من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 1 يناير، 2014

باسكال عسّاف: وجهُ الشعر خلف قناع القصّة




باسكال عسّاف بين كتابيه: أوبرا الوجع ووجوه وأقنعة









في مجموعة نصوص سمّاها المؤلّف، أو الناشر (دار نلسن)، قصصًا قصيرة، بدا لي واضحًا أنّ باسكال عسّاف شاعر يحاول أن يختفي خلف قناع القصّة. وإذا انتبهنا إلى أنّ النصوص كتبت بين 2008 و2010، استنتجنا أنّه وضعها - ربّما - قبل أن ينصرف إلى الشعر، عبر الفيسبوك وشبكة الإنترنت، وقبل أن يتحدّى قلقه وينشر مجموعته الشعريّة الأولى الصادرة كذلك لدى دار نلسن عام 2012 بعنوان "أوبرا الوجع". فهل كان باسكال يخشى أن يعترف لنفسه بأنّه شاعر، فاختار القصّة القصيرة ليعبّئها بشحنات صاعقة من عاطفته الجامحة وخياله الخصب وأفكاره الخارجة عن السائد والمتعارف عليه في القصّة القصيرة؟ 
     أكاد أقول بلى.
     فقصص باسكال عسّاف ليست قصصًا بالمفهوم المعروف للقصّة. بل هي أقرب إلى شذرات حكائيّة، تجمع بين الدهشة والسخريّة اللاذعة والصورة الغريبة، كأنّ الرجل يقيم في قصّة خرافيّة مخيفة، أو خارج من مدرسة السحر، أو مهووس بعالم سورياليّ، حتّى أتت النصوص، المختلفة حجمًا، لمحات من مجتمع مجنون، للفقير فيه اللوعة، وللعاشق الخيبة، وللموت الغلبة. لذلك فلا يستغربّن القارئ إن تذكّر ابن المقفّع حين يقرأ في الكتاب قصصًا تدور على ألسنة الحيوانات، أو إن استعاد ملامح من عالم زكريّا تامر الرازح تحت الخيبة والأسى، أو شعر بأنّ بعض القصص تتشابه في إيقاعها وخلاصتها. فباسكال عسّاف هو هو في قصصه التي تشبه الشعر، أو في شعره ذي النفحة القصصيّة، قد يتأثّر بهذا أو ذاك من السابقين والمعاصرين، لكنّه يبحث بأظافره الحادّة عن هويّته الخاصّة، وعن لغة وصور لا يمكن أن تكون لسواه.
       لكنّ باسكال الذي يكتب أكثر ممّا يتنفّس، يحتاج إلى من "يصنعه". وفي هذا لا أضع الملامة عليه. كلّنا في حاجة إلى من يصنعنا، وحين انتظرنا بلا طائل، رمينا أنفسنا في محيط النشر والتوزيع ونحن لا نكاد نجيد العوم. وهنا المغامرة المعموديّة التي لا بدّ لعسّاف أن يمرّ فيها. في بلاد تحترم الفكر والكتابة والنشر، لا تقوم دار النشر على شخص واحد: يقرأ ويقرّر وينقّح ويرافق الكتاب، طباعة وإخراجًا، من لحظة تكوينه إلى لحظة ولادته وخروجه إلى الضوء. ولكن القرّاء الذين يخذلون، عامًا بعد عام، الأدباء ودور النشر ومعارض الكتب والمكتبات، يجعلون صدور الكتاب عمليّة قصيريّة خطيرة في مستشفى حكوميّ قيد الإنشاء... وبالتالي عمليّة تعجيزيّة، يدفع ثمنها الكاتب والناشر: مالًا وتعبًا وخيبة أمل من شركات التوزيع.
      وباسكال عسّاف، مذ واكبته عبر الفيسبوك، موهبة مرميّة في الافتراض، تحتاج إلى من يخرجها إلى الواقع، وصورة شعريّة بكر في حاجة إلى من يفضّ بكارتها لينجب منها القصائد، وخيالًا جامحًا يحتاج إلى من يحسن توجيهه لا إلى من يروّضه، ولغة بريّة لا يمكنها أن تدخل إلى مجتمع النشر بلا تشذيب وتهذيب وتصحيح.
     "صناعة" الشاعر ليست وظيفة الشاعر، ومن سوء حظّ باسكال وسواه من المُقدمين على هذه المغامرة الشيّقة، أنّهم يذهبون إلى بيت القصيدة في زمنِ هدم البيوت فوق رؤوس أصحابها، ويغامرون في نشر الشعر في زمنِ "نشر" الأعراض وقطع الرؤوس، ويمارسون حريّتهم في العشق والكتابة في زمن التحريم والتحليل. ومع ذلك، يبقى باسكال عسّاف في هذه النصوص الغريبة صوتًا صارخًا في بريّة القمع، وقلبًا شجاعًا أمام رؤوس خانعة، وطفلًا خائفًا على أطفال العالم من الفقر والعوز والظلم، ورجلًا شيّبت شَعرَه هموم البشريّة، وبيّض شِعرُه وجهَ حكاياته.
       وفي انتظار أن نتعلّم كيف نساعد شاعرًا على الانطلاق، وقصصيًّا على البوح، وروائيًّا على سبر غور المرحلة، سنبقى كلّنا، وباسكال معنا، نتخبّط في أمواج الكتابة... ليكون لنا على الأقلّ شرف المغامرة!

ليست هناك تعليقات: