الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 8 سبتمبر، 2015

بعبدا: فراغ رئاسيّ وتخمة نفايات (2015)

الريحانيّة - بعبدا وكنيسة مار الياس

كرتون وبلاستيك... ولا فرز

الطريق غير الرسميّ لقصر الرئاسة




فلأوضح أوّلًا أنّ اختياري طريق النفايات الموصلة إلى كنيسة بلدتي مجرّد صدفة، فلستُ أنا من اختار المكان ليكون مكبًّا لأهل المنطقة وسكّانها والعابرين، ولست مواظبة على القيام بالواجبات الدينيّة أو ممارسة لها، وبالتالي أكتب فقط عن مكبّ نفايات صودف وجوده على الطريق إلى الكنيسة. فاقتضى لفت الانتباه.

النفايات والقصر الرئاسيّ:
في مرحلة تاريخيّة واحدة تتزامن مع الذكرى المئويّة الأولى للحرب الكونيّة الأولى، بدت بعبدا عاجزة عن التعامل مع أمور لافتة كثيرة: إقفال مدرسة الراهبات، خلوّ القصر الجمهوريّ فيها من رئيس "مارونيّ"، انحلال مجلس بلديّتها، أزمة نفايات غير مسبوقة في تاريخ لبنان. كلّ ذلك والجمعيّات الأهليّة والمدنيّة فيها مغيّبة بعدما صيّروها ضحيّة صراعات عائليّة/ حزبيّة.
كانت الريحانيّة على هامش الحياة البعبدويّة بسبب عدم وجود طريق مباشر يصل بينهما. لكن الرئيس أمين الجميّل ارتأى شقّ طريق رديف وبديل عن طريق القصر الجمهوريّ الرسميّ. وقيل لنا عهدذاك أنّه يريد استخدامها لتنقلّاته السريّة من القصر وإليه، لذلك أقيم حاجز حديديّ وسط الطريق المستحدثة يبقي العبور عليها محصورًا بسكّان القصر وزائريه. مع انتهاء عهد الجميّل، صارت الطريق عامّة وصارت قريتنا الجبليّة الغارقة في بساتين الزيتون والتين والسمّاق والخرنوب مدينة صاخبة لا تهدأ حركة المرور فيها... ونفايات المدينة طبعًا غير نفايات القرية.

النفايات والمجلس النيابيّ:
ثمّة في مشهد النفايات المتراكمة على الطريق ما يحرّرني شخصيًّا من أيّ التزام وطنيّ أو اهتمام سياسيّ أو شعور بوجوب المشاركة في انتخابات نيابيّة قد تحصل يومًا ما، وبخاصّة أنّني مقتنعة بأنّ الوجوه والأسماء لن تتغيّر. فأن يكون نائب منطقتي "المسيحيّ" مثلًا هنري الحلو أو حكمت ديب أو ناجي غاريوّس، شاهدًا على هذا المشهد ولا يحرّك ساكنًا مسألة تدعوني للهزء من الذين لا يزالون يؤمنون بزعيم أو سياسيّ. فشكرًا لهذه الأكياس ولكلّ الزبالة التي فيها لأنّها أكّدت إيماني بالابتعاد عن صندوق الاقتراع.

النفايات والمجلس البلديّ:
يعرف المتابعون أن لا مجلس بلديًّا في بلدة بعبدا. وبالتالي ليس هناك من يلام مباشرة على إهمال مسألة بيئيّة صحيّة على هذا القدر من الخطورة. فرائحة الفضائح والدعوى والرشاوى غطّت بنَتَنِها على رائحة النفايات الممتدّة من اللويزة إلى اليرزة إلى الريحانيّة إلى الأنطونيّه وبرازيليا وسبنيه وسائر أحياء بعبدا... ما عدا القصر الرئاسيّ طبعًا حيث النظافة التامّة...
لذلك، حرّرني كيس النفايات أيضًا من أيّ واجب قد يناديني لانتخاب مجلس بلديّ جديد أو التعاون معه. فأن يكون الراغبون في الوصول إلى المجلس البلديّ الجديد متعامين عن النفايات، متغاضين عن التفكير (ولو مجرّد التفكير) في مسألة معالجتها عبر الفرز على الأقلّ، وأن يكونوا شهود زور لأنّهم ليسوا في موقع القرار، فذلك كلّه يعني أنّ مسؤوليّاتهم مرتبطة بالموقع لا بالضمير. وليست المبادرات الفرديّة المشكورة سوى دليل على عجز جماعيّ، ولن تكون كافية لتؤسّس لحركة شعبيّة فكأنّ النخب العائليّة في المنطقة أعلى شأنًا من أمر مشين كالنفايات. لذلك سأقول لمن يدعوني لانتخابه: لم يكن القرار في يدك، لكن قراري في يدي.

النفايات والكنيسة:
ليس تفصيلًا ألّا تكون الطريق إلى الكنيسة في الريحانيّة طريق نحل بل طريق ذباب وبعوض، لكأنّ دعوة البابا فرنسيس إلى إيلاء البيئة الأهميّة القصوى لم تصل بعد إلى صندوق بريد كهنة الرعيّة. لذلك لن أفهم كيف أنّ العونيّين في البلدة يصفقّون لجنرالهم وصهره المحافظَين على حقوق المسيحيّين ويقبلون في الوقت نفسه أن يكون حرم الكنيسة مزبلة، ولن أفهم كيف أنّ القوّاتيين في البلدة معجبون بالحكيم ومغرمون بزوجته الحكيمة لأنّهما يضعان أمن المجتمع المسيحيّ فوق كلّ اعتبار، ومع ذلك يسكت هؤلاء القوّاتيّون أمام مشهد الزبالة تصل إلى عتبة الكنيسة. ولن أفهم كيف تسكت الكنيسة الجامعة الرسوليّة المقدّسة عن تحويل درب الكنيسة دربَ أوساخ وقاذورات تقود مباشرة إلى جهنّم لا إلى السماء...
ولكن من قال أنّ المطلوب أن نفهم؟...

النفايات والفرز:
تظهر الصور الثلاث التي التقطتها اليوم لطريق النفايات كميّة كبيرة وواضحة من العبوات البلاستيكيّة والزجاج والعلب الكرتون. ما يعني أنّ الفرز كان ممكنًا، خصوصًا أن طبيعة الأرض المحيطة كانت ستسمح إلى حدٍّ ما بالتخلّص من النفايات العضويّة. لكن ماذا تفعل البلدة، في غياب مرجعيّات فاعلة، مع العابرين الذين يرمون نفاياتهم ومع العمّال الذين تعجّ بهم ورش البناء ومع العناصر العسكريّة التي تحيط بالبلدة وتقيم فيها وليس عندها مكبّات خاصّة بها؟

أنا والنفايات:
شعرت اليوم وأنا أمام مكبّ النفايات، والعاصفة الرمليّة تضفي طابعًا ساخرًا على المشهد برمّته، برغبة شديدة في أن أرى التلّة ترتفع أكثر وأكثر. أردت أن تخفيَ عنّي الأبنية الحديثة، والأشجار القليلة الناجية من مجزرة الإعمار بلا وعي أو مسؤوليّة. أردت أن تصير القمامة أهمّ من أيّ لقاء قمّة جرى في القصر الرئاسيّ، وأن تصير أكياس الزبالة أكثر عددًا من أكياس الفضّة والذهب التي بيعت بها المنطقة، وأن تصبح للجرذان والفئران والذباب والبعوض والصراصير أصوات انتخابيّة لها تأثيرها، وأن يعمّ الدمار وتنتشر الفوضى، وأن يصير النقاء مجرّد ذكرى في صورة قديمة، وأن تخنقَ رائحةُ العفن والاهتراء عطر البخور، وأن تُخرس أصواتُ الشاحنات رنينَ الجرس، وأن يعميَ دخانُ الحرائق ورمل الصحراء العيونَ التي تعامت عن مسيرة الفساد والتعتير.
اليوم، رأيت الخراب الآتي وكان مغريًا وجميلًا ونظيفًا وواعدًا.

هناك تعليق واحد:

ميشال مرقص يقول...


شكرا لكِ
ولكل موضوع قصة مأساة
وتاريخ زبالة