عملنا على تأليفها لهذه الغاية. وكانت لتلك المواجهة دورها الفعال في كشف ما يجري وعرقلته. ولا بدّ من الإشادة في هذا المجال، في صورة خاصة، بالملحق الثقافي لجريدة "النهار"، وبصفحات "النهار"، في نشرها مواقفنا وتغطيتها تحركاتنا على نحو بارز. وهو موقف تاريخي يُسجَّل لهذه المؤسسة الإعلامية اللبنانية العريقة، التي طالما حملت مشعل الدفاع عن الحريات وعن الطبيعة والمشهد والبيئة في لبنان في أصعب الظروف، والتي تقف اليوم وحدها، ويا للأسف، أمام الصعوبات المادية التي تهدّدها، من دون أن تأبه لمصيرها القوى التي تسمّي نفسها بـ"اللبنانية" في المجتمع اللبناني، وكأنّ شيئاً لم يكن!
بعد ذلك طُويتْ صفحة مشاريع "القرنة السوداء" آنذاك، في مهبّ التحوّلات الكبيرة التي تلت استشهاد الرئيس رفيق الحريري وخروج القوات السورية من لبنان والانقسام الحادّ بين 8 و14 آذار وسلسلة الاغتيالات والتفجيرات وحرب تموز وغيرها. إلى أن عادت تلك المشاريع إلى الظهور من جديد في السنين الأخيرة، إلى حدّ أن رئيس بلدية زغرتا - إهدن السابق تحدّث عنها علانيةً في عشاء حاشد في "ساحة الكتلة" في إهدن، مثيراً الكثير من النقد والرفض.
وها هو "آخر الغيث" يطلّ برأسه من جهة الضنية بإسم مشروع "القمة".

الحلّ الواحد الأوحد
ليس هناك، لتجنّب الخراب الكبير إلاّ حلّ واحد أوحد: المطالبة بإنشاء محمية طبيعية ومائية باسم "محميّة سقف الشرق"، تضم منطقة "القرنة السوداء" وسفوحها والجرود العالية حولها. "محمية سقف الشرق" باتت هي الحل الأوحد لإنقاذ هذا المكان، من الرساميل المتأهّبة للصعود إليه من جهات ثلاث، من الضنية، من إهدن، ومن بشري، وربما قريباً، من الهرمل، التي ستقود إلى خرابه. هذه الرساميل، التي فعلت ما فعلته في الشاطئ اللبناني، والمناطق الساحلية، والوسطى، والجبلية، باتت وجهتها الآن الجرد العالي أيضاً. جرد جبل المكمل، خزّان مياه لبنان الأهمّ، بتربته البالغة الحساسية والهشاشة وقابلية الامتصاص، التي لا تحتمل أدنى خلل، كيف ستحتمل مثل هذه المشاريع؟ جرد المكمل بمشهدياته الجمالية الفاتنة، وغاباته البالغة الغنى بثرواتها النباتية والحيوانية، وخصوصاً "محمية حرج إهدن" المتسمة بتنوّعها البيولوجي النادر، وهي مقصد علماء الحياة والطبيعة من كلّ أنحاء العالم، والشاهد الأخير على غابات جبل لبنان والشرق الأوسط القديمين، ماذا سيحلّ بها كلّها وسط الدمار البيئي الشامل الموعود؟
يمكن بعد ذلك العمل على ضم "محميّة سقف الشرق" إلى التراث الطبيعي والثقافي العالمي، الذي ترعاه منظمة الأونيسكو، على غرار وادي قاديشا. بعدها، يمكن القيام في هذه المنطقة الجردية بما تسمح به أنظمة المحمية من نشاطات، وليس سواها.
تجدر الإشارة إلى أنه فضلاً عن أبعاده المشهدية والجمالية الرائعة، يستمدّ جبل المكمل المهيب، المغطّى بثلوجه الأبدية، قيمته الثقافية والرمزية الكبرى من كونه "سقف الشرق"، ومن كون جبل لبنان هو رمز الجمال الأرضي في المخيلة البشرية، على مدى آلاف السنين، من ملحمة غلغامش، إلى أرتور رامبو هاتفاً: "يا لبنانات الحلم!"، مروراً بالتوراة، وبالمصادر الإسلامية، وبالمئات من كتب الرحّالة الأوروبيين من القرن السادس عشر إلى مطلع القرن العشرين.
لتحقيق "محمية سقف الشرق" طريق واحد: تحويل مشروع قانون خاص بها من مجلس الوزراء إلى مجلس النواب لإقراره. ترافق ذلك حملة إعلامية كبرى، تشارك فيها الجماعات والمؤسسات اللبنانية المعنية، ومنظمة الأونيسكو، وجمعيات الدفاع عن الطبيعة، وجمالية المشاهد، والثروات المائية والحية، والتراثات الثقافية والتاريخية، وجمعيات علوم الحياة، في أوروبا والعالم.
تقع مسؤولية حمل هذا المشروع إلى مجلس الوزراء، ومن ثمّ إقراره في البرلمان اللبناني، في الدرجة الأولى على عاتق نواب زغرتا - الزاوية وبشري والضنية، الذين، عبر كتلهم النيابية والسياسية، يتمتعون بتمثيل واسع في السلطتين التنفيذية والتشريعية. فهل يلبّون نداء الجبل؟

كاتب ومفكر لبناني، دكتور في الأنتروبولوجيا الثقافية.

الخميس، 26 يناير، 2017

أمطري واعصفي (2010)





أمطري واعصُفي
وارقصي واعزفي
واخلُقي الجمالْ
وانسجي الخيالْ
القمح في أعدالنا
والزيت في قلالنا
والتين في السلال
وكلّها حلالْ من جبالنا
***
كان ذلك من زمان. كان ذلك أيّام الياس أبو شبكة.
اليوم، لا تمطري ولا تعصفي لأنّ طرقات الإسفلت ستغرق بالمياه بعدما كانت دروب التراب تشرب حتّى الاخضرار.
اليوم، لا تمطري ولا تعصفي، فبيوتنا تزنّرها الستائر الزجاجيّة بعدما زال عصر الحجر من البيوت وبقي في العقول.
اليوم، لا تمطري ولا تعصفي، لأنّ علينا أن نذهب إلى المجمّع التجاريّ لنأكل لأنّ الثلاجة فارغة.
القمح والزيت والتين كلمات في كتاب القراءة. والحلال للذبح بعدما أحنت الجبال رأسَها تحت ضربات آلات الحفر.
***
ولكن لا. فليقصف الرعد عمر الجفاف، وليمزّق البرق ثوب السماء، ولينزل المطر عشبًا وقمحًا وزيتًا وخمرًا.
***
نعم!
أمطري، عطّري
بالدم الأخضر
بُرْعُم الزهَر
واملائي الثمرْ
***
أمطري واعصفي لعلّ الشتاء يطول فيعجز الراغبون في الحرب عن تحقيق أحلامهم/ كوابيسنا.

عايدة صبرا/ ضيفة المدوّنة


موضوع الفيلم:
فنّانة صوتا حلو... وطبيعيّة؟؟؟؟

الاثنين، 23 يناير، 2017

عن روايتي "كلّ الحقّ ع فرنسا" بقلم الشاعر والناقد سلمان زين الدين



"كل الحق ع فرنسا" لماري القصيفي: 
تحوّلات الاجتماع اللبناني عبر الزمان والمكان

سلمان زين الدين - صحيفة المستقبل - الأحد 6 أيّار 2012 (نوافذ)

الأسرة اللبنانية وتحوّلاتها عبر الزمان والمكان، خضوع الاجتماع اللبناني لتجاذبات محلية وإقليمية ودولية، تأثير الحرب على العلاقات الأسرية والأفراد، النزف البشري بفعل الهجرة الى الخارج، تخطّي العلاقات الأطر الجغرافية والطائفية، وغيرها.. هي موضوعات تطرحها رواية "كل الحق ع فرنسا" للكاتبة اللبنانية ماري القصيفي (دار "سائر الشرق"، 2011)، فتعكس فسيفساء الاجتماع اللبناني بتفاعلاته المحلية، وانفتاحه على الإقليمي والدولي.
هذه الموضوعات تتناولها القصيفي، من خلال رصدها حركة أسرة لبنانية، بقاعية، مسيحية، في ثلاثة من أجيالها، على مسافة زمنية تمتد قرابة قرن من الزمان، تتشعّب خلالها الأسرة، وتتفرّع الى أسر يكون لكلٍّ منها مساراتها المتعرّجة ومصائرها القاتمة، فكأنّ لعنة حلّت بها، وراح أفرادها يتساقطون واحداً تلو الآخر.
الجيل الأول يمثّله الجدّان يوسف ونجلا اللذان يتزوّجان في العشرينيات من القرن الماضي؛ يوسف يحبّ أولاده والأرض والكتب وكأس العرق. "أنا اخترت الغرق في العرق والكتب" (ص64)، يقول. دوره في الأسرة هامشي وغير مؤثّر، مات من دون أن يحسّ به أحد كما عاش. نجلا ذات سطوة وتدبير، تتّخذ التدابير التي تعتقد أنها في مصلحة أفراد الأسرة لكنّ النتائج تأتي عكسية، لذلك تحسّ بالذنب إزاء ما حصل لابنتها وردة، "منذ ثلاثين عاماً وهمّ وردة يأكل معي في الصحن"، وتلوم نفسها في حادثة موتها، وسرعان ما تلحق بها.
الجيل الثاني يمثّله الأبناء والبنات: حبيب تاجر مخدّرات وخرّيج سجون. نجيب هامشي، فاشل، يقيم عند بيت حميّه، ويفتقر الى الجرأة والمغامرة. وردة ضحية تواطؤ الأم والكولونيل الفرنسي، تموت بشرب الديمول، بعد قصة حب عاصفة هي العمود الفقري في الرواية. سعاد تخسر الأمان بموت زوجها، تعاني التهجير، وتقلق على أفراد أسرتها. ملفينا تتزوّج بأحمد الفلسطيني المسلم، وتعاني مضاعفات الزواج المختلط. لبنى تعيش غربتها في لندن، وتشهد موت زوجها واعتقال ابنها بتهمة السرقة. كاميليا ترتبط بإسبر، الخيّاط العجوز، وتعيش متنقّلة بين أولادها في الخارج، وتنصرف الى حياتها الخاصة. جولييت صغيرة الأسرة تتزوّج خطأً بعيد المجنون، وتعيش بعد طلاقها وحيدة، تفكّر بأفراد الأسرة وتحمل همومهم، وتحرص على حكاية حكاياتهم لصديقتها زاد، على أن تقوم بتدوينها ذات يوم. ويمكن إضافة الزوجات والأزواج والأصدقاء الى هذا الجيل.
الجيل الثالث يمثّله الأحفاد وقد طاردتهم اللعنة بدورهم؛ فينتهي زواج ابنتي حبيب بالطلاق، وتُشلّ ابنته الثالثة نور بعد محاولة زوجها قتلها. ويُسجن ابن لبنى الياس في لندن بتهمة السرقة. ويختفي شادي ابن ملفينا، ويُقتل وديع، ويهاجر كمال. وتهاجر ياسمينة ابنة جولييت مع أسرتها. وتخسر جانيت ابنة سعاد زوجها. ويتفرّق أبناء كاميليا بين كندا وفرنسا... وهكذا، يصيب التفكّك الأسرة الكبيرة، فيتوزّع أفرادها على الموت، والهجرة، والاعتقال، الى ما هنالك من مصائر قاتمة.
ترسم ماري القصيفي المسارات المتقاطعة، المتوازية، المتعاكسة، التي قادت الى هذه المصائر في روايتها، من خلال حكاية رئيسيّة هي حكاية وردة/روز بفصليها الفرنسي والعربي، والحكايات الفرعيّة المرتبطة بها، المتفرّعة عنها، والمواكبة لها. وهي تفعل ذلك، من خلال إطار خارجي تروي فيه الحكاية الرئيسيّة والحكايات الفرعيّة، هو إطار العلاقة بين زاد وجولييت البنت الصغرى في الأسرة؛ فجولييت المتبقّية من أسرة تكاثر أفرادها وتشتّتوا وماتوا تحرص على حكاية حكاياتهم لزاد صديقتها طالبة منها تدوينها في رواية، وتروح تغيّر في الحكايات، فتضيف اليها أو تحذف منها، وتتغيّر حكاية كل فرد مع موته. وزاد تدوّن في دفاترها وتنتظر أن تنتهي جولييت من الحكي شرطاً للبدء بالكتابة. وهكذا، وفي إطار المعادلة التي تقوم على الحكي والتذكّر من جهة جولييت، والإصغاء والسؤال والتدوين فالكتابة من قبل زاد، يتمّ سرد الأحداث، واسترجاع الذكريات، في الرواية، بواسطة الراوي العليم الذي يتحكّم بقوانين اللعبة السردية، ويمارس الاختيار والحذف والتقديم والتأخير والتكرار والتداخل تبعاً لمقتضى اللعبة الفنية. أمّا الرواة/الشخصيات ويبلغ عددهم خمسة وثلاثين راوياً/شخصية فإنّ ما جرى سرده بأصواتهم لا يندرج في إطار العلاقة بين زاد وجولييت التي شكّلت إطاراً خارجيّاً للسرد.
تشكّل شخصية وردة/روز الشخصية المحورية في الرواية، وتُعتبر حكايتها بفرعيها الفرنسي والعربي العمود الفقري فيها. على أن في الرواية محطّات معيّنة، في بدايتها، ووسطها، وآخرها، تُعتبر نقاط تحوّل في مسار الأحداث كان لها ما بعدها من نتائج ومضاعفات.
_ في بداية الرواية، تعتبر موافقة وردة على تغيير اسمها إلى روز نزولاً عند رغبة الكولونيل الفرنسي، وبتشجيع من أمها، نقطة انطلاق في مسار الأحداث كانت لها نتائجها المترتبة عليها بحيث هربت معه، وأمّنت له ليالي حميمة، حتى إذا ما اكتشفت أنه متزوّج وسيعود إلى بلده أدركت أن نهاية غير سعيدة بانتظارها. وبالفعل، تركها لمصيرها ولضباطه تنتقل بينهم. لكنها سرعان ما أدركت أهمية أن تكون مستقلة وصاحبة قرار، فتقلّبت بين الوظائف حتى كان لها ما أرادت، وعادت الى قريتها قوية، الجميع بحاجة إلى دعمها المالي والمعنوي.
_ في وسط الرواية، يشكّل اللقاء بين روز وناجي في السفارة الأميركية نقطة تحوّل أخرى في مسار الأحداث تمخّضت عنها قصة حب عاصف، خارج إطار المؤسّسة الزوجية، اتخذت من فتحهما مطعماً راقياً مشتركاً ستاراً للاستمرار عشرين عاماً؛ هو يريدها حبيبة بعد أن حفظ لزوجته دور ربّة المنزل وأمّ الأولاد، وهي تريده حبيباً يعوّضها عن إخفاقها السابق ويؤمّنها على مستقبلها متفهّمةً وضعه كزوج وأب.
_ في نهاية الرواية، يأتي اللقاء الأخير بين روز وناجي الذي تخلّله سوء فهم من قِبلِها ليرسم نهاية درامية لقصة الحب، فيغمى عليها إثر سجال بينهما، وتشرب الديمول خطأً لتمضي العشرين يوماً المتبقّية لها في المستشفى، ولتموت بين يدي ناجي الذي أخبرها أنه لم يخنها مع زوجته كما ظنّت، بل إن جسده هو الذي خانه مع مرض السرطان.
هذه الحكاية العاصفة التي تتخطّى الأعراف والمؤسّسات وراحت زاد تجمع خيوطها كان يمكن أن تتجدّد بين زاد وسامي ابن ناجي خلال عملهما معاً في جمع خيوط الحكاية، غير أن رفض زاد السفر، وإيثارها البقاء في وطنها والتمتّع بجمال عتمته ونجومه الشاحبة والانكباب على قراءة كتبه حالت دون تحقيق تلك الإمكانية. لعل الكاتبة أرادت القول، من خلال موقف زاد في نهاية الرواية، أن البقاء في الوطن أهم من علاقة حب عاصف خارجه.
لكل شخصية في الرواية حكايتها على هامش الحكاية الرئيسيّة، وبالتعالق معها، تطول أو تقصر، غير أن ما يجمع بين معظم الحكايات أنها تؤول إلى نهايات حزينة كما الحكاية الرئيسيّة. وتختلف المسؤوليّة عن هذه النهايات باختلاف الشخصيّات، فالجدّة نجلا ترى أن الحقّ على فرنسا، والبنات يرين أن الحقّ على الجدة، والبعض يرى أن الحقّ على بريطانيا، والبعض الآخر يرى أن الحقّ على الحرب، غير أن ممّا لا شكّ فيه أن قسطاً من الحقّ يقع على كل شخصية في النهاية التي آلت إليها.
أسرة نجلا المتشعّبة، المتفرّعة، المفكّكة، المشتّتة، الخاضعة للمداخلات المحليّة، والإقليمية، والخارجية هي صورة مصغّرة عن الاجتماع اللبناني بتفكّكه، وتنوّعه، وتوزّعه على المناطق والطوائف، وخضوعه للتجاذبات الإقليمية والخارجية. ولعل ماري القصيفي استطاعت، من خلال هذه الأسرة، أن تضع الإصبع على كثير من المشكلات التي يعاني هذا الاجتماع.
في الخطاب الروائي، تستخدم القصيفي بنية روائيّة مفكّكة للتعبير عن بنية اجتماعيّة مفكّكة، والتفكّك هنا ليس قيمة سلبية تغضّ من قدر الرواية وروائيّتها، ويتمثّل باستخدام تقنية تعدّد الرواة، وتكسّر الزمن الروائي. فالوحدات السردية الواحدة والتسعون التي تشكّل الرواية تنقسم مناصفةً تقريباً بين الراوي العليم الذي يروي أربعين وحدة سردية، والرواة الخمسة والثلاثين من الشخصيات الذين يروون إحدى وأربعين وحدة سردية أي ما عدده 1.17 للشخصية الواحدة. وهكذا، تزاوج الكاتبة بين منظورين سرديين اثنين؛ أحادي، تتمظهر فيه دكتاتورية الراوي العليم، تتوارى خلفه الروائية، ويربط الوحدات السردية المختلفة، المتعاقبة، بعضها الى بعض، ومنظور ديمقراطي، يعكس تعدّد الأصوات الراوية، فتعبّر كل شخصية عن وجهة نظرها المتكاملة مع أو المفارقة لوجهة نظر الراوي العليم. وقد غالت الكاتبة في استخدام هذه التقنية، فأسندت مهمة الروي لبعض الشخصيات الهامشية، الضحلة الحضور، الأمر الذي لم يضف شيئاً ذا بال الى النص، بل على العكس أثقل كاهله بزوائد يفضّل التخفّف منها.
في توزّع الوحدات على النص، عمدت الكاتبة الى ترقيم الوحدات المسندة الى الراوي العليم، وذيّلت كلاًّ منها بوحدة مسندة الى إحدى الشخصيات تُروى بصيغة المتكلّم ومطبوعة بحرف أسود، فخصّت الراوي العليم بالكمّ، وخصّت الرواة/ الشخصيات بالنوع، ونسجت علاقة جدليّة بين الوحدات المتجاورة، على مستوى الرواة، وصيغة الروي، والشكل، والإخراج. على أن الوحدات المنسوبة الى الراوي العليم لا تقدّم الأحداث بحسب حدوثها، ولا تحترم خطّيّة الزمن، وتعكس تقنيات الاختيار والحذف والتقديم والتأخير، وتترك للقاريء هامش تركيب القطع المختلفة في بازل الحكاية. وبذلك، تُظهر القصيفي قدرتها على إخراج الحكاية في الخطاب المناسب، وتُبدي كفاءة عالية في نسج البنية الروائية المناسبة للعالم المرجعي الذي تحيل إليه، ومن يقرأ الرواية يتساءل: هل "كل الحق ع فرنسا" هي رواية القصيفي الأولى فعلاً؟

الأربعاء، 18 يناير، 2017

الفصل الحادي والعشرون من كتابي "لأنّك أحيانًا لا تكون" - 2004

أخبار متفرّقة

الفصل الحادي والعشرون من كتابي "لأنّك أحيانًا لا تكون"
الصفحات 60 و61 و62



1- قال الرجل العجوز لزوجته:
أتمنّى أن أموت قبلك كي لا أتعرّض للإذلال
فأولادنا لا يجيدون خدمتي كما تخدمينني
ولا يجيبون عن أسئلتي بصبر وأناة كما تفعلين!
فأجابت الزوجة في جديّة واضحة:
وأنا أيضًا أتمنّى أن تموت قبلي، 
لأنّني أرغب في أن أعيش قليلًا
من دون أن أخدم أحدًا أو أصبر على أحد.


2- على اللبنانيّين الفقراء أن يتجوّلوا في المتاجر الكبيرة والمحلّات الفخمة
كما يفعل السيّاح في القلاع الكبيرة والقصور الفخمة:
"يتفرّجون" بفرح ومتعة ويشاهدون ما ابتكرته مخيلة البشر وما صنعته أيديهم
ويمجّدون الخالق وهم يستمتعون بالجمال والإبداع
ثمّ يذهبون شاكرين السماء التي أتاحت لهم القيام بهذه الزيارة "اللي من العمر"
وهل يرغب السائح في شراء قلعة أو قصر؟
أرجو ألّا يقرّر التجّار الآن فرض رسم دخول 
فلا تبقى "الفرجة ببلاش"...


3- لاحظوا علامات الرعب على وجه من يضيّع بطاقة ائتمان مصرفيّة، 
أو دفتر ملكيّة السيّارة،
أو تُسرق منه بطاقة الهويّة.
يبدو الأمر كأنّ هذا الشخص خسر نفسه وكلَّ ما يملك
فضلًا عن كونه مضطرًّا إلى تعريض كرامته للإهانة
لأنّ عليه أن يواجه الدوائر الرسميّة من جديد...
فهنيئًا للنسّاك وللأغنياء!
الأوّلون لا يملكون شيئًا
والآخِرون يملكون من يقوم عنهم بكلّ شيء...


4- الله يراقبنا 
الدولة تراقبنا
الكاميرا تراقبنا
الأقمار الصناعيّة تراقبنا
العدوّ يراقبنا
الصديق يراقبنا
المجتمع يراقبنا
الجارة تراقبنا...
ومع ذلك فما زالت كلمة "خصوصيّة" موجودة في القاموس.


5- النساء اللواتي يُظهرن في كلّ مكان
عريَ صدورهنّ وخصورهنّ وبطونهنّ
يطمئنّ العدوّ الإسرائيليّ 
إلى أنّهنّ غير مدجّجات بالسلاح...


6- يتّفق الرجال على أنّ النساء يفقدن الكثير من أنوثتهنّ
متى أصبحت الملابس الرياضيّة لباسهنّ المفضّل.
ومع ذلك فهم يدعونهنّ إلى التحلّي بالروح الرياضيّة
عندما يقطعون علاقة حبّ دامت سنين
أو حين يسرقون منهنّ الوظائف
أو حين ترفض النساء تحرّشهم الجنسيّ...


7- أنا صديقتك المفضّلة
لا لأنّني أنفّذ كلّ ما تطلبه منّي
بل لأنّني لا أطلب منك شيئًا...


8- أنْ تعرف أنّك محور حياة شخص واحد
خيرٌ ألف مرّة من أن يخيّل إليك أنّك محور الكون


9- مأساتي أنّني التقيت بك 
حين أصبحتُ أكثر حكمة وأقلّ جمالًا


10- قالت ورقة الشجرة الرقيقة للسنديانة الجبّارة:
عندما تنتهي رحلتي القصيرة عند جذورك
أشعر بسكينة الوصول لا برهبة السقوط
وبمتعة الانصهار لا بحتميّة الاضمحلال
وبطمأنينة الأفياء لا ببرد التراب...


11- أكتب لأخبرك عنّي
تقرأ لتبحث عنك


12- يصيبني حزن عميق
عندما يخيّل إلى كثيرين 
أنّني أكتب عنهم
حين أكتب عنك...
وأنا التي ظننتُ أنْ لا مثيل لك


13- أعدْ إليّ العاطفةَ التي سكبتها طِيْبًا على قدمَيك
قبل أن تدوسَها أقدامُ أتباعِك!

الثلاثاء، 17 يناير، 2017

فاتن حمامه! لا بأس إن نجوتِ من جحيمنا (2015)



     يجب أن يموتوا... وإن لم يفعلوا فعلينا أن نقتلهم... فجمالهم لا يلائم قبحنا، وصدقهم لا يناسب أقنعتنا، ورقيّهم لا يليق به الدرك الذي وصلنا إليه.

     ليس الأمر حنينًا شاعريًّا إلى زمن مضى، ولا وقوفًا على أطلال أمجاد عبرت، بل هو لحظة مصارحة مع الذات، تستعاد مع رحيل كبار نبدو صغارًا أمامهم، صغارًا لأنّنا لم نتعلّم منهم الصبر والتأنّي والاجتهاد واحترام الآخر والعمل والوقت.
     رحيل فاتن حمامة، بعد رحيل رعيل كبير من الفنّانين والمبدعين هو أكثر الأمور طبيعيّة في هذا الزمن الشاذّ، فلا هي تشبه بشاعة ما صارت الحياة عليه، ولا داعيَ بعد الآن لابتسامتها البريئة في زمن القتل والعهر والذبح والتحريم... وليتوقّف المترحّمون عن الدعاء لها بالغفران، فإن كان فنّها لن يشفع بها، فلن تشفع لها دعوات من لا يملك قبسًا من نور ضحكتها، أو نسمة من لطف روحها.

     يجب أن يموتوا... من بقي بعد؟ فليموتوا ولنعرف أنّنا صرنا في جحيم حقيقيّ، ولنكفّ عن هذا التفاؤل الساذج، والحلم الغبيّ، والانتظار العقيم. فلن يكون الآتي أفضل مهما كثرت برامج نبش المواهب وإطلاق النجوم والتنقيب عن الفنّانين... ولن ينضحَ إناء بغير الفساد الذي فيه... 

     الصوت الجميل سيجد تاجرًا... والرقص الجميل سيجد قوّادًا... والعزف الجميل سيجد قاتلًا... والشاعر الجميل سيجدون له فتوى تحلّل قتله...

     لم يكونوا قدّيسين وأولياء صالحين، لم يعطوا دروسًا في العفّة ويلقوا عظات عن الشرف، لكنّهم كانوا شغوفين بالفنّ... مجانين يبحثون عن الفردوس المفقود فيجدونه في النغمة والصوت والكلمة وعين الكاميرا وحركة الجسد... مهووسين بالرغبة في خلق عالم يطرح أسئلة ولا يدّعي معرفة الأجوبة... مسكونين بحلم الخلق... مؤمنين بأنّهم أنصاف آلهة يرى الواحد منهم في الآخر صنوه ومتمّمه ونصفه الثاني لتكتمل الألوهة في الفنّ الذي لا خلاص للعالم من دونه...

     لم يخطر لي يومًا وأنا أمام إبداعات فنّاني مصر ولبنان وسوريا والعراق وفلسطين أنّ هؤلاء الأشخاص ينتمون إلى دين وطائفة ومذهب وبلد... لم تكن صباح مسيحيّة ولم يكن فريد الأطرش درزيًّا ولم تكن فاتن حمامة مسلمة... لم يكن شوشو سنيًّا وعاصي الرحباني أرثوذكسيًّا وبرج فازيليان أرمنيًّا ووديع الصافي كاثوليكيًّا وزين شعيب شيعيًّا، لم تكن هند رستم مصريّة ومنى واصف سوريّة وهند أبي اللمع لبنانيّة، لم يكن بدر شاكر السيّاب عراقيًّا ومحمود درويش فلسطينيًّا ومحمد الماغوط سوريًّا...
     كان الفنّ وطنهم ودينهم ومذهبهم وإمامهم وشيخهم وقدّيسهم... وكنّا أمامهم نخشع ونصغي ونتغيّر ونحلّق... 
     لكنّهم تعبوا من اجتراح معجزات الخلق وتعبنا من الحلم، فليرحلوا وليتركونا بلا أحلام وآمال... فاليأس لا يتطلّب جهدًا، والقعر آمن لا يقع أحد منه.

     فاتن حمامة... أيّتها الفاتنة البيضاء... موسم السلام لمّا يأتِ بعد... فاذهبي إلى حيث لا رصاص ولا مدافع ولا أطفال يموتون، واطلبي من الله أن يغفر لمن لم ير منّا أنّ الفنّ صورة السماء ومثالها. ولا بأس أن تموتي... لا بأس أن ترحلي... لا بأس إن نجوتِ من جحيمنا بعدما جحدنا بفضل نعيمك الإبداعيّ!   

الأحد، 15 يناير، 2017

الأحد صباحًا: أنا وفيروز



الأحد صباحًا
فيروز تغّني: بحبّك ما بعرف هنّ قالولي
وأنا راغبة في كتابة مقالة نقديّة غاضبة:
...
 مصابة أنا ...بالمجتمع


***

الأحد صباحًا:
فيروز تغني: يا مهيرة العلالي فرسانك ناطرين
وأنا راغبة في من يخفّف ثورتي
...
 مصابة أنا...باليأس من المجتمع


***

الأحد صباحًا:
فيروز تغنّي على مهلك يابا على مهلك قدّامك عيد
وأنا راغبة في أن يمرّ

الوقت 
...
 مصابة أنا...بانعدام الدهشة

السبت، 14 يناير، 2017

عن روايتي "كلّ الحقّ ع فرنسا" بقلم الروائيّة السوريّة مها حسن

الروائيّة مها حسن


لقراءة المقال الرجاء الضغط على الرابط



الروائية ماري القصيفي وأجواء ماركيز   17/06/2012
مها حسن-باريس

لا تبدو ماري القصيفي معنية كثيراً ببناء عملها الروائي "كل الحق عَ فرنسا" أكثر مما هي مصابة بهاجس الحكاية، إذ يحتشد في روايتها عدد هائل من الشخصيات يذكّرنا بأجواء غارسيا ماركيز وأبطاله الكُثر، كما في "مائة عام من العزلة".
فنجلاء في "كل الحق عَ فرنسا" لا تقل غرابة وتنوعا عن "خوسيه بونديا" بطل غابرييل غاسيا ماركيز، لكن رواية ماري الصادرة عن دار سائر المشرق (2011) تنتمي إلى التيار الواقعي دون أن تحيد عنه قيد أنملة.
"
ضمن مستويات القص، نلاحظ منذ البداية أن القصيفي تسلّم مفاتيح السرد لزاد، ولكنها تكتبها بلغة الغائب، مما يعني حضور الراوية المتخفّي خلف زاد
"
أجواء ماركيز
بطلة الرواية -التي هربت ابنتها وردة مع الكولونيل الفرنسي- حالمة بمجد مالي للعائلة، وفي نفس الوقت مسهّلة أمور ابنها حبيب الذي يسهّل له الكولونيل الخروج من السجن بفضل علاقاته، هي أصل الحكاية، ومرادف أورسولا الماركيزية تقريبا.
تكرر نجلاء -التي ولدت سنة 1915 وماتت في الثمانينيات من القرن الماضي وقت الاجتياح الإسرائيلي للبنان- لازمتها "كل الحق عَ فرنسا". فرنسا المتمثّلة بالعقيد الذي غرر بابنتها وأخذها إلى بيروت، لكنه كان متزوجا في فرنسا فلم يتزوج من وردة التي أصبحت "روز"، بل تركها وحدها تودّعه على المرفأ.
الزمن الروائي يبدأ من سنة ولادة نجلاء، وينتهي عام 2010، أي 105 سنوات، الأمر الذي يجعلنا نربط بين رواية القصيفي وغارسيا ماركيز، إضافة لكثرة الشخصيات التي تفوّت على القارئ الكثير من التفاصيل حولها ويصعب عليه تذكّر درجات قرابتها مع الشخصيات الرئيسية "نجلاء وبناتها وابنيها، وزاد الراوية".
ضمن مستويات القص نلاحظ  منذ البداية أن القصيفي تسلّم مفاتيح السرد لزاد، ولكنها تكتبها بلغة الغائب، مما يعني حضور الراوية المتخفّي خلف زاد التي تتعرّض لصدمة تكاد تعيد كتابة الرواية بعد ثلاثمائة صفحة من التنقيب والبحث عن حقيقة ما جرى بين "روز" أو وردة و"ناجي"، في الليلة التي شربت فيها روز الديمول، وماتت بعد عشرين يوما من العذاب في المستشفى.
لكن الراوية سرعان ما تنحاز إلى الحكاية وتدخلها كشريك في الأحداث، حيث الحكاية تجري على لسان زاد التي تعرّفت على جولييت وروت لها قصة العائلة، فراحت زاد تدوّنها بحيادية، لكنها تنجرف في الحكاية لاحقا، وتعيش قصة حب مع أحد أبطال الحكاية، وتلوم نفسها لأنها انزلقت لتصير طرفا في الحكاية "مع أنها عاهدت نفسها على عدم التدخل فيها والاكتفاء بسرد القصص كما وقعت، ثم تنتبه إلى أن جولييت جرّتها إلى ذلك بسبب حكاياتها المتناقضة".
"
يمكن التحدث مطولا عن الاستعمار والهويات المأزومة حيث تذكرنا شخصية كمال مثلا -الفلسطيني الأب واللبناني الأم- في مقتطف من مناجاته بالهويات القاتلة لأمين معلوف
"
الهوية والاستعمار
لم تكتف زاد بسرد الحكاية على ألسن جميع أبطال الرواية تقريبا، حيث قسمت فصول الرواية بين ما تقصه -باعتبارها الراوية- وبين جميع أشخاص الرواية الذين أفردت لكل منهم فصلا حمل اسمه، إلا أن زاد وجدت نفسها تلج الحكاية أثناء تنقيبها عن الصيغة الحقيقية لما حدث بعد أن دخلت المطعم الذي كانت روز تلتقي فيه مع ناجي، وسمعت الموسيقى والتقت بسامي -ابن ناجي- واستغرقت في سياق واقعي جديد تداخل مع السياق الروائي. وهو تكنيك يُحسب لماري القصيفي التي اختبأت خلف زاد طوال الرواية، ثم دفعتها لتمارس المزيد من الدهاء الفني لتجعلها تحيا إحدى علاقات الرواية المتشابكة.
يمكن التحدث مطولا عن الاستعمار والهويات المأزومة، حيث تذكرنا شخصية كمال مثلا -الفلسطيني الأب واللبناني الأم- في مقتطف من مناجاته بالهويات القاتلة لأمين معلوف، فيحلينا إلى القول بتقاطع المسؤوليات، وتعدد المسؤولين عما حدث، إذ يقول في الصفحة 123 "تضع جدتي اللبنانية المارونية الحق على فرنسا. وجدتي الفلسطينية تلقي اللوم على بريطانيا وعلى اليهود وعلى العرب. وأنا فلسطيني لبناني ولا أعرف فلسطين ولا أعرف نصف لبنان".
وفي هذا السياق تعجّ الرواية بتفاصيل الأسى والخراب والشقاء، ولا نجد للفرح مكانا لدى العائلة المنكوبة المبتلية بمصائر درامية، حيث المرض النفسي والانتحار والموت في الغربة والقتل، والفشل العاطفي والطلاق.. فهل لهذا الشقاء علاقة بالاستعمار، أو بأجواء الحرب الأهلية، أم إنه قدر العائلة الشخصي.
رواية "كل الحق عَ فرنسا" تطرح التساؤلات عن نبوءة داخلها، إذ إن أجواء الحرب و"الهويات القاتلة" وتداخل العلاقات بين الأديان والطوائف، يعدّ نبوءة روائية للمشهد المتكرر الذي يقع حاليا في المنطقة بوجهه الدموي والعنيف.

المصدر: الجزيرة 

الجمعة، 6 يناير، 2017

عن رحيل عمّي سعد أهضم زلمه (6 كانون الثاني 2017)



أكاد أجزم بأنّ الأديب فؤاد كنعان كان يقصد عمّي سعد بقوله: يا صبيّ يا أزعر يا لذيذ. هكذا كان عمّي الذي رحل ليلة عيد الغطاس، وهكذا بقي حتّى وهو في غيبوبة المرض. إذ كان حين يصحو يوحي، لمن حول سريره، بأنّه لا يزال ذلك الشاب الجامح يخوض مغامرة جديدة، في إحدى الرحلات التي كان يقوم بها بحكم عمله قبل الحرب سائقًا في شركات سياحيّة.
حين وصل اليوم جثمان عمّي سعد من المستشفى إلى الكنيسة، وبعدما استقبلته دموع زوجته وأولاده وشقيقته وأشقائه وأحفاده، وبعدما ودّعته العائلة وتركته بحسب التقاليد الجديدة لينتقل الجميع إلى الصالون، حيث توافد المعزّون، تقصّدتُ أن أبقى معه في كنيسةٍ تبثّ موسيقى دينيّة هادئة أجزم بأنّه لم يصغِ إليها يومًا، ولا أعتقد أنّه في تلك الساعات الباردة التي تفصله عن صلاة الجنازة شعر بأنّه كان سيحبّها لو استمع إليها.
كنّا شبه وحيدين، كنّا شبه صامتين، كنّا شبه مستغربين المكان الذي نوجد فيه. فلا هو من الذين يحتملون البقاء في مكان واحد لأكثر من بضع دقائق، ولا أنا من الذين يبقون مع الميت كي يرفعوا الصلاة لراحة نفسه. ولكن كلانا يحبّ "الحكي"، صحيح أنّه لا يعرف كيف يتكلّم بصوت منخفض، وصحيح أنّني لا أحبّ الصوت المرتفع، لكن حوارنا في ذلك الوقت، لم يكن فيه صوت، وبالتالي، لم يكن ثمّة داعٍ كي أقول له: يا عمّي لشو هالصريخ؟؟؟ ولا هو كان قادرًا على معاندتي كما كان يفعل كلّ مرّة، فيرفع وتيرة النبرة أكثر فأكثر.
كان عمّي سعد صوتًا صارخًا! في البريّة وفي الصحراء وفي المدينة وفي البيت وعلى الطريق! يرسل صوته أمامه ليعدّ له الطريق، وليطرق عنه الباب، منبّهًا الجميع إلى أنّ عاصفةً من الحكي والأخبار والنكات والمشاكسات تصل بعد قليل لتقضّ سكينة المكان. ومع ذلك فها هو الآن صامت هادئ يكلّمني بنبرة لطيفة طالبًا منّي أن ألتحق بالآخرين لآكل شيئًا، لأشرب فنجان قهوة، كوب ماء... غير أنّي كنت راغبة في تمضية الساعات الأخيرة من وجود جسده خارج عتمة القبر، للاستمتاع بجدال جديد معه، حول كلّ شيء، وحول لا شيء.
كنت على عادتي في الامتناع عن زيارة المرضى في المستشفيات، لا أريد أن أراه ممدّدًا معانيًا مقيّدًا بخراطيم تمدّه بوهم حياة. كنت أعرف أنّني سأرى موته الأكيد لو زرته في المستشفى، في حين أنّني الآن، وهو مسجّى في تابوته البنيّ، أراه حيًّا عنيدًا صاخبًا يريد أن يفرض قوانينه وشروطه:
-       لا أريد أن يكذب الكاهن على الناس فيجعلني قدّيسًا!
-       لا أريد أن يجلس الرسميّون في الصفوف الأماميّة مبعدين إخوتي وولدي عنّي!
-       أريد أن أغلب عنتر للمرّة الأخيرة!
-       أريد جورجيت، أين هي زوجتي؟
-       أريد إبني ميشال، لماذا لم يأتِ من السفر؟
يا عمّي! أنت ميّت لماذا لا تقتنع؟ أقول له. سيقول الكاهن ما ينتظر الناس أن يقال في مناسبة كهذه، سيحتلّ ممثّلو القيادات والقادة الصفوف الأماميّة ولن يأبهوا لإخوتك العجزة الذين حضنوك حيًّا وميتًا، وعنتر غلبك هذه المرّة ولن تستطيع بعصاك أن تخضعه ليركع أمامك، وزوجتك تتقبّل التعازي في الصالون، وميشال لم يستطع الحضور... لكنّ "ميلاد" هنا يقوم بالواجب كما فعل دائمًا. فكفّ عن إصدار الأوامر وارتح.
حين لم يجب عمّي، ظننت أنّه بالفعل مات. أو أنّ هذا الرجل الثمانيني العنيد مات مرّة ثانية. لكنّه عاد ليفاجئني بحزم وهو يقول: ما بدّي كون قدّيس، أنا زلمي منيح بس مش قدّيس. عشت حياتي وسافرت ورحت وجيت بس ما إذيت حدا... بتحدّى حدا يجي ويقول إني إذيتو. يمكن ما إذيت غير حالي، يمكن ما كنت منتبه ع كتير إشيا، بس كلّو كان عن غير قصد.
-       لكن يا عمّي في هذا أيضًا نوع من القداسة! على الأقلّ أنت لا تكذب على نفسك أو على أحد، ولا تحقد على أحد، ولست خبيثًا!
***
كان عمّي سعد مسكونًا بشياطين المتعة على أنواعها، متعة السفر، متعة الترحال، متعة البحث عن الجمال، متعة تبذير المال، متعة التدخين، متعة الشيطنة المختبئة في قلب طفل، ومتعة المراهقة المتشبّثة بعقل رجل صار زوجًا ووالدًا وجدًّا ولم ينتبه... لم ينتبه إلّا حين فاجأته أمراض الشيخوخة فاكتشف أنّ العمر قد مضى وأنّ جسده ما عاد قادرًا على مواكبة توثّب نفسه التائقة دومًا إلى السفر، إلى الخروج من بين جدران البيت، إلى الخروج من شرنقة الذات.
من أجل اقتناء سيّارة، زمن كان الناس في بلدتنا يتنقّلون على الدواب، ضحّى عمّي سعد بالكثير! فحلم الانطلاق في مغامرة الطريق كان بالنسبة إليه أقوى من أيّ قيد ماديّ أو واجب عائليّ، ونداء الليل كان يمنع عنه هناءة النوم، والتوق إلى قيادة سيّارة نحو مكان، أيّ مكان، قادر على إخراجه من سرير الأمان ليرمي بنفسه في مجاهل المغامرة.
عاش عمّي سعد في غربة المكان ولو كان بين أهله وأحبابه، وفي غربة الزمان كأنّه ولد في الزمن غير المناسب، لكأنّه البوهيميّ بين رهبان دير، أو الشاعر المجنون بين مجموعة علماء عاقلين. واليوم، حين ودّعته قبل أن تبدأ مراسيم الجنازة بالشكل الذي توقّعه عمّي، اكتشفت أنّ هذا الصبيّ الأزعر اللذيذ يملك قدرة غريبة على رسم ابتسامات مختلفة الأحجام والأشكال على وجوه المعزّين، لأنّ عارفيه عن كثب يدركون وبكلّ بساطة أنّ فيه، ككلّ واحد منّا، صفات سيّئة كثيرة، لكنّه على الأقلّ، وبالتأكيد، أهضم زلمة عرفته العائلة.




الأربعاء، 4 يناير، 2017

التشرذم اللبنانيّ بلغّة الوجع

Schizophrenia

Ester Guory

بس ننوجع منحكي باللغة يللي منحكي فيا بأحلامنا وصلاتنا ومنصرخ فيا وجعنا. وما بعتقد بعزّ دين الحرب اللبنانيّة كان في وجع قدّ هالمرحلة برغم كلّ قسوة الحرب وبرغم كلّ المحاولات اليوم لإشاعة الأمل وتوزيع سناريوهات الخلاص من الأزمة، كرمال هيك عم بكتب باللبناني عن الوجع اللبنانيّ...
نحنا اليوم كتير مشرذمين ومقسومين ومقسّمين ومش طايقين بعضنا. وما بقا نضحك ع حالنا وع غيرنا. والانقسامات يللي بيناتنا اليوم بتمسّ الحضارة والهويّة واللغة والعادات والأكل والشرب والموسيقى والفنون كلّا. هالحكي ما بيعني إنّو في حدا أحسن من حدا، ولكن صار في حدا مختلف عن حدا، يمكن سابقو، يمكن متخلّف عنّو، ولكن ع الأكيد مش حدّو.
مرّة كتبت إنّو بغاء الطائفيّين سببو غباء العلمانيّين، وبعدني مقتنعة إنّو الخلاص يللي كان مرتبط بدولة علمانيّة عم يبعد يوم بعد يوم، والكيان الصهيونيّ يللي اعتبرناه وبعدنا منعتبرو مغتصب وحقود وعنصريّ صرنا متلو، عم نغتصب مناطق وشوارع وتلفزيونات وعقول، وعم نحقد ع بعض ومنرفض الآخر يللي ما بيشبهنا، ومنختلف ع صفات الله وتحديد الشهدا ونوع اللبس والشرب...
يعني الله ما عاد هوّي زاتو بين المسلمين أنفسن، ولا بينن وبين المسيحيين، والعدرا يللي وارد ذكرا بالقرآن ما عرفت الألم ولا مات إبنا ع الصليب، والشهيد إذا كان بس هوّي يللي بيموت كرمال الله (أيّا الله؟؟؟) ما بيظبط نعملّو ذكرى ب 6 أيّار، وهالشي بيعني إنّو ما في شهدا بالحرب الأولى، ولا في شهدا صحافة، ولا في شهدا جنود بالجيش، وإذا مطلوب المسيحيّ يحترم حجاب المسلمة (يللي في خلاف حولو بين المسلمين أنفسن) ومش مسموح للمسلم يحترم خيار المسيحيّة إنّو تلبس شورت (والعكس صحيح)، وإذا الخمر بالعقيدة المسيحيّة عنصر من عناصر الذبيحة الإلهيّة هوّي خطيئة عند المسلمين، وإذا فيروز ما بينحطّوا أغانيها ع المنار لأنّو الموسيقى ضدّ الدين، هالشي بيعني إنّو كلّ تاريخنا الحضاريّ مليان خطايا، يعني شوشو ونصري شمس الدين وتوفيق الباشا وشعرا الزجل وصولا إلى أم كلثوم وعبد الحليم وعبد الوهاب وكل يللي اشتغلوا بالسينما اللبنانيّة والمصريّة والسورية، وبالمسرح، وبكلّ أنواع الفنون، هنّي بجهنّم اليوم، وهالشي عم يخلّي جهنم تصير كتير حلوة.
لمّا تعيّنتْ وزيرة محجّبة، كتار انتقدوا وقالوا هيدي مش صورة لبنان، ويللي دافعوا قالوا احكموا ع شغلها مش ع حجابها. وهالشي صحيح. ولكن كمان بيعني إنّو ما نحكم ع شكل بنت من لباسها المتحرّر وننطر ت نشوف شغلا. هيدا مش شرخ وإنقسام؟؟؟
ولمّا غطّت وسائل الإعلام مبارح الأخبار عن شهدا اسطنبول كتار اعتبروا هالشي مبالغة غير مبرّرة، ونسيوا إنّو هيدا الإعلام زاتو غطّى كتير مآتم ومآسي صارت بلبنان لدرجة كنّا كلّنا نقول إنو صار الإعلام وراق نعي. وشو يعني يكون في شي إسمو شهداءنا وشهداؤن؟؟؟
حتّى الأشخاص يللي بيتابعوا كتاباتي بيعبّروا عن هالشرخ الفاضح: وقت يللي بكتب عن أطفال سوريا واليمن وغزّة وليبيا بتكتر طلبات الصداقة من مسلمين أو يساريّين "محسوبين ع المسلمين"، ووقت يللي بكتب متل مبارح عن شهدا اسطنبول بيكتروا طلبات الصداقة من مسيحيّين ما بحياتن سامعين بإسمي أو بيعرفوا شي عنّي. هيدا شو إسمو؟؟؟ وأنا شو بطلع بالآخر، ومع مين، وضدّ مين؟؟
كتار من قرايبيني عم يتزوّجوا مسلمات، ولكن ما بيقبلوا خيّاتن ياخدوا مسلمين، وبس نسأل عن شي وحدة من العروسات، بيكون الجواب: هيي مش من هوديك الإسلام، هيدي مرتّبة ومعلّمة وبتلبس متلنا، ورح تتعمّد كمان. إيه بعز دين الحرب ما كان في لا هيك زيجات مش معروف شو دينها، ولا هيك حكي مش معروف شو جنسو...
صرنا بكلّ شي شعب الـ outlet، وما بدنا حدا يعرف منين منجيب غراضنا، وبس نلتقي بحدا منعرفو منعصّب ومنخجل ومنقول عم نشتري تياب للبنت يللي عنّا (يعني العاملة الأجنبيّة). نفس الشي عم يصير مع أفكارنا المستوردة بالجملة من مخلّفات أسواق العالم، وبعدنا شايفين حالنا إنّو مخترعين الحرف، ومش عارفين إنو صرنا عبيد الحرف، وأعداء الكلمة.

***
كلام حبّيتو:

2 hrs · 
لوكان لبنان كل سكانه مسيحية ولا في نسمة مسلمية فيه راح يتقاتلوا المسيحية ويصلبوا بعضهن ..ولوكان كلوا لبنان مسلم من العاقورة للناقورة ولامسيحي فيه من رميش للكورة كمان راح يتدابحوا الإسلام بالسيف والسيوف .. ولوكان لبنان كلوا شيعي أو سني أو درزي حاف كمان راح ينقسموا على بعضهن ويتعاركوا ببعضه ويقلعوا عيون بعضهن ..إفهموها هيدا الشرق ياحبيبي ..ياغبي .. إن صلبت على المسيح أو صليت على النبي ..ماينطبق على لبنان ينطبق على سورية العراق وباقي الأمة العربية والإسلامية والمسيحية ..المذبحة واحدة
 ***

إيلي القصيفي | الأربعاء  04/01/2017

مقالات ذات صلة

عن  موت رضوان حمزه الذي يميتني خوفًا

 

الحريّة أعظم من الثورة (2) (2011)

كيف استفاد العرب من جائزة نوبل؟؟
توكل كرمان: أول امرأة عربية واليمنية الوحيدة التي حصلت على جائزة نوبل.


الثورة لحظة آنية، قصيرة مهما طالت، تريد التعبير عن رغبتها الشديدة في الحريّة، والحريّة لا تقبل الانصياع إلّا إلى رغبتها الشديدة في الانعتاق من رموز الثورة وشعاراتها كي لا تكون أسيرة لها. فالثورة تخنق الحريّة في ما يشبه المعنى الذي يُردّد دائمًا عن أنّ الثورة تأكل أبناءها، لأنّها، أي الثورة، تتحوّل بعد قليل من انطلاقها إلى الهدف المرجو لذاته بعدما كانت الوسيلة لتحقيق هدف.
الثورة مظهر خارجيّ والحريّة شعور داخليّ، والتوفيق بينهما هو الحلم الجميل الذي لا أثق كثيرًا في إمكان تحقّقه واقعًا ما لم يتميّز الحالمون بالحكمة والشجاعة والمحبّة.
كيف يمكن الحديث عن ثورة تهدف إلى الحريّة والثائرون يخلعون قيدًا ليضعوا قيدًا آخر؟
كيف يكون الصحافيّ ثائرًا وهو محكوم براتب آخر الشهر الذي قد يتأخّر أشهرًا ومع ذلك يهاجم الصحافيّ كلّ الناس إلّا صاحب المؤسّسة التي يعمل فيها؟
كيف يكون المعلّم ثائرًا وأحدث قصيدة يعرفها تعود إلى العصر الجاهليّ؟
وكيف يكون المريض ثائرًا وصحته رهينة طبيب يجود عليه بعيّنات مجّانيّة من الأدوية؟
كيف تكون الفتاة ثائرة وهي حين تريد الانقلاب على أهلها تترك الدراسة وتغادر البيت العائليّ وتذهب لتقيم مع صديق يحضر لها طعامها وتحضّر له جسدها؟
كيف يكون الأهل ثائرين وهم مجبرون في غياب ضمان الشيخوخة على الرضوخ لسلطة أولادهم الذين باتوا هم أولياء الأمر والقيّمين على تدبير شؤونهم؟
كيف يكون "المثقّف" ثائرًا وهو راضخ لرجل دين جاهل؟
كيف يكون تلميذ المدرسة ثائرًا وهو يجزع من التهديد بحسم علامات إن عبّر عن رأيه؟
كيف يكون الشاب الجامعيّ ثائرًا و"شروط" الحياة الكماليّة العصريّة تنغّص عليه نهاره وتؤرق ليله؟
وكيف يكون الكهل ثائرًا وهو أسير تقاليد وعادات لا يعرف مصدرها ولا معانيها ولا أسبابها؟

لن يسجّل التاريخ ( إن كان أحد يعنيه أمر التاريخ) أنّ الشعوب العربيّة المعاصرة كانت محرومة من الكتب، ومع ذلك فأدنى نسبة مطالعة عندهم. والبلدان التي تعاني من رقابة صارمة على الكتب لا تستطيع أن تمنع أحدًا من مواطنيها عن قراءة كتاب في لبنان أو لندن أو باريس أو أميركا أو إسبانيا حين يسافرون إليها لشرب الكحول والسهر والتسوّق واصطياد النساء والرجال. ما يعني أنّ التذرّع الدائم بالكبت والمنع هو حجّة لتبرير الكسل ورمي كرة التقاعس عن طلب المعرفة في ملعب السلطة الغاشمة والغشيمة وهذا لا خلاف عليه. ويتناسى أكثرنا اليوم أنّ مجلّات أدبيّة وسياسيّة وفكريّة، خصوصًا المهاجرة منها، تدين بنشأتها وبقائها لنظامَي الحكم في العراق وليبيا تحديدًا، فضلاً عن أموال الثورة الفلسطينيّة، حين كان الصراع العربيّ العربيّ في ذروة تأزّمه (ومتى لم يكن كذلك؟).

فكيف استفاد "مثقّفو" تلك الحقبة وصحافيوها وأفادوا من فسحة الحريّة التي كانت لهم في لبنان وباريس ولندن ومن تدفّق الأموال عليهم بلا شرط إلّا شرط التبعيّة والالتزام وبعض الالتزام استزلام؟ وهل حرّكوا ثورات بقدر ما جمعوا ثروات؟