الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 13 ديسمبر، 2014

عن جاد الحاج و"ثلاثون حكاية"

   

دعا المجلس الثقافيّ في بلاد جبيل إلى ندوة
حول "ثلاثون حكاية" لجاد الحاج
وذلك مساء الخميس 11 كانون الأوّل 2014

هدف الندوة: إهداء الحاضرين نسخة من الكتاب لمناسبة الأعياد
وتشجيعًا للمطالعة

           أساتذتي المنتدين: راهبًا موسيقاه بَخور (الأب جان جبّور)، ومحاميًا وزناته ميزان عدل وأوزان شعر بمقياس القلب والفكر والخيال (الأستاذ يوسف أبي عقل)، وشاعرًا بيت قصيدته محجّةُ الخاشعين (الشاعر أنطوان رعد)
          حضرةَ الدكتور سمير حيدر أحمد، مقدِّمَنا المقدَّم بيننا،
          جاد الحاج، المحتفى بك شاعرًا وروائيًّا وكاتبًا جامعًا،
          أبناء بلاد جبيل،
          يا أبناء بلاد جبيل الجغرافيا، الجغرافيا المحدودةِ بين قوسَي الجبل والبحر،
          يا أبناء بلادِ جبيل التاريخ، التاريخِ المحلّقِ فوق الجبل، والماخرِ عُبابَ اليمّ،
          يا أبناءَ جبيل، يا أهلي وعائلتي،          
          مساؤكم عيدٌ/ يعودُ في دورةٍ طقسيّة تجدِّد الإيمان،
          مساؤكم خيرٌ/ في عصرٍ يريد الشرُّ أن يصولَ فيه ويجول،
          مساؤكم كلمةٌ أصدقُ إنباءً من السيفِ، مهما كَثُرتْ أسماءُ السيفِ وصفاتُه،
          هل هو أمرٌ رائعٌ ألّا تكتفي هذه المدينةُ بتوزيعِ أبجديّتِها على العالم، فترغبَ في توزيع الكتب تشجيعًا للمطالعة؟ أم هو أمرٌ مروّعٌ أن تكتشفَ المدينةُ التي نشرتِ الحرفَ في العالم أنّ الكتابَ ما عاد يجد من يرغبُ فيه طوعًا، فصار لا بدَّ من مبادرة تحثُّ الناسَ على اقتنائه؟ في الحالين، هديّةُ الميلاد الليلةَ ليست ذهبًا - مع إنّو مش غلط تكون ذهب -  ولا لُبانًا ولا مُرًّا... بل كتاب. كتابٌ يحكي، بقصص مختلفة ومتنوّعةٍ، كيف أنّ ملائكةَ السماء الذين بشّروا بأنّ المجدَ لله في العلى وأنّ على الأرض السلامَ، ضاعَ صوتُهم في ضجيج الحرب وقصفِ المدافع وأزيزِ الرصاص وصراخِ المصابين وعويلِ المحزونين. كتابٌ فيه ثلاثون حكايةً عن هشاشةِ الإنسان تستعيدُ كلُّها بطريقة أو بأخرى  كيف أنّ الثلاثين الفضّةَ كانت، ويا خوفَنا أن تبقى، أغلى من السلام وأكثرَ جذبًا من مَلِك السلام.
          هل أخيفُكم إن قلت لكم إنّ لحكاياتِ الكتابِ ألسنةَ نارٍ مَدَّتْها الحربُ في وجوهنا ساخرةً شامتة؟ هل ستقولون: مش ناقصنا حكي عن الحرب، وطبّق قلبنا من خْبار القتل، ويللي فينا مكفّينا... يمكن معكن حقّ، ولكن...
          هل كتبْنا فعلًا عن الحرب؟ هل فضحنا أسرارَها وواجهْنا صورتَنا البشعة فيها، وكيف قَتلنا وقُتلنا، وخَطفنا وخُطفنا، وذَبحنا وذُبحنا، أم أنّنا اكتفينا بشعاراتٍ رنّانة طنّانة تمدح أو تهجو، تستفزّ أو تساير، تحرّك الغرائزَ أو تخدّرُ الأعصاب؟ هل ننظر إلى أنفسنا فعلًا في مرآة الأدب والفنّ، لعلّنا نكتشف لماذا فعلنا بأنفسنا وببلادنا ما فعلنا؟ هل نجحت الأفلام التي تحصد جوائزَ وتجذب الجمهور العريض في أن تغيّر رأي مواطن واحد فقط فلا يمشي عكسَ السير (على الأقلّ) قبل أن نطلب منه نبذ الحرب والطائفيّة؟
          مئةُ عام على الحرب العالميّة الأولى والمجاعة، عشرون عامًا من الانتداب، أربعون عامًا من الحرب والتهجير والهجرة، فعمَّ تريدون أن نكتب؟ عمَّ نريد أن يكتبَ جاد الحاج؟ جاد الحاج الذي طمأنَنا، بمبادرتِه هذه، فضلًا عن مجمل تاريخِه الكتابيّ، إلى أنّ الإبداعَ المحترِف / لا العشوائيّ، الملتزِم / لا الملزَّم، لم ينتهِ، في وقت نحن أحوجُ ما نكون فيه إلى الإيمان بإنّ فَقْدَ مبدعٍ بَعْدَ آخرَ لا يعني أن نفقِدَ الأمل.
          ارتأى أديبُنا وشاعرُنا أن يوزّعَ علينا نُسخًا من كتابه، لأنّه مذ اكتشف أنّ الكتابةَ وَزنتُه فهِمَ أنّه يكتب ليكتب، يكتب لأنّه لا يستطيعُ إلّا أن يكتب، يكتب ليقرأَ ذاتَه أولًا وليقرأَ ذوات الآخرين ثانيًا... يكتب ليرى ويسمعَ ويشعرَ ويتنفّس ويحيا.
          ومن كان هذا شأنُه مع الكتابة، هل يتوقّفُ / في ما خصّ الكتب / عند مسألة "بيعٍ" تُقام حفلاتُ التوقيع بسببها، ويُدعى الناسُ من أجلها، وتُعقدُ العلاقاتُ الاجتماعيّة إكرامًا لخاطرِها، وتَستنفِرُ دُورُ النشر قدراتِها وعلاقاتِها كرمالْ سُود حروفها... من دون أن يُعطى في أكثر المرّات، لا في دور النشر ولا في إحصائيّات معارض الكتب ولا في الصفحات الثقافيّة ولا في الدراسات الجامعيّة، كبيرُ شأن للمضمون أو العمق أو المستوى أو الخلفيّة الثقافيّة.

          أيّها الأصدقاء!
          حين كتبتُ عن حكايات جاد الحاج في صحيفةِ الحياة لم أكن أعرفه معرفة شخصيّة، وحالت اللغة الإنكليزيّة دون ولوجي في عالم رواياته، وحين قرأ ما كتبته، ثمّ حين دعاني لأشاركَ في هذه الندوة لم يكن يعرفني... أشرتُ يومذاك إلى أنّ بعضَ قصصِه القصيرة مشاهدُ من روايةِ يخيّل إلينا أنّ الراوي لا يجدُ وقتاً لكتابتها أو لا يملكُ جَلَداً على حَبكها، غير أنّ هذا لا يعني أنّ القصّةَ الواحدة منها ليست عالماً متكاملاً تامًّا؛ بل على العكس، فلشدّة ما هي مكثّفةٌ ولمـّاحة، عميقةٌ وسريعة، متكتّمةٌ وفاضحة، يخطر لنا أنّ جمعَها في روايةٍ قد يعرّضُ كاتبَها للانشغال بالبنية الرابطةِ على حساب المشهد. ومع ذلك فالحكايات الثلاثون التي كتبها جاد الحاج خلالَ عشرين سنة فائتة، لها رابطٌ يتخطّى البنية الروائيّة، وراوٍ يشبه الحكواتي الشعبيّ وبطلٌ واحد هو الجسد، مُعوَّقاً ومممزّقاً وتائهاً. جسدُ الإنسان، رجلاً أو امرأة، جسدُ الوطن، لا فرق، فالحرب اللبنانيّة التي تشكّل المـُناخَ العامّ للمجموعة وحّدتِ الجسدين، قبل أن يتشظيّا معًا أشلاءَ تثير الشفقة.
          هذا ما كتبته آنذاك، أمّا اليومَ فأشيرُ، وقد لبّتِ الغريبةُ دعوة الغريب، إلى أنّ جاد الحاج هو الليلةَ بطلُ الحكايةِ الحادية والثلاثين، ونحن، المدعوّين إلى وليمة الكلمة، نحن الحاضرين هنا لنحتفيَ بالكتابِ والكاتب، نؤكّدُ أنّ البطل لا يموت، ولن يموتَ! لأنّ الموتَ لا يقوى على من يمتشقُ الكلمةَ سلاحًا، ولو أحاطَ به أهلُ الظلام والجهل وقتلوه مرّةً بعد مرّةٍ بعد مرّة! ولو غرّبوه وهجّروه وضيّقوا عليه وجعلوه يكفر بكلّ شيء ما عدا بقدرة الطبيعةِ والفنّ على اجتراح معجزة الخلاص.
          ولكنّ الظلاميّين كثر، يا أصدقاء الكلمة والكتاب!
          هُمْ في المعابد والقصور والشوارع، في وسائل الإعلام ومراكز القرار وكوابيس الأطفال، فلا تتركوا البطلَ يواجه كلَّ هؤلاء وحدَه! لا تتركوا أبجديّةً تحمل اسمَكم تتشظّى أحرفًا بعدما صنع منها جاد الحاج وسابقوه ومعاصروه، في اليوم السابع للخلق، عالمـًا من الفكر والجمال، جعل اللهَ يستمتع بيوم راحته.

          فلتكن مبادرةُ كاتبِنا، التي احتضنها مشكورًا المجلس الثقافيّ في بلاد جبيل، حافزًا لنا جميعًا لنوزّعَ الكتب إن لم نجدْ من يشتريها. فلنعلنْها ثورةً حقيقيّة، وربيعًا لا يعرفُ معناه سوى أحفادِ أدونيس، ولنتركْ كتبَنا على طاولات المقاهي، وفي الساحات العامّة، وفي قاعات الانتظار في المستشفيات والعيادات ومطارات العالم، لننسْها في سيّارات الأجرة، فلنهبْها للمدارس والجامعات والنوادي الثقافيّة قبل أن تنهبَها جيوشُ الظلام لتحرقها... فلنوزّعِ الكتبَ بعدما وزّعْنا الحرف... لعلّ العالمَ يخرجُ من افتراضٍ فرضتْه وسائلُ التواصل الاجتماعيّ، ومِن وهْمٍ  يرسمُه دخانُ أركيلة أغلى ثمنًا من كتاب،/ لعلّ هذا العالمَ التائهَ التعيس القبيح يعود إلى واقعٍ يحتاجُ إلى جهودِنا كلِّنا كي تستقيمَ أمورُه وينجوَ من الطوفان.
          جاد الحاج! لقد غبتَ كثيرًا عن اللغة العربيّة، وهاجرتَ طويلًا في بلاد الله الواسعة، تاركًا الساحةَ لأشباهِ كُتّابٍ وأشباهِ مثقّفين، ليتكَ تعدُنا الليلةَ بأن تبقى مجنونًا، ثائرًا، مختلفًا، جميلًا، معلِّمًا، شجاعًا، مقيمًا، تكتب لنفسك كما فعلتَ دائمًا... ونعدُك بألّا نكونَ أقلَّ منك جنونًا وثورةً واختلافًا وجمالًا وعلمًا وشجاعة... أليس هذا ما تريدُه أنتَ من الكتابة؟ أليستْ هذه رسالة الكتابة؟

هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

tu sais parlais : bravo

جمال السيد يقول...

بارك الله فيك يا مريم، وعافاك وزادك نور وإيمان