من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 30 ديسمبر، 2013

هدى عيد تروي حكاية "حبّ في زمن الغفلة"

هدى عيد توقّع روايتها السادسة
"حبّ في زمن الغفلة"

     هو حبٌّ غير متّصل بأل التعريف. كأنّه نكرة في زمنٍ أضيفت إليه الغفلة فعرّفته. وكيف يكون شأن زمنٍ هويّتُه الغفلة في شؤون الدين والسلطة والفكر والثقافة، وعلى غفلة منه يلتقط الناس الحبّ كما يلتقط الأولاد الفراشات؟
     هو حبّ وُلد من لقاء محرومَين: "سهيل" أستاذ جامعيّ خارج من تجربة زواج فاشلة، و"ليلى" مدرّسة تعدّ أطروحتها الجامعيّة عند هذا الأستاذ، وخارجة مثله من زواج فاشل؛ ما دفعني للتساؤل إن كان الحبّ الناضج المكتمل لا يأتي إلّا بعد تجارب فاشلة. لكنّ الروائيّة لم ترضَ لثمرتَي هذين الزواجين الفاشلين أن يأكلا حصرم الآباء والأمّهات. فـ"ريّان" ابنة "سهيل" نجحت في الحياة كمهندسة، وكذلك بشّار ابن "ليلى" الذي هاجر عند عمّه في كندا لمتابعة دراسته. وكأنّي بهدى عيد تؤكّد أنّ الرجل الفاشل كزوج ليس من الضروريّ أن يكون فاشلًا كوالد، وكذلك المرأة التي تفشل في أن تكون زوجة، قد تبرع في دور علّمها المجتمع أنّها خلقت لأدائه وهو الأمومة.
      بدت لي الرواية (دار الفارابي) وليدةَ نقيضين: لغةٍ متينة مدروسة ومشغولة بعناية فكريّة، ومجتمعٍ هشّ فوضويّ متروك لغرائزه الدنيا. وظهرت لي، أكثر من مرّة، براعة الروائيّة في التعبير عن التخبّط الاجتماعيّ بأناقة لغويّة أكاد أقول باردة. لا بمعنى عدم الانفعال الروائيّ، بل بمعنى أنّ الكاتبة تمتلك قدرة هائلة على التحكّم بخيوط الحبكة، ولكن من دون الوقوع في تشابك خيطانها. وأعترف هنا بأنّني حسدت دائمًا الروائيّين الذين لا ينغمسون في وحول المستنقعات التي يرمون فيها شخصيّاتهم. وهدى عيد، في هذا العمل، خرجت نظيفة الكفّين من عمليّة تشريح أبطال روايتها، الإيجابيّين منهم والسلبيّين، بعدما أخرجت أحشاءهم بيديها وحلّلت ما أصابهم لتضع نصب أعيننا إثباتات أكيدة على أنّ السرطان الذي نخر جسم هذا المجتمع هو الجهل (حتّى جهل أسس النظافة في شخص "صالح"، ولقد برعت الروائيّة في تصوير قذارته في أكثر من منحى).
      صحيح أنّها جعلت الحبّ خشبة خلاص من مستنقع الإثم هذا، لكنّه حبّ قائم على تجربة ومعرفة، فلا التجربة حطّمت من خاضها، ولا المعرفة كانت سطحيّة كمعرفة "صالح" طليق "ليلى"، إن في أمور الدين أو الطبّ أو أسس العلاقة الزوجيّة. ولعلّ الشخص الأكثر تعبيرًا عن يأس الكاتبة من احتمال تغيّره هو الشبح صاحب السلطة، زوج شقيقة "ليلى". ولعلّها في ذلك تريد أن تقول إنّ من يصل إلى مركز القوّة والسيطرة يفقد كلّ أمل في أن يعود إنسانًا سويًّا.
     رواية هدى عيد تستحقّ أن تكون بين أيدي الشابات والشبّان، أمّهات الغدّ وآبائه، وهم يستحقّونها، ليتعلّموا أنّ الحصول على شهادة لا يعني أنّ الإنسان صار متعلّمًا ومثقّفًا، وأن ليس من الضروريّ أن يروح الأولاد ضحايا في حال الطلاق، ونحن نعرف كم صار شائعًا في مجتمعنا، ولكن الأهمّ ليتعلّموا أنّ ما بُني على باطل يبقى باطلًا.
     ولكن، هل يحيلنا عنوان رواية عيد على رواية ماركيز: الحبّ في زمن الكوليرا (Love in the Time of Cholera)؟ لم لا؟ فالرجاء، كلّ الرجاء أن نجد الحبّ (بأل التعريف) في أيّ زمن. وإن كانت الكوليرا حجّة وهميّة في رواية الكاتب الكولومبيّ يخترعها الحبيب لينفرد بحبيبته على متن السفينة، وكان كلاهما قد تقدّم في السن، فإنّ الغفلة في مجتمعنا حقيقة راهنة، وحسنًا فعل العاشقان، في رواية هدى عيد، حين لم ينتظرا، بل غافلا الزمن وتمسّكا بحبّهما في وجه الصعوبات.   

ليست هناك تعليقات: