الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 19 فبراير، 2010

بين السينما والحياة

فاتن حمامة وعمر الشريف


أمضت طفولتها ومراهقتها في مشاهدة الأفلام. كان ذلك زمن الأبيض والأسود. حينذاك كانت الأفلام، العربيّة منها والأجنبيّة، تنتهي بقبلة تعلن نجاح الحبيبين في تحقيق اللقاء الأخير. وحين تظهر كلمة النهاية تبدأ أحلام تلك الفتاة المراهقة في حبك قصّة مماثلة تكون هي بطلتها.
لم يخبرها أحد ماذا يحصل بين الرجل والمرأة بعد القبلة، عندما يغلق باب الغرفة وتنطفئ الأضواء. ولذلك كانت نظراتها تعلق بالشفاه الملتصقة، في براءة، عهدَ الأفلام الأولى، وفي نهم، زمنَ الجرأة، ولا تبتعد عنها كأنّ الزمن توقّف فجأة.
وكبرت الفتاة. وأخذت تواعد الشبّان، وحين كان الأمر يميل نحو ما هو أكثر من القبلة كانت تنسحب متذرّعة بحجج مختلفة ما أغضب الرجال وأبعدهم عنها. ومع ذلك لم تقل لأحد أنّها لا تعرف كيف تجري الأمور بعد القبلة. فالأفلام لم تخبرها شيئًا عن ذلك، وخيالها لم يستطع الوصول إلى تفاصيل العلاقة بين الرجل والمرأة. ولأنّها لا تريد أن تخطئ أو تبدو جاهلة، فضّلت الابتعاد.
حاولت بمختلف الطرق أن تسرق المعلومات، وأن تعرف ماذا يجري بعد ذلك، فاستغلّت عصر الفيديو الما قبل عصر الفضائيّات، وأخذت تشاهد الأفلام الإباحيّة التي تستعيرها من رفيقاتها. غير أنّ الأمر أثار فيها الاشمئزاز بسبب التناقض بين رومنطيقيّة القبلة وشاعريّتها وشفافيّتها ورقّتها بين ممثّلَين جميلين ومشهورين، والتصرّفات المفتعلة والجافّة التي تحصل بين ممثّلين مجهولين وفاشلين لا يتبادلان القبلات بل الشركاء، بلا إخلاص أو وفاء.
بين هذين العالمين المتناقضين، عرفت أنّ ثمّة حلقة مفقودة. لكن من يدلّها عليها؟ فلا يمكن أن يكون ما بعد القبلة العميقة المشاعر بين الحبيبين يشبه ما يجري بين هذين الجسدين المدّعين. بلى، كانت مقتنعة بأنّ الحبّ في الأفلام العاطفيّة أقرب ما يكون إلى الواقع الجميل، في حين أنّ ما يجري في الأفلام الإباحيّة أقرب ما يكون إلى الخيال المريض ولا يعقل أن يمارس الناس ما يشبهه.
خلال علاقاتها العاطفيّة المبتورة القصيرة الأمد، حاولت أن تستدرج الرجال كي يُعلموها بما يجري ويعلّموها إيّاه، فكانت تطرح عليهم الأسئلة كأنّها تقيم معهم حوارًا فكريًّا عميقًا. غير أنّ الرجال لا يحبّون الكلام في هذا الموضوع ويفضّلون الانطلاق مباشرة إلى العمل. لذا كانت آمالها تخيب في سرعة وتتخشّب مشاعرها ويظهر عليها جمود مباغت يصيب الآخر بالعجز.
ولم يحبّها أحد إلى درجة التكلّم معها. هذا ما كانت مقتنعة به، ولم يحبّها أحد إلى درجة أن يحزر ماذا تريد أن تعرف وماذا تريد أن تقول وماذا تريد أن تفعل. كان الآخر في نظرها ممثّلاً فاشلاً، لم يحفظ نصّه ولم ينتبه إلى تعليمات المخرج، ولم يؤدّ دوره كما يفترض به أن يفعل.
فقط لو انّ الحياة بمثل براءة تلك الأفلام. كانت تفكّر. لكانت تصرّفات الرجل والمرأة متناسقة ومنسجمة، ولكانت الآلام أنيقة، ولكان الفراق قصيرًا، ولكانت النتيجة معروفة: احتضان دافئ وقبلة رقيقة، وموسيقى ناعمة ولو كان أحد الحبيبين على فراش الموت.
غير أنّ الحياة ليست كذلك. في الحياة روائح لا تنقلها الأفلام، وأجساد حقيقيّة تفرز العرق المالح ويتساقط عنها الشعر لينتشر في كلّ مكان.
في الحياة يغضب الرجال، ولو عاشقين، ويتفوّهون بكلمات مؤذية ومهينة ليست من صلب الحوار ولم تسمعها في أيّ فيلم.
وفي الحياة يمثّل الرجل عليها ولا يمثّل معها.
تأخّرت كثيرًا قبل أن تكتشف الفرق بين السينما والحياة، وقبل أن تعترف أنّ لهؤلاء الممثّلين حياة حقيقيّة كتلك التي تعجز عن عيشها، وأنّ القبلة بداية لا نهاية، وأنّ النهاية ليست دائمًا سعيدة.


ليست هناك تعليقات: