الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 28 أبريل، 2012

المقيم فيّ (النصّ العاشر من كتابي رسائل العبور - 2005)


Emile Vernon
1919 - 1872

خرج الرجل من تحت جلدي في ما يشبه الولادة المتعسّرة: في ألم وأمل!
ولكن حين امتلك هذا الكائن خصوصيّته، علمت أنّ الحبّ وحده لن يكفي للتعامل معه. بل تحتاج العلاقة إلى كثير من الحكمة والحريّة والمسافة، والقسوة أحيانًا. وعرفت، من دون أن أعرف كيف، أنّ ذاك الذي أسميته العابر احترامًا لكينونته وقدره هو المقيم المقيم. وهو الذي أدركت وجوده قبل أن يوجد. وهو الذي يجب أن أستعدّ دائمًا لمزاجيّة تحوّلاته.
ولعلّ أكثر ما يزعجني في مثل هذه التحوّلات عجزه عن الكلام حين تكون هذه اللغة هي الوحيدة المتاحة. ليس الكلام في المعنى الحرفيّ للكلمة، فنحن قد نثرثر لساعات، متناولَين تفاصيل اليوم، ومتبادلَين أحداث النهار وبدايات الليل، كلّ في مكان عمله، مع الطارئين على الحياة أو الثابتين فيها. ولكن ما أقصده هو الكلام النابع من الداخل والمعبّر عن مشاعر أو أفكار أو حاجات حميمة. كأنّما المر يحتاج إلى مزيد من الثقة بالآخر الذي هو أنا، أنا التي تشعر مرّات كثيرة أنّها الدخيلة الغريبة البعيدة المؤقّتة الهامشيّة العابرة. وهذا ما أتأكّد منه كلّما أصابه الندم بعد كلمة عميقة تفلت منه، أو عندما يطلق تعليقًا يزيل الحجب عن مكامن القلق فيه، أو عندما ينقل خبرًا كان من الأفضل ألّا يشير إليه، مع أنّ هذا الخبر يكون في أكثر الأحيان بسيطًا، عاديًّا، طبيعيًّا، متوقّعًا ومعروفًا. يصيبني عندئذ حزن غريب عمره آلاف السنين وأشعر بأنّي صغيرة وعاجزة ووحيدة، فتنكسر الأشياء والأصوات، ويغرق العالم في صمت ما قبل الصلب.
ومع ذلك فلا أعتقد أنّ هناك من هو أكثر وحدة من صديقي، هذا الذي يحبّ أن يصوّر نفسه وكأنّه أكثر الرجال شعبيّة، وقدرة على التواصل، وموهبة في التعاطي بالشأن العامّ، وذو براعة اجتماعيّة تخوّله الانسجام مع أصعب أنواع الناس.
وهذا كلّه صحيح، فلا أعتقد أنّ ساعات النهار والليل تكفي لينهي واجباته العائليّة، أو ليلبّي الدعوات الاجتماعيّة، أو ليشارك في المتاح أمامه من نشاطات فكريّة وثقافيّة. ولكنّ ذلك كلّه لم يقنعني بأنّه ليس إنسانًا وحيدًا وحزينًا. ألا يمكن أن يكون الأمر كلّه مجرّد رغبة منّي في أن أراه هكذا، كي أجد حاجة ماسّة إلى وجودي في حياة ممتلئة أساسًا بناس كثر، حتّى أنّي أتساءل إن كان غيابي أو حضوري سيشكّلان فرقًا.
منذ زمن بعيد وأنا اشعر بأنّ ثمّة رجلًا يقيم تحت جلدي ولا يشبه رجلًا آخر. وعندما التقيت صديقي وجهًا لوجه وأحببته كما هو، اكتشفت أنّه يشبه الرجل الذي أحبّ أن أكونه.

ليست هناك تعليقات: