الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 13 ديسمبر، 2015

من مغارة بيت لحم إلى قمّة كوبنهاغن

وادي القدّيسين في قنّوبين

في مغارة الميلاد، "أرسل الله ابنه الوحيد نورًا للأمم"، وبالتالي لم تكن ثمّة حاجة إلى إضاءة تستهلك مقدّرات الطبيعة. وأدفأت الحيوانات الطفل الإلهيّ الذي وضع على القشّ الدافئ فلم تكن ثمّة حاجة إلى تدفئة مركزيّة تسبّب إهدارًا في الطاقة. ولم تكن الأرض تنشد إلاّ السلام، كأنّ الأمور الأخرى كانت متوافرة ولم يكن من الداعي طلبها. الخشب الموجود كان يكفي لبناء هيكل سليمان والصلبان على عدد المغضوب عليهم، والمياه الموجودة تكفي لعمادة من يرغب في الولادة من الروح بعدما ولد من الجسد، والتربة الموجودة يرسم عليها المسيح علامات الأزمنة لمن يعرف أن يقرأ، ويضعها على عيني الأعمى فيرى. أمّا اليوم فيبحث الناس عن المياه والخشب والتراب ومصادر الطاقة، وهم يعرفون أن لا سلام على الأرض ما لم يجدوا حاجتهم من هذه العناصر التي لا وجود للحياة بالشكل الذي نعرفه من دونها.

في مغارة بيت لحم، وصل المجوس، علماء الفلك في بلاد فارس، ولم تكن في بالهم المفاعلات النووية ولا القضاء على بني إسرائيل، كانوا يثقون بأنّ السماء وعدتهم بما هو أهمّ وأجمل وكانوا يريدون أن يكونوا شهودًا لا شهداء، وبأنّ الثروات التي يملكونها ليست ملكًا خاصًا بهم وحدهم، بل هي ملك الجميع. ووصل الرعاة البدو وهم يعرفون أنّ وجودهم في مكان واحد مع ملوك المجوس لا يعني أنّ الشيوعيّة هي التي انتصرت بل المحبّة، وأنّ فقرهم لا يعفيهم من المسؤوليّة عن مصير هذا العالم، وأنّ دعوتهم إلى هذا حضور هذا "المؤتمر" لا تعني أنّهم سيحصلون تلقائيًا على حصصهم من هدايا الميلاد.

من مغارة بيت لحم إلى قمّة كوبنهاغن، لا تزال البشريّة مجدّة في سعيها نحو الخلاص.

هناك من يبحث عنه في هذه الأرض، وغالبًا ما يعني ذلك خلاصه هو ولو على حساب البشريّة، فيتلف غلاله كي لا يهبط سعرها في السوق، أو يقتل ليختبر سلاحًا جديدًا، أو يبيد شعوبًا في سبيل بقاء شعوب أخرى.

وهناك من يبحث عن هذا الخلاص في السماء فيهملون الأرض وما عليها ومن فيها، وحتّى هؤلاء ينقسمون فريقين: فريق يستثمر أمواله في الفضاء بحثًا عن مستعمرات جديدة وشعوب غريبة ولا يلتفت إلى أهل بيته، وفريق يؤمن بأنّ كلّ شيء باطل ولا يستحقّ هذا العالم إلاّ أن نعبر فيه سريعًا ومن دون أن نتعلّق بأيّ شيء فيه.

وفي مختلف تلك الحالات لم تصل البشريّة إلى مدينتها الفاضلة ولم تستعد بعد فردوسها المفقود.

في قمّة كوبنهاغن سيطلب الأثرياء من الفقراء أن يستحمّوا أقلّ ليملأوا هم أحواض السباحة في قصورهم ومنتجعاتهم، وأن يناموا باكرًا ويوفّروا الطاقة الكهربائيّة ليسهروا هم تحت أشّعة ثريّاتهم الكريستال، وأن يمتنعوا عن قطع الأشجار لتدفئة غرفهم الصغيرة ليملأوا هم مواقد تضفي جوًّا شاعريًّا على شاليهاتهم الغارقة في دفء "الشوفاج".

ونحن من يتابعون أخبار تلك القمّة المصيريّة والتي ستكون كلفة مصاريف الوفود والوقود فيها باهظة، إذا علمنا أنّ الحرارة خلال أيّام القمّة ستراوح بين درجة واحدة وسبع درجات، فسنسأل أنفسنا ببراءة: لماذا تمّ اختيار بلد بارد ومكلف في حين كان ممكنا عقد القمّة في بلد معتدل الحرارة يوفّر التدفئة أو التبريد لآلاف المشاركين من رؤساء ومرافقين وموظّفين ومراسلين؟ هذا طبعًا فضلاً عن مصاريف الفنادق والتنقّل ووجبات الطعام.

إنّ قمّة تبدأ بمثل هذه المبالغ الخياليّة من المصاريف على آلاف العلماء، من أجل التفكير في إنقاذ كوكب الأرض ستجعل العالم مغارة علي بابا لفئة من الناس تريد أن تبيع سيّارات وأسلحة، ومغارة الإنسان البدائيّ لفئة أخرى لا تعرف إلاّ أن تكون مستهلِكة ومستهلَكة.

ولكنّها، أيّ القمّة، لن تجعلنا قطعًا قريبين من مغارة الميلاد حيث استطاع طفل صغير وامرأة بسيطة ونجّار نشيط (بالتأكيد لم يقطع في حياته من الأشجار ما تسبّب بخطر على البيئة) ومجموعة رعاة مع حيواناتهم، وثلاثة علماء فقط، أن ينقلوا البشريّة إلى عهدها الجديد.

* جريدة النهار - الثلاثاء 8 كانون الأوّل 2009

ليست هناك تعليقات: