من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 23 ديسمبر، 2014

ضيف المدوّنة: فراس الضمّان أرِقٌ يبيع الناسَ أحلامًا!


الشاعر فراس الضمّان يلقي شعره في Ninar Art Cafe.
     هو فراس الضمّان/ آخر الحمقى/ في قطار بابلو نيرودا/ المتوقّف منذ خمسين عامًا تحت المطر/ هو فراس الضمّان / الغريب الذي يشرب/ ويكتب ويبكي/ هو فراس الضمّان/ الصنوبرة المغبّرة الحدباء/ بائع الكستناء الأدرد/ النادل ذو الذراع الواحدة/ الذراع التي/ ترفع كأسَها الآن... (قصيدته بصيغة المتكلّم صفحة 88 و89 ... أنا فراس الضمّان).
     فمن هي تلك التي يرفع شاعرنا كأسها؟ أهي سوريا أم القصيدة أم الحبيبة؟ لعلّها سورياه القصيدة الحبيبة.
     ويكفي أن نقرأ القصيدة الأولى من ديوانه الأوّل، باكورة إنتاجه الشعريّ، كي نرى اسم سوريا يسبق القصائد، والله والحبيبة، إذ يقول:
     دفاعًا عن النفس.../ أرسم بالسكّين/ دفاعًا عن سوريا.../ أكتب القصائد على الجدران/ دفاعًا عن الله.../ أحبّكِ...
***
     حاولت وأنا أقرأ المجموعة الشعريّة للطبيب الشاعر فراس الضمّان - وهي بعنوان "بائع الكستناء الأدرد" - أن أنسى ما اطّلعت عليه عبر الفيسبوك، حيث ينشر قصائده بشكل شبه يوميّ. وذلك بهدف أن أحصر "قراءتي" إن جاز لي التعبير، بنصوص هذا الكتاب. لكنّ شخصيّة فراس الضمّان، المكشوفة علنًا بعفويّتها وصرامتها، بنزقها وعمقها، بخبرتها وطفولتها، فرضت نفسها من خلال سيل شعريّ عارم، يجرف ما يعيق رغبته في التفجّر والانطلاق، غير آبه بما أو من أمامه. وهذا الفيض الشعريّ الغامر هو الذي لفتني إلى التجربة الشعريّة السوريّة الحديثة، فرغبت في رصد أسمائها والترصّد لمغامرتها... لكنّ المسألة دقيقة، يختلط فيها السياسيّ بالشعريّ، والعامّ بالخاصّ، ما يفرض على الدارس، أيّ دارس، الكثير من التأنّي قبل مقاربة هذه التجارب كي لا أقول الحكم عليها.
     ولقد أتيح لي عبر صفحة شاعرنا أن أستمع، من خلال تسجيلات قليلة، إلى صوته وهو يلقي شعره، فاكتشفت كيف أنّه يعيش الحالة الشعريّة بكلّ مسامه ونبضاته. وصارت طريقته في الإلقاء تفرض عليّ نفسها وأنا أقرأه، لكأنّ القصيّدة عنده عالم من الصور والألوان والأنغام، عالم منضبط بقواعد اللغة، منظّم ولو بدا ثائرًا، منضبط ولو بدا عشوائيّ الرغبات، ملتزم ولو بدا بوهيميّ المشاعر. وخيّل إليّ إنّ شيطان شعره لا يعرف الكتابة بقدر ما يعرف الإنشاد والإلقاء.
     صفحة الفيسبوك للشاعر فراس الضمّان جعلتني أكتب عنه مقالة أولى (بعنوان فراس الضمّان يكتب تاريخ سوريا) وأنا لا أعرف الكثير عنه. أمّا مجموعته الشعريّة هذه فتثير فيّ التوق إلى مساءلته واستجوابه والتحقيق معه، وإن كنت أعرف أنّ هذه المفردات تثير مرارة نتيجة الوضع السوريّ المأساوي... لكن ما رغبت في قوله عبر هذه المفردات هو وصف الرغبة في ما هو أكثر من أجوبة لمقابلة صحافيّة روتينيّة... وأقرب إلى أن يكون رسمًا بالسكّين، بحسب تعبيره هو، لشخصيّة لا يمكن أن تمرّ قصائدها من دون أن تثير عاصفة من المشاعر المتناقضة، والأفكار الغريبة.
     لا بدّ من الاعتراف بأنّني لا أعرف فراس الضمّان إلّا كما يعرفه سواي من قرّائه. حتّى الرسائل التي حاولت فيها أن أقترب أكثر من عالمه الشعريّ لم تكن سوى قصائد أخرى تكمل تكوين الشرنقة حول دواخله، فلا يبدو منها سوى ما يريد الشاعر أن يبوح به... وهو لا يبوح سوى للقصيدة، وفي القصيدة. فمن السهل أن يترك شاعرنا محدّثه من أجل فكرة خطرت له، أو يقطع حديثًا ليردّ على قارئ استفزّه، أو ليعلّق مشاكسًا على رأي لمعجبة تتحرّش به. فكأنّ حياته كلّها مشدودة إلى قصيدة لم يكتبها بعد، وما عمله كطبيب أو يوميّاته كسوريّ يعاني الأمرّين اليوم إلّا النبع الذي يستقي منه الألم ليكتب، كأنّه ما وُجد إلّا ليتألّم عن نفسه، وعن الآخرين، وليكتب بعد ذلك عن هذا الألم. فأيّة حياة هذه تلك التي نذر شاعرنا نفسه لها؟
***

     في مجموعة "بائع السكتناء الأدرد"، فاجأتني الألوان. عالم من الألوان. سروالك المنقّط الأحمر (ص 12)، سلّم العيون الأزرق، (ص 18)، العيون الصفراء (ص24)، الضفيرة الشقراء (ص 30)، القرنفلة البيضاء (ص 34)،  ذَكَر البلبل الأصفر (ص 37)، الفراشة البيضاء والعصفور الأزرق (ص 41)، حانة زرقاء، هزائم زرقاء، خمرة بيضاء، أصدقاء حمر (ص 44 - 45)، قبّعات الصوف الحمراء، علبة الفلفل الأحمر (ص46)، ... وصولًا إلى القلادة الناعمة الزرقاء (ص 97). يبدو لي الشاعر محكومًا بالأمل على الرغم من الألم... ولعلّه لا يعرف. لا يعرف أنّ فيه جانبًا يرفض أن يخضع لأسود الحزن، وأحمر الدم، ورماد الحرائق... فيه طفل لا يرى سوى العصافير والفراشات ولو كانت النيران تحاصرها والموت يكمن لها. فيه طفل لا يريد أن يكبر ليرى الأمور على حقيقتها... وهل تعرفون شاعرًا حقيقيًّا ليس طفلًا؟ أو هل تعرفون طفلًا، لو تُرك على سجيّته، لكان غير شاعر؟
***
     قصائد الديوان هذه بلا عناوين، أو بالأحرى لكلّ منها عنوان واحد هو (........)!
     الشعر قديمًا لم يكن له عنوان، وكانت القصيدة تُعرف برويّها، مع الشعر المتحرّر صارت العناوين ضرورة يستهدي القارئ بها إلى أجواء القصيدة الغارقة في عتمة اللغز والرمز. فراس الضمّان اختار أن يترك العنوان مبهمًا، لكنّه لم يلغه. أراد من القارئ - ربّما - أن يتلمّس الطريق وحيدًا، ليصل إلى قلب المعنى، إلى المعنى الذي في قلب الشاعر. وهل تعرفون شاعرًا يقود الجميعَ إلى قلبه؟ ألا يكفه المرضى الذين يعالجهم بكلمة فيداوون ألمه بالامتنان؟
     حاولت من جهتي أن أضع عناوين لبعض القصائد، فاحترت. هل هذه القصيدة (أو تلك) عن الواقع السوريّ الدمويّ، أم عن قنينة النبيذ الفارغة؟ عن الحبّ أم عن الحرب؟ عن الغياب أم عن الحضور؟ عنه أو عن حبيبته؟ عن حبيبة اليوم أم عن حبيبة الأمس؟ عن المقهى أم عن السجن؟ عن الغرفة الباردة تحت الدرج أم عن البرد المستقرّ في القلب؟
     على الأرجح، هذا ما يريده منّا الشاعر! أن نجعل القصيدة وليمة تستحقّ الاحتفال بها بدءًا من عنوانها المتروك لنا، وصولًا إلى علامات التعجّب التي تنتهي بها القصائد.
***
     النعت! النعت أمر آخر لافت في قصائد الضمّان: النعت الذي يتبع المنعوت في حالاته كلّها، النعت في جميع أنواعه ومظاهره المعنويّة واللفظيّة. فالصفة لا بدّ منها، هويّة هي، يضيع الموصوف من دونها: بائع الكستناء الأدرد، أميرها السعيد، يدي اليسرى، عشّها الدافئ، عينيّ العتيقتين، توقيعي المجنّح، جبهتين متقابلتين، المصباح الخافت، بيتك المهجور... هل أتابع؟ ذلك يعني أن أعيد كتابة القصائد كلّها. ولكن لماذا هذه النعوت؟ هل هي حالةٌ طفلةٌ أخرى من حالات الشعر التي تحتفي بالصورة؟ أم هي تمسّك بتعريف لا بدّ منه في مجتمع ضاغط يطالبك بانتمائك كيفما تنقّلت؟ يخيّل إليّ أنّ الأمرين متلازمان، فكيف نغادر طفولتنا القلقة ونحن لا وطن عندنا ولا استقرار؟
***
     المفاجأة اسم آخر لقصيدة الضمّان! عنصر المفاجأة يعيدنا إلى مسألة العنوان. فبقدر ما يبدأ النصّ بالغموض لأنّنا لا نعرف عمّا سنقرأ، تفاجئنا النهاية التي تجبرنا على أن نعيد قراءة النصّ لأنّنا كنّا نسير في اتّجاه، وها الشاعر يعيد توجيهنا في اتّجاه آخر. مفاجأة طريفة، أو غريبة، أو ساخرة، أو باكية، لكنّها لا تشبه سواها، فلا داعي كي نحاول كقرّاء أن نحزر، قصيدةً بعد أخرى، إلى أين يريد الشاعر أن يوصلنا. فالشعر متى فقد عنصر الدهشة صارت صوره متحفًا باردًا، وموسيقاه إيقاعًا رتيبًا. وليس من شروط الدهشة طبعًا الفذلكة الفكريّة أو عرض العضلات اللغويّ، وهذا هو الدليل:
نعم...
أنا أحبّكِ
أحبّكِ جدًّا
نعم...
أنا ألهثُ خلفَكِ ليل نهار
أنتِ نصفي
نصفي الأخير
***

     فراس الضمّان في باكورته الشعريّة، بائع أحلام لا ينام، وإن نام خشي أن يحلم بما لا يسمح به الواقع... كبائع كستناء لا يستطيع أن يتذوّق ما تحترق أصابعه لتخرجه من النار... لكنّي أثق بأنّه، وهو يرى أنّه، قصيدةً بعد أخرى يضيف لسلَميّة الشعر الشعراء شاعرًا له مكانته ولغته وتميّزه، لن يتوانى عن أن يحرق نفسه كاملًا في أتون الشعر، لإيمانه بأنّه سيولد في اليوم الثالث أكثر نقاء وعطاء.

الشعر والميلاد 

هناك تعليق واحد:

احمد عبد الكريم يقول...

فراس الضمان من الشعراء القلائل الذين يمتعونا بالخوص بين حروفه والسباحة ضمن صدق روحه وجمال العبارات