الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 17 يناير 2015

غيابك يشيّئني (من كتابي أحببتك فصرت الرسولة)

رجل وامرأة - بيكاسو

غيابك يشيّئني
أصير شيئًا في غيابك
شيئًا ما
بابًا
مشجبًا
طاولة
بيتًا متروكًا للسكوت بعدما هجره الشعر
أتجوّل في غرف ذاتي
فأرى وجهي في مرآة التصق بها غبارٌ يتأمّل غباءَه وهباءَه
ألمس إناء الزهر البِلا زهر فيناجيني خواؤه
أنظر إلى المقعد المكفّن بغطائه الأبيض
وأشعر بالحزن على لقاءاتِ حبّ ماتت في حضنه ولا تنتظر قيامة
تستيقظ أشباح الماضي في غيابك الذي يشيّئني
تولد من الغرف الباردة
وتسخر من شكلي الشبيه
بالمرآة الغبراء
والإناء الخاوي
والمقعد المكفّن
***
يخرج الشبح الأوّل من غرفة النوم ويقول لي:
"ألم تعدي نفسك بأنّك لن تنامي إلّا ومن تحبّينه يحتضن شوقك؟
أليس لأنّني لم أكن هذا الشخص تركتني؟
فما بالك اليوم وحيدة؟"
ويخرج الشبح الثاني من غرفة الطعام شامتًا
وهو يقول:
"ألم تطرديني لأنّني لم أجد الوقت لأكونَ معك إلى مائدة العيد
وقلتِ لي يومها:
من لا وقت عنده لي لا مكان له عندي؟
فكيف تقبلين بأن تكوني وحدك
وقد أهديت ذاك الرجل الأمكنة كلّها والأزمنة كلّها؟"
ويخرج الشبح الثالث من غرفة الجلوس
وهو يذكّرني بأنّني قطعت علاقتي به لأنّه لم يجالس حزني
ولم يسهر معي ليلة بكيت عجزًا وقهرًا وغضبًا
وها أنا عاجزة أمام المرض
مقهورة من عبث الحياة
غاضبة على كرويّة الأرض وتسطّح العقل
ومن أريده أن يجالسَ حزني ويمسحَ دمعتي ليس معي
الشبح الرابع يغنّي
وهو يؤكّد لي بأنّني ضيّعت في الأوهام عمري
والخامس يسألني عمّا حقّقته في الحياة
والسادس يدلّ الآخرين على تجاعيد وجهي وبياض الجذور في شعري المهمل
والسابع يذكّرني بأنّني مجرّد ناسكة في صومعة كلمات لا قيمة لها
تختلط أصواتهم في رأسي
ويذوب بياضهم في بياض الأكفان التي تغلّف المقاعد والطاولات التي تتحوّل بدورها أشباحًا راقصة صاخبة ساخرة
***
في غرف ذاتي الباردة عناكبُ تنسج بيوتها في الزوايا
تمدّ شباكَها لعلّها تلتقط حشراتٍ تنقذها من الجوع
على الجدران ترسم العفونة لوحاتٍ خطوطُها خضراءُ تتحوّل سوداء
ومفاصل الأبواب تئنّ من الرطوبة الدبقة وتؤلّف موسيقى تأنس إليها الأشباح
أنتظر دفء يدك يشعل عاطفةَ الجدران
يضخُّ المياهَ في شرايين البيت الجافّة
يزرع النور في ثريّات العمر المطفأة
يمسح الغبار عن مرايا الذاكرة
ينثر الورود في المزهريّات ويسقيها عشقًا
يحوّل أغطية المقاعد فساتينَ أعراس
ويطرّزها بخيوط الشمس التي فتح لها الأبواب والشبابيك
يفجّر شلالات الموسيقى في صحراء الصمت...
أنتظر وأنتظر وأنتظر
أصير شيئًا
شيئًا ما
شيئًا صغيرًا
شيئًا تافهًا
شيئًا لا مشيئة له
شيئًا لا يشاؤه الآخرون
شيئًا من مجموعة أشياء
***
يشيّئني غيابك
ويبلّد مشاعري الانتظارُ
فأتحوّل مرآة لم تعد تتوقّع وجهًا يقتحم الغبار
مزهريّة لا تريد حياة تشرئبّ بعنقها منها وتعانق السماء لساعات ثمّ تذبل
مقعدًا باردًا يتمسّك بالغطاء الأبيض ويلتفّ به لمجرّد أن يطمئنّ إلى أنّه ليس وحده
لا أشعر سوى بالبرد
الطقس دافئ وأنا محاصرة بثلج جسدي
والطرقاتُ إلى ذاتي مقطوعة بسبب الانهيارات
أرتدي كلّ الملابس التي في خزانتي ولا أشعر بالدفء
أتقوقع تحت أغطية الأسرّة فيزداد الصقيع في قلبي
أمزّق الستائر عن النوافذ وأختبئ فيها فيجد البرد وسيلة ليتسلّل إلى عظامي
أنظر إلى السجّادة الملفوفة في الركن
وأفكّر في أن جثّة مخبّأة فيها أسعدُ حظًا من جثّة مرمية على جانب الطريق
الأمور نسبيّة، أليس كذلك أيها العالم؟
وأنا الآن شيء
مجرّد شيء
وليس من المفروض أن أشعر بالبرد أو الحرّ أو الشوق أو الضجر
شيء لا يشبه لوحة ثمينة يخاف عليها مالكها من الضوء وتغيّرات الطقس
ولا يشبه إناء بلّوريًّا أثريًّا يُخشى عليه من عبث الأيدي
أو كمانًا مشغولاً بعناية وذوق وموهبة يطمع به جامعو القطع الفنيّة
أو خاتمًا لا مثيل لحجره الكريم
أو منحوتة نادرة يتسابق لاقتنائها أثرياء العالم
أنا قطعة من ملايين القطع الصينيّة الرخيصة التي تبصقها ملايين المعامل على أرصفة الشوارع
التي لا تشبه في شيء خزفيّات تلك البلاد القديمة وحريرها وزجاجها وورقها
قطعة سخيفة تشبه غيرها
ولن يتأثّر العالم بانكسار نفسها أو تمزّق أحلامها أو تقطّع أوصالها أو تشيّؤ إحساسها
***
في غيابك أضع ذاتي في علبة صغيرة
لأهرب من أشباح الماضي التي تريد أن تمتصّ ما تبقّى من لوني
لعلّها تسترجع ألوانها
وأخفي العلبة في دُرج الخزانة المركونة في زاوية الغرفة
وأقفل باب الغرفة في البيت المتروك للسكوت
وأمحو من ذاكرتي لونَ العلبة وموضع الدُرج وموقع الخزانة وباب الغرفة ومكان البيت
وأنسى أنّني موجودة
أضع ذاتي في العتمة
وأضيّع ذاتي
كي لا تصفعني خيبتها
ويجرحني تعبها
ويبكيني شكلُها
الشبيهُ بالمرآةِ العاجزة عن غسل وجهها
والمزهريّةِ الجافة الأحشاء
والمقعدِ المشلول 

هناك تعليقان (2):

الازهرى يقول...

تصفيق حاد للغاية

ماري القصيفي يقول...

شكرًا لك صديقي الأزهري
تحيّاتي