الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 22 سبتمبر، 2015

من هي السيّدة ذات القلم ولها في العرس رأي نافذ؟ بقلم زاهي وهبي (1994)





     مي م الريحاني هو الاسم المستعار الذي كنت أوقّع مقالاتي به في البداية، وهذه المقالة بقلم الشاعر زاهي وهبي واحدة من الرسائل التي تبادلناها على صفحة "النهار" الثقافيّة في أمور بيروت والشعر والمسرح...

****

     بقلم زاهي وهبي صحيفة النهار – الثلاثاء 26 نيسان 1994

من هي مي م. الريحاني؟
سؤال يلاحقني هذه الأيّام أنّى ذهبت وحللت.
وبعضهم يطرح السؤال بصيغة الشكّ والريبة.
إذ كيف لا أعرف، يقولون لي، مَن لا تكتب ولا تظهر للعلن الثقافيّ إلاّ حين تكتب لي، ومن أين لها هذه الدراية بالمشهد الثقافيّ وأحواله الراهنة، كأنّها مقيمة في خضمّه، عارفة بما خلف كواليسه وبما يجري على الخشبة.
ومع ذلك لا أملك جوابًا عن علامات الاستفهام إلاّ بريد "النهار" في الطابق الثاني والرسائل التي تأتي مذيّلة بالتوقيع في الصفحة الثقافيّة مساجلة حيال هذا الشأن أو ذاك، وكلّما لامست الجرح أكثر أو ضربت على الوتر كبر سؤال بعضهم: مَن هي؟ ومن تكون؟
فكم أودّ سيّدتي لو أعرفك.
*****
لست أقلّ غضبًا منك.
لست أقلّ نقمة أيضًا.
لكن لأعترف لك أوّلاً، بأنّ رسائلك، حتّى حين تخالفني الرأي، تشكّل لي حافزًا مهمًّا للكتابة، وذريعة لوجهة نظر في هذا أو ذاك من مشاهد الثقافة اليوميّة في بيروت الراهنة، وما أسمعه من آراء فيها، أي في رسائلك، من قرّائها الكثر، ستظنّينه نوعًا من المغالاة في المجاملة، لكن الأمر ليس كذلك وحسبك أنّ شوقي أبي شقرا يقول كلّ مرّة:
إنّها تقرأ بذكاء وتكتب بذكاء.
فكيف لا أفرح إذن، ولا أبتهج، حتّى حين لا نتّفق على توصيف مشهد أو على تفسير عبارة مثل تلك التي أثارت غضبك وحنقك (في مقالتي عن مسرحيّة فاميليا) فأخذت الأمر على غير هواه وزيّن لك تأويلك أنّني أكتب هكذا لأسباب لم تكن في بالي وحسباني. أليس أحوج ما نحن إليه الآن هو القراءة بذكاء والكتابة بذكاء؟
*****
أفهم غضبك سيّدتي.
أفهمه وأوافقك.
وأنطلق من رسالتك الأخيرة المحقّة في كلّ ما تضمّنته من ملاحظات على بعض مشاهد الثقافة، لاعتبر أنّ المأزق الحقيقيّ الذي تعيشه الثقافة في بيروت اليوم، يكمن في غياب الحوار وفي النرجسيّة المفرطة الطاغية على كلّ ما عداها وفي المداهنة والإخوانيّات.
أتظنّين أنّ ثمّة كاتبًا أو كويتبًا يعترف بسواه؟
أتظنّين أنّ هناك من يضع الآخر في ذهنه بين كلّ الكتّاب والكتبة؟ إلاّ إذا كان وإيّاه من القبيلة الثقافيّة.
يؤسفني أن أوافقك في كلّ ما تضمّنته رسالتك الأخيرة، وما فيها غيض من فيض الانتهاكات التي ترتكب باسم الثقافة وتقترف في حقّ الوجدان العامّ، أي في حقّ القرّاء والمشاهدين، أو في حقّ القلّة التي لا تزال تعتبر نفسها معنيّة بأحوال الثقافة وأحوال أهلها. ومن هم أهلها؟
هل تعتقدين سيّدتي أنّ عبّاس بيضون على خطأ إذ يقول: هذا كلام مقاه أو كلّه كلام مقاه! أنا لا أظنّه على خطأ وإن كنت لا أنفي عنه كونه واحدًا منّا (منّا جميعًا) من المساهمين في تحويل الثقافة أو على الأقلّ العلاقات الثقافيّة إلى كلام مقاهٍ، وكذلك مع الشعراء الشبّان الذين يظنّون أنّهم خاتمة الشعر ونهاية المطاف فلا يسمعون نقدًا ولا يردّون تحيّة.
ولو شئت وصفًا للمرحلة أو للذهنيّة الثقافيّة الراهنة لقلت إنّها "ذهنيّة المقهى". وأظنّ أنّ المكتوب يقرأ من عنوانه فلا حاجة للاستطراد في شرح ماهيّة "ذهنيّة المقهى"، إنّها ببساطة كلّ ما أشرتِ إليه في رسالتك الأخيرة بدءًا بالفولكلور الذي رافق الاحتفاء بأمين معلوف وانتهاء باسكندر حبش. وهذا واقع مؤلم ومفجع لا ينفع معه أيّ دواء سوى الكيّ، وكم هم قلّة منبوذة من يجرؤون على الجهر بالحقيقة والإشارة إلى الخطأ.
*****
الذي إصبعه في النار ليس كمن إصبعه في الماء.
ولعلّك تجرؤين على تسمية الأشياء بأسمائها لأنّك بعيدة عن المقهى وعن ذهنيّته، وعساك تظلّين بعيدة كي لا يطولك رجس أو نجاسة.
والمقهى، يا صديقة الكلمة، ليس مجرّد طاولة أو فنجان قهوة، إنّه آليّة تفكير وطريقة تصرّف وسلوك يوميّ ومقاربة للأشياء، وبدل أن تكون هذه الآليّة حضاريّة وإنسانيّة باعتبار المقهى أحد مظاهر العيش المدنيّ ومكانًا للالتقاء والتفاعل بين الناس، نجدها تتحوّل في صيغة المقهى الراهنة إلى آليّة جاهليّة وقبليّة تتحرّك وفقًا لصلات القربى والأرحام. وهذه القربى غالبًا ما تكون محكومة بعادات الثأر والانتقام.
سبق لي أن أشرت تكرارًا إلى ظاهرة خطيرة تنتاب المدينة اليوم، وتسهم في تفكّك أوصالها وفي عدم قيام حوار حقيقيّ فيها.
أذكر في زمن الحرب كان الآخر، أو وجوده، حاجة ماسّة وضرورة، كان موت ودمار ووحشة قاتلة وكان كلّ منّا يأنس بجاره أو بعابر الطريق، وكنّا نكتب ونقرأ ونبتهج بما نكتبه وبما نقرأه، كان كلّ منّا يتأكّد من وجوده على قيد الحياة، من قراءته لنصّ الآخر، لقصيدته، لمقاله، لتعليقه، لتحيّته في الصباح بعد ليل من القصف المجنون، وكان المقهى يجمعنا في الخوف والقلق والترقّب في انتظار ما بعد الحرب، مثلما كانت تجمعنا الكتابة في الحال ذاتها، وكانت تلك الحال مكانًا للأنس والإلفة ولنموّ مشاعر الودّ والصداقة بين الباقين على قيد المدينة بعد أن هجرها من هجر، وكان المقهى مظهرًا من مظاهر استمرار المدينة على قيد الحياة، وكذلك كانت الكتابة.
ثمّ انتهت الحرب، وكان لا بدّ لها أن تنتهي، وجاء السلام أو شبّه لنا أنّه جاء، وبدأت المدينة تستعيد أوصاف حياتها المدنيّة، وبدأ كلّ منّا يبحث عن صورته في المرآة الجديدة، وتبدّلت أدوار واختلطت أوراق، وفي غمرة كلّ ذلك، كانت تتكشّف حقيقة بشعة فالحرب تركت صدوعًا وفجوات هائلة في الناس والأمكنة، والسلام بدا أكثر وحشة منها، والآخر الذي كان بالأمس ضرورة ومرآة، صار اليوم، نقيضًا وعدوًّا، إذ راح كلّ منّا يؤكّد وجوده بإلغاء الآخر، ونقل البعض أخلاقيّات المتاريس إلى المقهى والصفحات، ولست أبالغ إذا قلت إنّ ثمّة ما يشبه "حرب الإلغاء" الحقيقيّة التي تدور بين مَن حوّلوا الثقافة متاريس والكتابة إلى رصاص قاتل، بل أشدّ قتلاً من رصاص الحروب.
وأكثر ما تتجلّى هذه الحرب في الصمت المشبوه وغياب الحوار واعتماد التجاهل موقفًا نقديًّا من الآخر وطغيان النرجسيّة على غالب الذين يعتبرون "مفاتيح" اللعبة الثقافيّة. ولو تقرأين جيّدًا بعض السجالات وبعض الكتابات النقديّة تعرفين كم أنّ النقد فقد ضميره، وكيف تنحدر الكتابة إلى دركها الأسفل على يد بعض مَن صنعوا مجدها وألقها وهذا أكثر استدعاء للألم والشفقة في آن.
*****
سيّدتي،
في بيروت اليوم ظلم لا يطاق.
ظلم، لا للمثقّفين، بل للثقافة نفسها.
في بيروت اليوم مثل عمليّة تزوير، مرّة قوامها الصمت، ومرّة قوامها الكلام الموارب، ودائمًا قوامها فقدان النقد لضميره المهنيّ والأخلاقيّ، وغياب الحوار وعدم الاعتراف بالآخر وطغيان النرجسيّة.
وأيّة فجيعة حين يتحوّل النقد إلى مكيدة والكتابة إلى كلام مقاه؟
*****
أفهم غضبك وأقدره ولا أبحث له عن أعذار.
وعساك تجدين أسبابًا للكتابة غير الغضب، فما تخشينه خطأ في بعض آرائك أجده عين الصواب، لكن ليس في اليد حيلة غير الرأي والموقف في وجه حاملي شعار: عين الصواب تبلى بالعمى!
أو عسانا نصحو ذات يوم على غضب ساطع كما تشتهين.
سيّدتي،
ليس هذا ردًّا أو عتبًا، إنّه استكمال لحوار بدأ بيننا منذ عام وأكثر وأظنّه يطول.

ليست هناك تعليقات: