الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 23 يناير، 2017

عن روايتي "كلّ الحقّ ع فرنسا" بقلم الشاعر والناقد سلمان زين الدين



"كل الحق ع فرنسا" لماري القصيفي: 
تحوّلات الاجتماع اللبناني عبر الزمان والمكان

سلمان زين الدين - صحيفة المستقبل - الأحد 6 أيّار 2012 (نوافذ)

الأسرة اللبنانية وتحوّلاتها عبر الزمان والمكان، خضوع الاجتماع اللبناني لتجاذبات محلية وإقليمية ودولية، تأثير الحرب على العلاقات الأسرية والأفراد، النزف البشري بفعل الهجرة الى الخارج، تخطّي العلاقات الأطر الجغرافية والطائفية، وغيرها.. هي موضوعات تطرحها رواية "كل الحق ع فرنسا" للكاتبة اللبنانية ماري القصيفي (دار "سائر الشرق"، 2011)، فتعكس فسيفساء الاجتماع اللبناني بتفاعلاته المحلية، وانفتاحه على الإقليمي والدولي.
هذه الموضوعات تتناولها القصيفي، من خلال رصدها حركة أسرة لبنانية، بقاعية، مسيحية، في ثلاثة من أجيالها، على مسافة زمنية تمتد قرابة قرن من الزمان، تتشعّب خلالها الأسرة، وتتفرّع الى أسر يكون لكلٍّ منها مساراتها المتعرّجة ومصائرها القاتمة، فكأنّ لعنة حلّت بها، وراح أفرادها يتساقطون واحداً تلو الآخر.
الجيل الأول يمثّله الجدّان يوسف ونجلا اللذان يتزوّجان في العشرينيات من القرن الماضي؛ يوسف يحبّ أولاده والأرض والكتب وكأس العرق. "أنا اخترت الغرق في العرق والكتب" (ص64)، يقول. دوره في الأسرة هامشي وغير مؤثّر، مات من دون أن يحسّ به أحد كما عاش. نجلا ذات سطوة وتدبير، تتّخذ التدابير التي تعتقد أنها في مصلحة أفراد الأسرة لكنّ النتائج تأتي عكسية، لذلك تحسّ بالذنب إزاء ما حصل لابنتها وردة، "منذ ثلاثين عاماً وهمّ وردة يأكل معي في الصحن"، وتلوم نفسها في حادثة موتها، وسرعان ما تلحق بها.
الجيل الثاني يمثّله الأبناء والبنات: حبيب تاجر مخدّرات وخرّيج سجون. نجيب هامشي، فاشل، يقيم عند بيت حميّه، ويفتقر الى الجرأة والمغامرة. وردة ضحية تواطؤ الأم والكولونيل الفرنسي، تموت بشرب الديمول، بعد قصة حب عاصفة هي العمود الفقري في الرواية. سعاد تخسر الأمان بموت زوجها، تعاني التهجير، وتقلق على أفراد أسرتها. ملفينا تتزوّج بأحمد الفلسطيني المسلم، وتعاني مضاعفات الزواج المختلط. لبنى تعيش غربتها في لندن، وتشهد موت زوجها واعتقال ابنها بتهمة السرقة. كاميليا ترتبط بإسبر، الخيّاط العجوز، وتعيش متنقّلة بين أولادها في الخارج، وتنصرف الى حياتها الخاصة. جولييت صغيرة الأسرة تتزوّج خطأً بعيد المجنون، وتعيش بعد طلاقها وحيدة، تفكّر بأفراد الأسرة وتحمل همومهم، وتحرص على حكاية حكاياتهم لصديقتها زاد، على أن تقوم بتدوينها ذات يوم. ويمكن إضافة الزوجات والأزواج والأصدقاء الى هذا الجيل.
الجيل الثالث يمثّله الأحفاد وقد طاردتهم اللعنة بدورهم؛ فينتهي زواج ابنتي حبيب بالطلاق، وتُشلّ ابنته الثالثة نور بعد محاولة زوجها قتلها. ويُسجن ابن لبنى الياس في لندن بتهمة السرقة. ويختفي شادي ابن ملفينا، ويُقتل وديع، ويهاجر كمال. وتهاجر ياسمينة ابنة جولييت مع أسرتها. وتخسر جانيت ابنة سعاد زوجها. ويتفرّق أبناء كاميليا بين كندا وفرنسا... وهكذا، يصيب التفكّك الأسرة الكبيرة، فيتوزّع أفرادها على الموت، والهجرة، والاعتقال، الى ما هنالك من مصائر قاتمة.
ترسم ماري القصيفي المسارات المتقاطعة، المتوازية، المتعاكسة، التي قادت الى هذه المصائر في روايتها، من خلال حكاية رئيسيّة هي حكاية وردة/روز بفصليها الفرنسي والعربي، والحكايات الفرعيّة المرتبطة بها، المتفرّعة عنها، والمواكبة لها. وهي تفعل ذلك، من خلال إطار خارجي تروي فيه الحكاية الرئيسيّة والحكايات الفرعيّة، هو إطار العلاقة بين زاد وجولييت البنت الصغرى في الأسرة؛ فجولييت المتبقّية من أسرة تكاثر أفرادها وتشتّتوا وماتوا تحرص على حكاية حكاياتهم لزاد صديقتها طالبة منها تدوينها في رواية، وتروح تغيّر في الحكايات، فتضيف اليها أو تحذف منها، وتتغيّر حكاية كل فرد مع موته. وزاد تدوّن في دفاترها وتنتظر أن تنتهي جولييت من الحكي شرطاً للبدء بالكتابة. وهكذا، وفي إطار المعادلة التي تقوم على الحكي والتذكّر من جهة جولييت، والإصغاء والسؤال والتدوين فالكتابة من قبل زاد، يتمّ سرد الأحداث، واسترجاع الذكريات، في الرواية، بواسطة الراوي العليم الذي يتحكّم بقوانين اللعبة السردية، ويمارس الاختيار والحذف والتقديم والتأخير والتكرار والتداخل تبعاً لمقتضى اللعبة الفنية. أمّا الرواة/الشخصيات ويبلغ عددهم خمسة وثلاثين راوياً/شخصية فإنّ ما جرى سرده بأصواتهم لا يندرج في إطار العلاقة بين زاد وجولييت التي شكّلت إطاراً خارجيّاً للسرد.
تشكّل شخصية وردة/روز الشخصية المحورية في الرواية، وتُعتبر حكايتها بفرعيها الفرنسي والعربي العمود الفقري فيها. على أن في الرواية محطّات معيّنة، في بدايتها، ووسطها، وآخرها، تُعتبر نقاط تحوّل في مسار الأحداث كان لها ما بعدها من نتائج ومضاعفات.
_ في بداية الرواية، تعتبر موافقة وردة على تغيير اسمها إلى روز نزولاً عند رغبة الكولونيل الفرنسي، وبتشجيع من أمها، نقطة انطلاق في مسار الأحداث كانت لها نتائجها المترتبة عليها بحيث هربت معه، وأمّنت له ليالي حميمة، حتى إذا ما اكتشفت أنه متزوّج وسيعود إلى بلده أدركت أن نهاية غير سعيدة بانتظارها. وبالفعل، تركها لمصيرها ولضباطه تنتقل بينهم. لكنها سرعان ما أدركت أهمية أن تكون مستقلة وصاحبة قرار، فتقلّبت بين الوظائف حتى كان لها ما أرادت، وعادت الى قريتها قوية، الجميع بحاجة إلى دعمها المالي والمعنوي.
_ في وسط الرواية، يشكّل اللقاء بين روز وناجي في السفارة الأميركية نقطة تحوّل أخرى في مسار الأحداث تمخّضت عنها قصة حب عاصف، خارج إطار المؤسّسة الزوجية، اتخذت من فتحهما مطعماً راقياً مشتركاً ستاراً للاستمرار عشرين عاماً؛ هو يريدها حبيبة بعد أن حفظ لزوجته دور ربّة المنزل وأمّ الأولاد، وهي تريده حبيباً يعوّضها عن إخفاقها السابق ويؤمّنها على مستقبلها متفهّمةً وضعه كزوج وأب.
_ في نهاية الرواية، يأتي اللقاء الأخير بين روز وناجي الذي تخلّله سوء فهم من قِبلِها ليرسم نهاية درامية لقصة الحب، فيغمى عليها إثر سجال بينهما، وتشرب الديمول خطأً لتمضي العشرين يوماً المتبقّية لها في المستشفى، ولتموت بين يدي ناجي الذي أخبرها أنه لم يخنها مع زوجته كما ظنّت، بل إن جسده هو الذي خانه مع مرض السرطان.
هذه الحكاية العاصفة التي تتخطّى الأعراف والمؤسّسات وراحت زاد تجمع خيوطها كان يمكن أن تتجدّد بين زاد وسامي ابن ناجي خلال عملهما معاً في جمع خيوط الحكاية، غير أن رفض زاد السفر، وإيثارها البقاء في وطنها والتمتّع بجمال عتمته ونجومه الشاحبة والانكباب على قراءة كتبه حالت دون تحقيق تلك الإمكانية. لعل الكاتبة أرادت القول، من خلال موقف زاد في نهاية الرواية، أن البقاء في الوطن أهم من علاقة حب عاصف خارجه.
لكل شخصية في الرواية حكايتها على هامش الحكاية الرئيسيّة، وبالتعالق معها، تطول أو تقصر، غير أن ما يجمع بين معظم الحكايات أنها تؤول إلى نهايات حزينة كما الحكاية الرئيسيّة. وتختلف المسؤوليّة عن هذه النهايات باختلاف الشخصيّات، فالجدّة نجلا ترى أن الحقّ على فرنسا، والبنات يرين أن الحقّ على الجدة، والبعض يرى أن الحقّ على بريطانيا، والبعض الآخر يرى أن الحقّ على الحرب، غير أن ممّا لا شكّ فيه أن قسطاً من الحقّ يقع على كل شخصية في النهاية التي آلت إليها.
أسرة نجلا المتشعّبة، المتفرّعة، المفكّكة، المشتّتة، الخاضعة للمداخلات المحليّة، والإقليمية، والخارجية هي صورة مصغّرة عن الاجتماع اللبناني بتفكّكه، وتنوّعه، وتوزّعه على المناطق والطوائف، وخضوعه للتجاذبات الإقليمية والخارجية. ولعل ماري القصيفي استطاعت، من خلال هذه الأسرة، أن تضع الإصبع على كثير من المشكلات التي يعاني هذا الاجتماع.
في الخطاب الروائي، تستخدم القصيفي بنية روائيّة مفكّكة للتعبير عن بنية اجتماعيّة مفكّكة، والتفكّك هنا ليس قيمة سلبية تغضّ من قدر الرواية وروائيّتها، ويتمثّل باستخدام تقنية تعدّد الرواة، وتكسّر الزمن الروائي. فالوحدات السردية الواحدة والتسعون التي تشكّل الرواية تنقسم مناصفةً تقريباً بين الراوي العليم الذي يروي أربعين وحدة سردية، والرواة الخمسة والثلاثين من الشخصيات الذين يروون إحدى وأربعين وحدة سردية أي ما عدده 1.17 للشخصية الواحدة. وهكذا، تزاوج الكاتبة بين منظورين سرديين اثنين؛ أحادي، تتمظهر فيه دكتاتورية الراوي العليم، تتوارى خلفه الروائية، ويربط الوحدات السردية المختلفة، المتعاقبة، بعضها الى بعض، ومنظور ديمقراطي، يعكس تعدّد الأصوات الراوية، فتعبّر كل شخصية عن وجهة نظرها المتكاملة مع أو المفارقة لوجهة نظر الراوي العليم. وقد غالت الكاتبة في استخدام هذه التقنية، فأسندت مهمة الروي لبعض الشخصيات الهامشية، الضحلة الحضور، الأمر الذي لم يضف شيئاً ذا بال الى النص، بل على العكس أثقل كاهله بزوائد يفضّل التخفّف منها.
في توزّع الوحدات على النص، عمدت الكاتبة الى ترقيم الوحدات المسندة الى الراوي العليم، وذيّلت كلاًّ منها بوحدة مسندة الى إحدى الشخصيات تُروى بصيغة المتكلّم ومطبوعة بحرف أسود، فخصّت الراوي العليم بالكمّ، وخصّت الرواة/ الشخصيات بالنوع، ونسجت علاقة جدليّة بين الوحدات المتجاورة، على مستوى الرواة، وصيغة الروي، والشكل، والإخراج. على أن الوحدات المنسوبة الى الراوي العليم لا تقدّم الأحداث بحسب حدوثها، ولا تحترم خطّيّة الزمن، وتعكس تقنيات الاختيار والحذف والتقديم والتأخير، وتترك للقاريء هامش تركيب القطع المختلفة في بازل الحكاية. وبذلك، تُظهر القصيفي قدرتها على إخراج الحكاية في الخطاب المناسب، وتُبدي كفاءة عالية في نسج البنية الروائية المناسبة للعالم المرجعي الذي تحيل إليه، ومن يقرأ الرواية يتساءل: هل "كل الحق ع فرنسا" هي رواية القصيفي الأولى فعلاً؟

ليست هناك تعليقات: