الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 22 أكتوبر 2015

جرمانوس جرمانوس: شِعر طالع من مبخرة الغطيطة بالجرد


وادي قنّوبين


كنت صغيرة، ربما في الثامنة او التاسعة من عمري حين تأكدت من انني احب الامور الغير شكل. احب الشعر. كان ذلك على سطح البيت الذي كان جدي ناطوره، وخالي يربي الحمام في غرفة كنا نسميها "غرفة السطح". يومذاك كنت وابنة خالي سعيدتين لاننا سنلاعب الحمائم البيض التي سيطلقها خالي حولنا مشترطاً ان نتبادل الادوار، انا وابنته، في ان نسند الباب الذي لا قفل له من الداخل كي لا تهرب الطيور.
بعد نوبتين او ثلاث ضجرت ابنة خالي من مهمة الحراسة فبحثت عن شيء ما تضعه خلف الباب، وحين وجدت ما تبحث عنه انصرفت الى ملاحقة احدى الحمامات امام ناظري والدها الذي قال لي وهو فخور بابنته: هي اذكى منك، أنت لم تفكري في البحث عن حجر يسند الباب. اما انا فكنت حزينة، لا لان ابنة خالي اذكى مني وتفكيرها عملي اكثر من تفكيري فحسب، بل لان اللعبة انتهت، واللهفة التي كنت اشعر بها وانا القي بثقل جسمي الصغير على الباب زالت، ولم يعد ثمة ضرورة لانتظار زميلتي في الحراسة لتستلم نوبتها، فأسرع الى حيث الاقفاص المفتوحة تنتظر كي أمد يدي المضطربة واحاول ان ألمس الطيور التي لا يزال هديلها الرتيب يهدهد الطفلة التي كنتها وريشها المتطاير ينغمس في حبر مخيلتها.
استعدت كل ذلك وانا اقرأ جرمانوس جرمانوس في ديوانه بالمحكية: "بسهر انا وياك لطلوع الحمام". ربما بسبب الحمام، ربما بسبب الشعر، ربما بسبب الشاعر. وربما لانني شهدت معجزة ان يكون الشاعر هو شعره، وان يكون هذا الشعر هو كينونتك التي، ومن دون ذنب اقترفته، لا يمكنك ان تعرف عنها الا بكلمات سواك. عدت الى غرفة السطح وتذكرت البنت بعينيها السوداوين الواسعتين الناظرتين بشغف الى مشهد الطيور المرفرفة، وكيف انكسر الحلم فيهما حين صار الامر متاحاً وسهلا وسريعا، فلم تعد تستعجل ابنة خالها وتقول لها بلهفة: صار دوري. وقصيدة بعد اخرى، اعادني جرمانوس الى الطفلة التي كنتها يوم عمادتي، حين اقام الوالدان حفلة غداء تبارى فيها شعراء العائلة والضيعة في الزجل. ولا تزال والدتي حتى اليوم تأسف لان احدا لم يكتب ما قيل في تلك المناسبة. وما زلت اتردد في إعلامها بان موسيقى غنائهم رفرفت فوق مهدي، وكلماتهم داعبت شعري، فغفوت وانا احلم بأن أصير شاعرة مثلهم، مثل جرمانوس الذي يقول في اولى قصائد الديوان: "وفيي شعر/ اكثر م فيي/ كتاب".
الشعر الذي لا يعديك شعرا ويعيدك شاعرا ليس شعرا. ليس شعرا ان لم يجعلك تغضب على الشاعر الذي وصل الى العالم الغامض الذي تعرف انت في عمق اعماقك بوجوده، غير انك لم تجرؤ على تصديق حدسك، فلم تبحث عن الدروب اليه. وليس شعراً ان تحول غضبك حقدا وكرها وحسدا، لانه الغضب المحيي الذي ينفض عن اغصان ايامك الاوراق اليابسة والثمار المهترئة ويجعلها سمادا عند جذعك، لعلك تعطي اوراقا خضراء وثمارا جديدة، الغضب الذي يطرد التجار من هيكل الشعر ويعيده محراب صلاة وبداية خلاص.
هذا هو الشعر. هذا هو شعر جرمانوس جرمانوس، المتصالح مع نفسه ولغته وتراثه، الثائر على الفقر لا على الفقراء، الناقم على الخبث والمشفق على الخبيثين، العاشق المؤمن بالانسان والطبيعة، المسكون بالنغمة والصورة تصدران عنه كابتسامة طفل ودمعة عجوز، بلا ادعاء او كبرياء.
فقراؤه؟ أنا منهم: "وهنّي وعم يصلّو/ البكي/ نقّط ع صابيعن دمع/ صارو شمع".
جدّته؟ هي جدّتي: "وِجّا خريف المبخره.../ وكفوفها زعتر طري.../ وعيونها صِرّة تعب".
الطفولة؟ هكذا هي في بالي: "هادا الوتر/ ماشي حفا ع الصوف بكانون".
الليل؟ هو ليل الشعر، ابن الوعي والحب "والليل ركوه عم يفوّرها الحنين".
والمرأة؟ جسد تعشق المقيمة فيه لا جثة في مشرحة اللغة: "والخصر:/اول ما عم تغشى شمس ايلول ع طراف الورق/ يطلع منا ريحة نبيد".
ميشال طراد هو العمود السابع في قلعة بعلبك بحسب فؤاد سليمان، أما انت، جرمانوس جرمانوس، فشجرة أرز شابة تنمو في حمى اشجارنا المعمرة، وتحت ظلال موهبتك الاصيلة، يستريح تاريخ لبنان مطمئنا الى المستقبل.


هناك 3 تعليقات:

وادي المعرفة يقول...

شعر معتق
فقراء: "وهنّي وعم يصلّو/ البكي/ نقّط ع صابيعن دمع/ صارو شمع".
والخصر:/اول ما عم تغشى شمس ايلول ع طراف الورق/ يطلع منا ريحة نبيد
الله.. هذا شعر "معتّق" لا يبلى ، وأرى قائله في موكب الأبد برفقة أهل المعرفة

"الغضب الذي يطرد التجار من هيكل الشعر ويعيده محراب صلاة وبداية خلاص." حلو كثير

ماري القصيفي يقول...

لا يعرف قيمة الشعر إلاّ شاعر فيه نبض الناس والتراث والحياة.

ميشال مرقص يقول...


تنبضين في أوتار الشعر كلّها ...

لا يعرف "الشعر" إلا من يكابده،
ولا المواهب إلاّ من "يُفلّيها"...