الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 3 ديسمبر، 2013

مسرحيّة "فرنجي برنجي" عمل متكامل أوّل لجورج تابت


مسرحيّة "فرنجي برنجي" عمل متكامل أوّل لجورج تابت
ماري القصيفي

    أترك لسواي من النقّاد الخبراء أن يدرسوا الموسيقى والرقص والغناء والأداء التمثيليّ والديكور والأزياء، في مسرحيّة "فرنجي برنجي" لجورج تابت، تأليفًا وإخراجًا وبصمةً واضحة على كلّ عنصر من عناصر هذا العمل الفنيّ الراقي. فلغة النصّ هي التي يعنيني التوقّف عندها، لأنّ فيها يصبّ الكاتب والمخرج ما اختمر في ذائقته الأدبيّة والفنيّة من عصارة المسرح الغنائيّ اللبنانيّ، وخصوصًا الرحبانيّ منه.
    بدأ جورج تابت ممارسةَ هوسه بالمسرح بعرض أعمال الأخوين رحباني، مع فريق من الهواة من بلدة بعبدا. وكان واضحًا أنّ المخرج الشابّ متشبّع من هذا الفنّ، وغارق فيه حتّى الثمالة، عالمًا بخفاياه الفكريّة، عارفًا بهواجسه الإنسانيّة، مطّلعًا على خفايا الإبداع فيه، وعمّا جعله قبلة النخبة ومقصد العامّة. لذلك، وبعدما أعاد إخراج مسرحيّات مثل صحّ النوم، والمحطّة،.. وجد أنّ الوقت أزف كي يُخرج إلى العلن باكورته المسرحيّة وهو واثقٌ من أنّ التأثّر بالرحابنة ليس عيبًا، ومحاذرٌ في الوقت نفسه ألّا يكون مجرّد صدى عابر لأعمال عاصي ومنصور، من دون أن يتناسى وديع الصافي وصباح، فيخصّهما بلفتة جميلة. لقد أراد تابت أن يرفع التحيّة للذين كوّنوا ذائقته الفنيّة فنجح، ولو أتيحت له الإمكانات الماديّة الكافية لكان، منذ العمل الأوّل، علامة فارقة جديدة في مسيرة المسرح الغنائيّ، تسعد قلوب الرحابنة ووليد غلميّة وروميو لحّود.
   "فرنجي برنجي" تحكي قصّة ضيعة اسمها "كفرجمع"، تمثّل لبنان الحالم بـ"جمع" أبنائه حوله. وفي ساحة هذه القرية، مقهى شعبيّ تصبّ الأخبار عند صاحبته "سوسان"، وبين أبنائها قصص عشق معلّقة، ومختار، ولعب طاولة، ودبكة، وشجارات نسائيّة لا يُعرف لها سبب منطقيّ... أي في اختصار هي قرية نموذجيّة، تشبه القرى أينما كان. ولكن حين تصل مجموعة من الشبّان والصبايا من المدينة للتخييم قرب المكان، يكتشف أهل القرية أنّ زمنهم كان معلّقًا على مشجب الماضي، وأنّ الحداثة تريد نفض الغبار عن ثوبٍ عتق طرازه، وحياة تجمّدت في صقيع الرتابة واجترار الحياة.
    لا شيء جديدًا إذًا في معالجة الأزمة الناشئة عن علاقة المدينة بالقرية، أو الحداثة بالتراث، أو تأثير الحياة العصريّة الماديّة على الحبّ... لا شيء جديدًا لولا اللغة التي بدا واضحًا أنّ الكاتب سكب عليها الاهتمام لتكون نواة العمل. فجاء الحوار طبيعيًّا غير مفتعل، وأتت الأغنيات التي كتبها باتريك المستحي، جزءًا لا يتجزّأ من نسيج العمل المسرحيّ، لا دخيلة عليه ولا ملصقة به بشكل مجّانيّ. فلغة جورج تابت سلسة، شعريّة، ذكيّة، ساخرة؛ لا ثرثرة فيها ولا حشو ولا مبالغة. تحمل رسائل اجتماعيّة وثقافيّة هادفة بلا وعظ أو إرشاد، وتصل إلى الفكر والقلب معًا، فتطال مختلف الفئات العمريّة، إذ يختلط فيها الجدّ بالمزاح، وتذوب الدمعة في عبّ الابتسامة، وترتسم الشخصيّات (وإن تقليديّة) على حيطان الذاكرة، كأنّها تحيي وتحيّي وجوهًا وأسماء عرفناها وانطبعت في وجداننا (المختار، صاحبة القهوة، ديبة التي يذكّرنا اسمها النادر بالفنّانة سهام شمّاس في مسرحيّة الليل والقنديل للأخوين رحباني، مرعي وابراهيم اللذان يعيدان إلى الأذهان سبع ومخّول، وراجي وحاتم، ووديع الصافي ونصري شمس الدين في سجالهما الغنائيّ).
    تسخر المسرحيّة من الوحدة الوطنيّة، فيقول "مرعي" في وصفه الضيعة: "ولك ما خلص بيكفي تقلّها لبنان ع صغير ت تعرف قدّيش نحنا متّفقين". وتغمز من قناة اللبنانيّ الذي لا يحترم إشارات السير، فيقول "ابراهيم": " مرّة قعدت جلسة صفا أنا وحماري وقلتلّو ولك يا ابني شو قصّتك ما بتوقف مش شايف الإشارة حمرا؟ المحتال جوابو تحت باطو، قلّلي شو بدّك إمشي ع النظام ويقولوا عنّي حمار؟". ولا ينسى جورج تابت أهميّة العائلة حين يدعو إلى عدم تدخّل الأهل في تقرير مصائر أولادهم، أو جعلهم نسخة عنهم، من دون أن يهملوا تربيتهم في طبيعة الحال، وهو موضوع أغنيتين لافتتين في المسرحيّة، يقول مطلع إحداها: ولادك نسخة عن شجرة/ ما بتغشّك الثمرة/ شو بتكتب ع وراق البيت/ بكتابك بدّك تقرا... ويقول مطلع الثانية: فيك توّرت لعيالك رزق وأرض وأموالك/ لكن بالمرّة ما فيك تورّت لولادك حالك... ولعلّ أغنية النهاية تنفح المسك في ختام المصالحة القرويّة/ الوطنيّة حين يصدح عبدو ياغي بصوته الشجيّ: عيش وما تخلّي مبارح/ يزعل ويجافي بكرا/ ولا تخلّي العمر السارح/ يتحوّل كمشة ذكرى/ ما الإيّام ملفوفين/ خيط ع بكرة السنين/ مين قلّك جايي بكرا/ وما بيخلص خيط البكرة؟
   من السهل أن يجد الناقد ثغرات في عمل، هو الأوّل لمؤلّفه ومخرجه، وأكثر المشاركين فيه هواة (كنت أتمنّى مثلًا ألّا يكون اسم المسرحيّة فرنجي برنجي). لكن حين تصل نقاط القوّة في النصّ وكلمات الأغنيات والإخراج والموسيقى وأداء بعض الممثّلين والديكور والملابس إلى مستوى راقٍ ولافت، بل مفاجئ في كثير من المشاهد، حين يحصل ذلك، تغيب الأخطاء تحت ستار اللفتة الساخرة الذكيّة، وتختفي الهفوات خلف كواليس الهواية البكر، ويغفر الشغف لجورج تابت وفرقته المسرحيّة زلّات فنيّة ترافق الخطوة الأولى التي أتت متكاملة وإن غير كاملة.
    الفرنجي، أي الأجنبيّ، برنجي وهي كلمة تركيّة تعني "ممتاز" بحسب تحليل أنيس فريحة، في معجم الألفاظ العاميّة. وفي الجمع بين الفرنجة والأتراك والفرس وغيرهم، تكاد الهويّة اللبنانيّة أن تضيع. فهل يكون، في تشجيع هذا النوع من الأعمال المسرحيّة الغنائيّة الواعدة، ما يطمئننا إلى أنّ الوطنيّ هو الممتاز؟ 
***
* يُعرض العمل على مسرح أنطوان شويري - الحكمة - الجديدة
***

الفنّان عبدو ياغي في دور المختار مع جورج تابت كاتب العمل ومخرجه في دور ابراهيم
يقول عبدو ياغي في مقابلة أجريت معه عن رأيه في العمل مع هواة: أنا الهاوي وهم المحترفون


العمل أنيق، يولي الجماليّة اهتمامًا كبيرًا، فبدا كلّ مشهد لوحة منسجمة الألوان 

مزج التقليد والحداثة في مشهد واحد للدلالة - وإن بمبالغة وسخرية مقصودتين - إنّ التعايش بين القديم والجديد ممكن 

أبناء المدينة الآتون لإقامة مخيّم صيفيّ في القرية يتعلّمون الدبكة

مايا الأسمر القصيفي في دور "سوسان" صاحبة المقهى
فيها ملامح من الشخصيّات المسرحيّة لفيروز وسلوى القطريب



نيللي معتوق في دور مرجانة المرأة الثرثارة. وهو في رأيي طغى على أعمالها التلفزيونيّة
ولفتة ذكيّة أن تُكون حاملًا لأنّ النصّ المسرحيّ يعالج دورها كأمّ "تعمل في الشأن العام" أي نقل أخبار الناس

ابراهيم يحاول أن يدخل عصر الحداثة (السترة المودرن فوق الشروال)
ويرقص مع "لولا" الفتاة التي أحبّها ابن المختار


ريتا جبر في دور ديبة (إلى يمين الصورة) وأنطوانيت نخلة في دور سعدى (إلى اليسار)
موهبتان فذّتان في الأداء المسرحيّ، يصعب أن يصدّق المشاهد أنّهما هاويتان غير محترفتين.


سعدى وابراهيم اللذان شاخا قبل أن يكوّن العريس نفسه ليتزوّج من حبيبته

تعابير الوجه لم تؤخذ كثيرًا بجديّة في الأعمال المسرحيّة الغنائيّة، على عكس ما نراه هنا

يوسف ابن المختار ولولا ابنة المدينة، عاشقان جمعهما الزمان ويكاد المكان أن يفرّقهما
(رودي قليعاني وريتا متري)


مختار قرية "كفرجمع" فيه ملامح من وديع الصافي ونصري شمس الدين... بصوت فريد من نوعه

رالف معتوق في دور مارك: من التلفزيون إلى المسرح
موهبة تجمع بين العفويّة والدراسة، وتنتظر الدور الذي يطلق قدراتها


إيلي صوايا: صوت يفرض قوّته وبراعته بلا ادّعاء 

الابن الذي يحاول التوفيق بين والديه

ابراهيم ومرعي: قُطبا العمل المشدود بين الأداء التمثيليّ للأوّل والأداء الغنائيّ للثاني
(جورج تابت وإيلي وإيلي صوايا)


الجيل الجديد حين يخربط رتابة الحياة عند الجيل القديم

إدارة الممثّلين ممتازة، لا يغيب تفصيل عن عين المخرج
كأن لا وجود لكومبارس على المسرح
بل الجميع عناصر فاعلة وحاضرة




لوحات الرقص لافتة وجميلة



بطاقة العمل الفنيّة:

التأليف والإخراج: جورج تابت
الشِعر: باتريك المستحي
الموسيقى: نادر خوري
التوزيع الموسيقيّ: جورج مرعب
الكوريغرافيا وتصميم الرقص: ساسين فهد
مساعد المخرج: رودي قليعاني
تصميم الديكور: طوني خلف
تصميم الملابس: كمال الدين سردوك

فرقة Mozaic
سارين أنطونيوس
جويل حدّاد
راكيل بردويل
سارة شدياق
باتريسيا ملّاط
ميريم قصيفي

جول طبنجي
إيلي كميد
باتريك طبنجي
جورج أنطونيوس

فرقة Magma Group
جيمي قزّي
ماريان صوايا
بياتريس حكيّم
لوتشيانا قزّي
ميريم شامي

بلال أسعد
خضر زبيدي
سرجيو ترك

ليست هناك تعليقات: