السبت، 7 يونيو 2014

صوتك بالجبل تفّاح


عَرْبَشْ عَليي الْحِزِنْ وطالِعْ عَ بالي صيرْ حَيْطْ الصّمْتْ

***
خَبّصِتْ بِغيابَكْ عِنَبْ عُمري
تَ يصيرْ نِقْطةْ خَمر عَ تِمَّكْ
وشو عادْ بدّو الْعُمُرْ يا عُمْري
إلّا الصُّبحْ يِهواكْ والْمسا يِضمَّكْ
 ***


صَوْتَكْ بالجبلْ تفّاحْ
وبالسهلْ ليمونْ
ومتلْ شهقةْ فجرْ
دَقّ بالزيتونْ
صوتكْ إلو ريحةْ أرضْ
غَسّلا أيلول
ونغمةْ هوا مارق 
على الوزّالْ
وبس تسكتْ وما تقولْ
بيصيرْ ضِحكةْ ميّْ
رقصةْ فيّْ
رنّةْ حَلَقْ
رشّةْ حَبَقْ
ومتل المسيحْ 
الْقالْ استحي يا ريحْ!
ومرّاتْ صوتكْ بَرْدْ
وشجرهْ براسْ الجِردْ
ومرّات رغبةْ وردْ
ت ينقودو عصفورْ
وضحكةْ طِفلْ خلقانْ
مش فزعانْ
ودمعةْ بنتْ
صارتْ مَرْةْ
رِجّال بتحبّو 

الخميس، 8 مايو 2014

إبقي عروسًا ليطول عمر الفرح


إلى باتريسيا ... إبقي عروسًا ليطول عمر الفرح

     يا صغيرتي الطفلة التي كبرتِ على غفلة منّا، مذ اتّصلت أمّك وقالت إنّها ستمرّ لبضع دقائق لتراني، شعرت بأنّ العمر مرّ بسرعة، لكنّه لم يضع. وكانت بطاقة الدعوة إلى حفل إكليلك، في يدها المرتعشة تأثّرًا، دليلًا يؤكّد لي أنّ الأمّ التي تعبت وربّت وَجَدَت، وكانت النظرة الهاربة في عينَيّ والدك إثباتًا على أنّ الأبّ الذي تعب وربّى وَجَدَ، وكنتُ أمامهما أشهد على حبٍّ أنجب حبًّا. وأفرح لأنّ الدنيا لا تزال بخير!
    قبلَك، يا صغيرتي الشابّة، تزوّج زملاء لك وزميلات، فشهدت على تكوّن عائلاتهم، واستُشرت في تربية أولادهم. لكن، قبلك، لم تصلني دعوة لأكون حاضرة فأراك تقولين نعم للحبّ والعائلة والالتزام والمسؤوليّة والعلم والعمل... هكذا كنتِ دائمًا ولا أراك إلّا هكذا، وسعيدٌ من سيقول لك نعم لأنّه التقى فيك بالحياة التي لا تعرف اليأس، وبالعزيمة التي لا تخشى الصعوبات، وبالمحبّة التي لا تعرف إلّا الفرح.
    لكنّك اليوم يا صغيرتي العروس، لستِ مجرّد فتاة ترتبط بشاب، أنت سفيرتنا الجديدة إلى بلاد الغربة التي تبقى بعيدة ولو صار العالم قرية كونيّة. أنتِ سفيرة عاداتنا وتقاليدنا، وهويّتنا المعجونة بتراب الأرض وهواء الفضاء ودم الشهداء ونور الشمس وهاجس الحريّة والتوق للمعرفة. أنتِ حاملةُ وطنَك في فكرك المنذور للعطاء، وحاضنة عائلتَك في قلبك الموعود بأطفال لهم إرثُك الحضاريّ، والمؤتمنة على تاريخِك المجبول ألمًا وأملاً. فلا ترضي بأقلّ ذلك.
    إبقي عروسًا يا صغيرتي الكبيرة، ليطولَ عمرُ الفرح في بيتك وبيت أبويك وبيت حمويك، واكبري بالنعمة التي وُهبتها، مذ قال إيلي، والدك، لجوسلين، زوجته وحبيبة قلبه، فليكن لنا فتاة كلوحةٍ يشعّ منها ضياءُ السماء، فأجابته جوسلين: وليكن لنا صبيّ كمعزوفةٍ تحمل آهاتِ العشّاق السعداء. وتكلّلي، يا ابنة الحكمة، بالحكمة التي أضفتِ إليها، مذ كنت تلميذة تلتهم الكتب ولا تشبع من المعرفة، كثيرًا من ذكائك وابتساماتك وتواضعك. ولا تنسي أنّ وسادتك ستبقى ملهوفة لتضعي رأسك عليها، وتعودي طفلة يحوطها أهلها بالدلال والاهتمام... ومن كان لها مثل هذه الأرض، وذلك البيت، وتلك الوسادة فلن تبتعد مهما غرّبتها الأيّام، ولن تكون غريبة أينما ذهبت في العالم.

    كوني سعيدة... ليطولَ عمرُ الفرح في قلوبنا!

السبت، 12 أبريل 2014

فيلم دعائيّ عن رواية للجبل عندنا خمسة فصول



شكرًا للصديق الروائيّ والمخرج المصريّ سمير زكي على برومو دعائيّ لروايتي "للجبل عندنا خمسة فصول". هي هديّة قيّمة أعرف كم تطلّبت من جهد للدخول في دهاليز الواقع اللبنانيّ بحسب رؤيتي الروائيّة له، وللتعبير عن رؤيته لأجواء الرواية بطريقة فنيّة راقية ولافتة وشفّافة...
وشكري العميق للآنسة ناريمان عبدون على مشاركتها في الفيلم...
https://www.youtube.com/watch?v=F-rDKDKRol4&hd=1

السبت، 29 مارس 2014

ثياب الفصول


     في مثل هذه الأيّام، نقوم، نحن المتوسّطي الحال، بلملمة ثيابنا الشتائيّة لنخبّئها لشتاء جديد، ونقول، ونحن نخفيها في الحقائب وعلى الرفوف العلويّة: "يدرى من يعيش للسنة الجايي". وهكذا نفعل مع نهاية الصيف. نقف على عتبات الفصول والخزانات، وننظر إلى ثيابنا، ونسأل إن كانت تصلح للسنة المقبلة، أم نتبرّع بها للمعوزين. ثمّ نتذكّر أنّنا على شفير العوز، وقد لا نستطيع في السنة المقبلة أن نشتري ما هو أفضل منها، فنبقيها قرشًا أبيض لليوم الأسود. فنحن لقلّة إيماننا نخاف أن ينسانا الله فلا يلبسنا كما ألبس زنابق الحقل، فنحتفظ بملابسنا العتيقة وأحذيتنا المتعبة من سنة إلى سنة عزيزة غالية كـ"عهد الولدنة".
     وحين نفعل ذلك مع تبدّل الفصول والحرارة، نعرف أنّ هذا الطقس الوجوديّ المتأمّل يخصّنا وحدنا، نحن أبناء الطبقة المتوسّطة القليلي العدد. فالأغنياء لا يعرفون هذه التساؤلات، وإن كنت في الحقيقة لا أعرف ماذا يفعلون تحديدًا في مثل هذا الوقت. فهل يهتمّون شخصيًّا بترتيب الخزانات أم يوكلون الأمر لخدمهم ومدبّري شؤونهم؟ وهل يتركون كلّ شيء في مكانه، وينتقلون إلى غرف أخرى وخزانات أخرى وقصور أخرى وبلدان أخرى لدى تغيّر الفصول، أم إنّ الفصول تتغيّر إكرامًا لخواطرهم ورغباتهم؟ وهل يحتفظون بالملابس من سنة إلى سنة أم إنّ أرباب دور الأزياء لا يسمحون لهم بذلك؟
     والفقراء أيضًا لا يعانون من هذه المشكلة، فالملابس قليلة، لا تحتاج إلى كلّ هذا التخطيط والتفكير والتدبير. هم كأشجار الغابات التي لا تغيّر ملابسها مهما تبدّلت الفصول، وكأزهار الربيع التي تملك ثوبًا واحدًا، ومتى تساقطت وريقاتها الهشّة ظهرت في عري الذبول والموت.
    المشكلة عندنا نحن الذين لا نزال نملك إلى لحظة كتابة هذه السطور أكثر من ثوب وأكثر من حذاء وأكثر من حقيبة يد. ولعلّ سياسة الدولة الاقتصاديّة ستريحنا قريبًا من هذا العبء، ولن نفتّش بعد الآن عن يوم عطلة نقوم فيه بـ"ضبّ تياب الشتي"، وتحضير ملابس الربيع والصيف.
    نحن فقط المتأمّلون في حركة الفصول وتعاقبها وجمال كلّ منها. ونحن فقط المتسائلون عن مخبآت الأيّام الآتية، ونحن فقط الخائفون من اللعب مع الوقت والزمن، ومن مرور الوقت والزمن، ونحن فقط حاضنو الذكريات المعلّقة في كُمّ ثوب والفائحة من ثنية ياقة. ولولانا لما كان لقضيّة بسيطة كهذه أن تحتلّ حيّزًا من الاهتمام وعددًا من الكلمات. فلولانا نحن الواقفين على عتبات الفصول، والمحتفلين بالطقوس، لمرّ الشتاء بلا مطر، والخريف بلا رياح، ولعَبَر الصيف بلا شمس والربيع بلا زهر.

(النهار – الاثنين 29 آذار 2004)

الاثنين، 24 مارس 2014

عن كتاب "أحببتك فصرت الرسولة" - بقلم علوان حسين


     

     

     أقترح أن يدرّس كتاب ماري القصيفي (أحببتك فصرت الرسولة) في المدارس والمعاهد والكليّات ككتاب حكمة ودين، يعلّم الناس معنى الحبّ والشفافيّة والجمال، الحبّ في معناه العميق الذي إن لامس القلب يغيّر ويعيد تكوين صاحبه بنوع من المسّ الكهربائيّ الذي يصقل القلب والروح ويعيد صياغة الجسد أيضًا، فيعلم الناس حبّ أجسادهم، ومحاولة فهم لغة الجسد وإيماءاته، كما يعلّمهم طريقة التعبير عن ذلك الحبّ بلغة شعريّة فاتنة.
    والكتاب نثر مكتوب بلغة شعريّة راقية، نكاد أن نرى الحروف وهي ترقص طربًا ثملة بالحبّ، والكلمات هي الأخرى مثل الأجساد تتمايل مع النسيم الهابّ من منطقة خلاّبة خفيّة تكمن هناك في أعماق اللاوعي نسميها القلب تارةً والوجدان تارة أخرى.
     لم أقرأ من قبل حتّى مع نشيد الأناشيد بعذوبته الفائقة و(الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع) بجماله الأخّاذ وما كتب نزار قباني من شعر، كتابًا يأخذ بالألباب بمثل هذه الطرافة والفتنة الآسرة. فهو أقرب لروح الموسيقى التي باستطاعتها وحدها جعلنا نحلّق بعيدًا عن أجسادنا، موسيقى خفيّة صوفيّة في بعض الأحيان وحسيّة في أكثر الأحيان، لكنّها موسيقى من نوع خاص تمزج ما بين الكلمة وفنون أخرى، فتأخذ من السرد رشاقته، ومن النغم لطفه ورقته، ومن الرسم تلاوينه، في تشكيل ساحر، يمنحني أنا القارئ المتعة والنشوة والجمال وكأنّني أمام كتاب سماويّ لنبيّة جديدة آتية من العصر، وتكتب بروح العصر وزمانه.

الأربعاء، 19 مارس 2014

فعل ندامة

Bernie Boston

خائفة
خائفة جدًّا!
فأنا لا أعرف إن كنت تسبّبت 
من غير قصد طبعًا 
في ما يحصل لكم اليوم يا أطفال سوريا ...
كان ذلك من زمن بعيد
وكان القصف عنيفًا
وكنت صغيرة
وكنت خائفة
أنا دائمًا خائفة 
يومها بكيت وغضبت وصرخت بين قذيفتين
سائلةً سماء خرساء:
"
يللي عم يقصفونا ما عندن ولاد؟"
والله، لم أكن إلاّ خائفة
خائفة جدًّا،
وجاهلة 
جاهلة جدًا،
لم أعرف أنّ السماء بعيدة 
وأنّ هدير الطائرات قويّ
وأنّ السماء لم تسمع إلّا الكلمة الأخيرة من سؤالي
وفهمتْ ما لا يمكن أن يخطر لي!
اغفروا لي يا أطفال سوريا
كنت صغيرة وخائفة
خائفة جدًّا
ولا أحد غيركم يمكن أن يفهم الآن 
كيف يكون هذا النوع من الخوف!
الخوف الذي يقول للطفل:
إذا أردت أن تنجو فستكون شيطانًا
وإن أردتَ أن تبقى ملاكًا فعليك أن تموت!
وأنا خائفة... لأنّني نجوت!

الأحد، 23 فبراير 2014

ماري القصيفي ومحاولة الإستشفاء من الحرب باستحضارها


ماري القصيفي ومحاولة الإستشفاء من الحرب باستحضارها
الكاتبة اللبنانية ماري القصيفي تضع يدها على جرح لم يندمل حتى اللحظة، تلملم خيوط القدر والحرب والمعاناة لتنشد السلام.
العرب منى الرنتيسي [نُشر في 15/02/2014، العدد: 9470، ص(16)]
ماري القصيفي تخاطب الحرب علها تجد خلاصا منها
في رواية “للجبل عندنا خمسة فصول” للأديبة اللّبنانية “ماري القصيّفي” الصّادرة عن “دار المشرق” 2014، تحاول الكاتبة الاستشفاء من الحرب الطائفيّة التي ما زالت رياحها تعصف بلبنان حتى هذه اللّحظة، هو الجبل اللّبناني الجنوبيّ بين قضائي الشّوف وعالية، هناك حيث تزيد الفصول العادية فصلا دائما للحرب والدماء.
تعود الكاتبة إلى ما قبل مئة وعشرين سنة إلى مجازر 1860، وتروي استرجاعا تاريخيّا لحرب الجبل بين المسيحيين والدروز، وتسير بنا في سرد مخضّب بالدم والحرب والنزوح والدمار، وتمرّ على عدّة تواريخ ومراحل مفصليّة حتى تصل إلى يومنا هذا.
مقبرة الألم
بطلة روايتها “سلوى بو مرعي” ابنة الجبل الّلبناني والشّاهدة على مأساة كانت أكثر من دفع ثمنها وعاش تفاصيلها، شقيقها التوأم “سليم” الذي كان يعاني من مرضٍ عقليّ منذ الولادة، ممّا كان السّبب في جعل والدتها تنقم عليها وتعتبرها من سلبت لبّه، هي التي كانت شديدة الفطنة والذَكاء والجامحة دوماً نحو المعرفة.
لم يبق لكلّ تلك المعرفة وزن، بعدما تركت سلوى وعائلتها الجبل هربا من الحرب، لتتعثر خطاها عند اللّحاق بركب الهاربين، وتتعرّض لحادثة اغتصابٍ تفقدها كل الآتي من مستقبلها، وتتسبّب لها مع الحرب بمرضٍ نفسيٍّ عصبي، علاوةً على مقتل أبيها وجدّها وهجرة أخيها في ظروفٍ غامضةٍ وملتبسة، كل ذاك يبقيها حبيسة دار استشفاء “دار الصليب”.
يحاول من بقي من عائلة سلوى وخاصّة ابنة خالتها “مي الريحاني” مساعدتها على الاستشفاء من أهوال الحرب والنزوح والاغتصاب، من خلال حثّها على التدوين وسرد التفاصيل التي عايشتها على الورق، علّ ذلك يصير مقبرةً لألمٍ لم تفلح العقاقير ولا المسكّنات ولا دور الاستشفاء في إبراء سلوى منه.
في الجبل تلتقي سلوى “العمّ أديب” الذي يحتفظ بذاكرةٍ خصبةٍ عن كلّ ما جرى أثناء الحرب وما بعدها، فيروي لها الكثير من القصص، لعلَها تجد طرف خيطٍ يساعدها على معرفة من كان وراء مقتل أبيها وجدّها، إضافةً إلى ذلك يساعدها ابن العمّ أديب “جورج” الذي كان مغترباً في الحصول على وثائق دوّنتها طبيبةٌ سويدية “جوزيان أندريه” أثناء وجودها في لبنان وعملها في فرق الإغاثة خلال الحرب.
لم يعد يليق بالحرب إلا أن تكون حبيسة الكتب ووثائق المذكرات
في الجبل تلتقي سلوى أيضا “أنطوني خيرالله” ذاك الشَاب الذي نشأ يتيماً وعانى أهوال الحرب، لكنّه أفلح في مواجهتها بشجاعةٍ والانتصار على معظم تبعاتها، أرادت مي ابنة خالة سلوى أن تتعلّم من الطبيبة جوزيان الإيمان، حيث تسلحت به طيلة فترة العمل في الفرق الإغاثيّة، حتى تمكّنت من إنجاز مهمّتها بنجاح، وأن تتعلّم كذلك من أنطوني الشجاعة والعزم في التّغلب على المصاعب وأهوال الحروب.
تذهب سلوى إلى الجبل وتبدأ بوضع حجر الأساس لبنائها الروائي الذي لم تتمكن من تعمير آخر طبقاته وكسوه بالشّفاء والنسيان والمصالحة، واكتساب الشجاعة والإيمان، حيث استبقها الموت قبل أن تستبق الحياة بمصالحة أو حتى بمهادنة، لتتوفى بالسرطان وفاةً جسديةً بعدما قضت نفسيّاً وعاطفيّاً منذ زمن طويل، وكأنّ الموت أتى في اللّحظة التي بدأت فيها سلوى تستعيد عافيتها للحياة!
حرب في كتاب
لكن كيف ذلك وهي التي حكم عليها المجتمع بالإعدام على ذنبٍ لم تقترفه، غير أنّ القدر كتب لها أن تحيا في بلدٍ تعصف به الحروب الأهليّة والدّموية التي لا تبقي ولا تذر، هي ضحيّة جشع الحرب الّتي لا تكتفي بسلب الأرواح والدماء والمستقبل، وإنّما بسلب فتاةٍ جميلةٍ وذكيّة حقّها في الزّواج والإنجاب، لأنّها لم تكن على مقاس مجتمعٍ منافقٍ وقاسٍ ومجحفٍ في أحكامه.
فبدل أن ينصفها ويعيد إليها حقّها ويعاقب الجناة، ها هو يعاقبها بعقوبةٍ أشدّ قسوة من فعل الجاني نفسه، عندما يحرمها من الزواج، لا بل وينهال عليها بوابلٍ من الشائعات والأقاويل التي لا تنضب بل تبقى مستنقعاً تفوح منه جلّ روائح الاتَهامات والرّذائل النّتنة، لتعود سلوى وتجري تقييماً للمجتمع من نوع آخر فتقول:
“أنظر إلى الهرّةٌ التي ترتع آمنةً في حديقة العمّ أديب، وأحسدها على هناءة ما هي فيه، تتمدّد على العشب وتدعو جراءها للرّضاعة من أثدائها الصّغيرة، فتسرع الهررة الصغيرة كي تلبّي الدّعوة المنتظرة.
كيف يكون بوسع الإنسان أن يحسد حيواناً؟ هل تدهورت حياتنا البشريةٌ إلى حدّ صار الناس يأكلون بعضهم والحيوانات ترعى بعضها؟ كيف يمكن أن أكون أنا سلوى بو مرعي امرأةً وحيدةً متروكة، لا رجل يشتهي قربها ولا أطفال يتناولون الحليب من صدرها، أمّا هذه الهرّة فوجدت ذكراً، وأنجبت جراء تلعب وهي مطمئنّة إلى حنانها وعطفها؟”
إذن هي سلوى التي تبعثرت أنوثتها في أغبرة حربٍ لا تبقي ولا تذر، ابنة الجبل والدم والتشرّد والضّياع، وضحيّة الجهل وقسوة مجتمعٍ لم يهتد إلى الأمان والتعايش الحقيقيّ حتى هذه اللّحظة، ولازال أبناؤه يتجرّعون مرارة حربه موتاً وتشرّداً وظلماً وقسوة.
تخاطب الكاتبة الحرب علّها تجد خلاصاً منها، تحاكي العنف عله ينقلب رحمة، تضع يدها على جرحٍ لم يندمل حتّى اللّحظة، تستحضر بطلة شكّلت حياتها قصةً متكاملة لمأساةٍ حقيقيّة، تلملم خيوط القدر والحرب والمعاناة لتقول بحنكتها الروائية كم عسانا أن نستحق العيش بسلام!، كم سلوى صنعنا وكم من حق أخريات ألا يتجرّعن مصيراً مماثلاً، حينها سيكون الشّفاء الحقيقيّ من حربٍ لم يعد يليق بها إلا أن تكون حبيسةً لأغلفة الكتب ووثائق المذكّرات والماضي الذي لن يعود من جديد.

الخميس، 20 فبراير 2014

لولا حبّك

في مأتم أنسي الحاج (عن صفحات التواصل الاجتماعيّ)

لولا حبُّك، وضحكةُ الطفلِ الذي نال اليوم جائزةً لأنّه مجتهد، ووالداي العجوزان:
لقلتُ إنّ الحياةَ هناك صارت أجمل:
حيث أنسي الحاج وجوزف حرب يتناقشان في من يحبّ فيروز أكثر
فيتدخّل عاصي ومنصور الرحباني مُصلحَين
وينضمّ إليهما سعيد عقل ووديع الصافي ونصري شمس الدين وجوزف صقر
وترنو ناديه تويني إلى الجميع عاتبة، فيحاول شوشو أن يضحكها
ويقول عصام محفوظ لبول غيراغوسيان ووليد عقل: ألم أقل لكما إنّهما لن يكبرا؟
فتبتسم سلوى القطريب وهند أبي اللمع ورضا خوري
ويكتم زكي ناصيف رغبته في مشاكستهما
ويهبّ فيلمون وهبي يريد الكلام فيمنعه أنطوان ريمي وميشال طراد
ويحاول عصام رجّي أن يعطي رأيه، فيسكته سمير يزبك هامسًا: هالكبار بالحبّ متل الزغار
وينفعل ملحم بركات يريد أن يغنّي
فيقول أبو ملحم لإم ملحم: "اعملي ركوة قهوة، صار واصل إيلي صنيفر"
فتضحك فريال كريم وعليا نمري وليلى كرم وبدور
ويقهقه فهمان ودرباس وشكري
ويعلن محمد شامل إنّو الدنيا هيك ورح تضل هيك
ويلتفت ريمون جبارة إلى صباح قائلًا: لو بيعرفوا الناس مين يللي حبّك عن جدّ
فيجيب برج فازليان: هون كلّنا منعرف كلّ شي
ويصل آخرون كثيرون: شعراء وفنّانون ومطربون وصحافيّون ومسرحيّون
وترتفع الأصوات هازجة بالحياة
فيسأل الله وقد شعر بأنّ عهدًا جديًا قد بدأ في السماء:
هل صار لبنانُ كلُّه هنا؟

الأربعاء، 12 فبراير 2014

أنسي الحاج... قم واحمل قلمك واكتب!









     حين أسّست مجلة "البراعم" في مدرسة الحكمة – فرع مار يوحنّا - برازيليا، وأطلقت أقلام التلامذة براعم واعدة في أرضها الخصبة، طلبت من الصديق الزميل نوفل ضو، وكان يعمل وقتذاك في ملحق النهار العربيّ والدوليّ، أن يسعى لدى أنسي الحاج (واسمه أكبر من أيّ لقب) لكي يكتب لي، بخطّ يده، نبذة مختصرة عن سيرة حياته.
    كنت أريد أن أجعل التلامذة على تواصل، ولو غير مباشر، مع الأدباء: إن عبر مقابلات صحافيّة (كالمقابلة التي أجروها مع توفيق يوسف عوّاد وكانت آخر حديث له قبل مقتله في القصف على السفارة الإسبانيّة في بعبدا، ثمّ مع إميلي نصرالله في منزلها الذي صار أثرًا بعد عين) أو عبر ندوات مباشرة (كالتي أجروها مع جبّور الدويهي حول كتابه عين وردة)، وكثير من مثل تلك الأنشطة الثقافيّة، التي أعتبرها أكثر أهميّة ممّا يجري بين جدران الصفّ الخانقة، وصفحات كتاب، ضيّق الأفق، مهما اتّسع مداه وتنوّعت نصوصه.
     أنسي الحاج كان ينأى بنفسه عن اللقاءات المباشرة، وكنت أرى أنّ التلامذة سيجدون صعوبة في مواجهته وجرّه إلى الكلام (ربّما كنت على خطأ، فأنا لا أعرفه شخصيًّا)، لذلك كانت هذه الأوراق بخطّ يده، وسيلة لجعله في متناول التلامذة. فجعلتها، فضلًا عن نصوص كثيرة من مجموعته "كلمات كلمات كلمات"، وسيلتي لتكريمه وشكره على وضع ذاته بين أيدينا وتحت أنظارنا، عبر كلمات حاول كثر تقليدها وفشلوا.

     أنسي الحاج! قم واحمل قلمك واكتب!

الأحد، 9 فبراير 2014

عن أيّ موارنة نتحدّث؟





(2011)
     مع انتخاب بطريرك غير ملتحٍ ليكون سيّدًا لبكركي، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الطائفة المارونيّة التي أتى راعيها وجهًا إعلاميًّا مألوفًا، لا يؤمن بالصمت والعمل خلف الكواليس، بل على العكس، اصطحب معه إلى الصرح الأب فادي تابت الخبير في الإطلالات اللافتة، وهو وجه فنيّ تحبّه عامّة الموارنة ولا يزعجها منه أن يكون راهبًا اختار، لا العزلة والنسك، بل الصلاة على طريقته المسرحيّة والغنائيّة الخاصّة. وحين ظهر البطريرك بشارة الراعي في ولاية تكساس معتمرًا قبعة رعاة البقر، ترسّخت أكثر فأكثر صورة "البطرك" المختلف غير المتخلّف عن ركب الحداثة وعصر الإعلام وتأثير الصورة في لاوعي "القطيع الصغير" وهو تعبير يحبّ الموارنة أن يُنعتوا به.

     لذلك من المهم أن يُعاد النظر في تكوين المجتمع المارونيّ، ورصد التغيّرات التي لم تبقه ذلك القطيع الصغير الهارب بين الأودية والجبال هربًا من الاضطهاد. ولا يخفى أنّ الأمر يتطلّب جرأة في الإجابة عن السؤال الأهمّ: عن أيّ موارنة نتحدّث؟ وهل استطاع المجمع المارونيّ الأخير أن يضع الخطوط العريضة (على الأقلّ) لما صار عليه الموارنة؟ وهل يكفي استذكار التاريخ المجيد لنطمئنّ إلى المستقبل القريب؟

     الحرب اللبنانيّة الطويلة، التهجير والهجرة، ثورة الاتّصالات، سرعة المواصلات، كلّها مجتمعة نقلت الموارنة من عهد يغلب عليه طابع الجبل والزراعة إلى طابع مدينيّ لا علاقة له بالأرض، بل صار "التغريب" وأقصد به التطلّع نحو الغرب حلاًّ مثاليًّا لهؤلاء الذين اعتبروا، عن خطأ أو عن صواب، أنّ الشرق يبتلعهم وأنّ العرب يرفضونهم، وأنّ الإسلام يريدهم أهل ذمّة. ولكنّ التغريب لم يزد الموارنة إلاّ تشتّتًا وضياعًا لأنّه لم يتّكئ إلّا على مظاهر خارجيّة سطحيّة وسخيفة، لم تطل الجوهر. وها هي الثورات العربيّة تكشف تمسّك العرب المهاجرين إلى الغرب بهويّتهم ولغتهم (على اختلاف هويّاتهم الدينيّة والحضاريّة) في حين لا يعرف الموارنة من هم وماذا يريدون.

     كيف تبدو صورة الموارنة اليوم؟ بعدما كانوا إلى الأمس القريب علماء وشعراء وقدّيسين، يبدو الشعب المارونيّ الآن موزّعًا بين العمل قطاعات الخدمات (مصارف، سياحة، مطاعم، فنادق، نقليّات، تخليص معاملات...)، أو العمل في المجال الفنيّ الترفيهيّ الذي لا يتطلّب دراسة أو تعبًا أو وقتًا. ما يعني أنّ المارونيّ الذي كان مزارعًا، يستقرّ في الأرض ويرتبط بها، ويعطيها بصبر ومحبّة لتعطيه بسخاء ومحبّة، صار لجوجًا يريد الربح السريع مهما كان نوع العمل. كلّ هذا والكنيسة المارونيّة، بكهنتها ورهبانها وراهباتها وعلمانيّيها، تمضي إلى أواخر عهدها الذهبيّ، واثقة الخطوة ملكة ستبكي قريبًا على مجد أُعطي لها فبدّدته.
     لم يرغب أحد في رؤية علامات الأزمنة، ورفض الجميع الاعتراف بارتدادات الهزّة الكبيرة التي أصابت الموارنة يوم دخلوا كطائفة في السياسة وأزمات المنطقة وهم غير مسلّحين بوحدتهم أو فكرهم أو تاريخهم أو إيمانهم. وهذا الغباء المقرون بالكبرياء كان الضربة التي قضت على إمكان خلاصهم وتخليص سواهم، لا المسيحيّين من مذاهب أخرى فحسب بل كلّ راغب في الحريّة والديمقراطيّة والعلمنة. ولم ينتبه أحد إلى انخفاض عدد المتفوّقين في المدارس، أو عدد الناجحين في الجامعات الأجنبيّة، أو عدد المنتسبين إلى وظائف حكوميّة تجعل الموارنة جزءًا أصيلاً من تركيبة الدولة لا عنصرًا غريبًا مفروضًا لحفظ توازنات معيّنة. ولم يحصِ أحد في المقابل عدد البرامج التلفزيونيّة السخيفة والمهينة التي تعرضها شاشات مسيحيّة ومارونيّة، أو عدد المتقدّمين إلى برامج النكات والألعاب أو عدد المتسكّعين في النوادي الليليّة، أو عدد هواة الفنّ الرخيص، وما إلى ذلك من مؤشّرات تفضح التغيّرات التي تصيب هذه الطائفة التي كانت تفتخر حين يُشبّه العلماء في العالم بهم، فإذا بهم اليوم مسخرة الشعوب بسبب انقساماتهم وضياعهم وجبنهم.
     لا مانع في أن تحدّد الكنيسة المارونيّة رغبتها في هذه "الحداثة"، لكن عليها أن تعلن ذلك بالفم الملآن، وعلى مسمع الجميع وأن تعترف بأنّ المارونيّة الجديدة لا علاقة لها بالنسك أو الصومعة أو الدير، هي مارونيّة حديثة ولها مواصفات تختلف عمّا كانت عليه إلى زمن قريب.
***
حين عُرض مسلسل "الشحرورة" اكتشف المتابعون أنّ جدّها كان كاهنًا. وسمعت كثيرين يتساءلون في ريبة عن مآل الأمور في عائلة ربُّها ووليّ أمرها كاهن، فكيف يكون والد صباح على هذه القسوة وكيف يكون لوالدتها عشيق وكيف ترحل حفيدة خوري الضيعة حلف حلمها الفنيّ لتعود بعدد من الأزواج لم يحمل لها أحد منهم بعض سعادة؟ وأيّ دور للكنيسة ولهذا الجدّ الكاهن في توجيه هذه العائلة وتصويب مسارها ومسيرتها؟ سؤال يصحّ طرحه على الكنيسة المارونيّة في كلّ مناسبة.
الممثّلة............. ابنة كاهن.
الممثّلة ........... شقيقة راهبين.
المغنّي .............. شقيقه كاهن.
المغنّي ............. شقيقه راهب.
المغنّي ........... صار راهبًا.
تاجر المخدّرات..............شقيقه كاهن
ضحيّة جرعة زائدة .................أبوه كاهن
مدمن كحول......................أبوه كاهن
راقصة ومغنيّة في ملهى ليلي...............أبوها كاهن

     من جهتي أفضّل بما لا يقاس مغنيًّا بسيطًا على كاهن كاذب، أو ممثّلة عاديّة على كاهن مغرور. وأفضّل قطعًا أن يعيش الكاهن وأهل بيته كما يحلو لهم ولكن...ليس على حسابي.
     لا أعطي هذه الأمثلة للإدانة، فمن حقّ كل إنسان أن يختار رسالته في الحياة والطريقة التي يجد أنّه يخدم الله (إن كان مؤمنًا بالله) والمجتمع (إن كان ذا حسّ اجتماعيّ)، ولكن من حقّي أن أتساءل عن الخلل الذي سبّب هذا الشرخ العموديّ ولا أقول الأفقي كي لا تبدو في الكلام مفاضلة بين رسالة الكهنوت وأيّة رسالة أخرى. والتساؤل مشروع حين نحسب نسبة تزاوج الفنّ والدين، أو تزواج السياسة والدين، أو تزاوج الحزب والدين، في طائفة صارت قليلة العدد، وذلك في غياب، أو على الأقلّ انخفاض النسبة في تزاوج العلم والدين، أو الفلسفة والدين، أو الفنّ الراقي والدين...أعطي هذه الأمثلة إذًا لأسأل إن كان المجتمع المارونيّ قد استوعب التغيّرات التي طرأت عليه وهضمها كي تتكوّن شخصيّته الجديدة التي لا تطرح تساؤلات عمّا إذا كان الكاهن يوافق على تمثيل أخته أو ابنته أدوارًا عاطفيّة حميمة، أو إن يرضى بنشر صور أمّه وزوجته وبناته وصديقات أولاده في أوضاع قد لا تتناسب مع صورته كرجل دين ذي جبّة وياقة وصليب. فنحن في النهاية لسنا في أوروبا أو أميركا.
     ليس خطأ أن يختار أولاد الكهنة أو أخوتهم أو هم أنفسهم الغناء أو التمثيل، لكن لماذا لم نسمع بالذين اختاروا فنّ الرسم أو العزف أو الشعر؟ ولماذا لم نعرف بأمر متفوّق منهم في العلوم التطبيقيّة؟ الجواب البسيط هو الأضواء والشهرة والكسب السريع.
حتّى الشهرة والربح الماديّ ليسا خطيئة، ولكن تحت أيّ عنوان نضع صور زوجات الكهنة وبناتهم في لباس البحر وهي منشورة على صفحات التواصل الاجتماعيّ المتاحة للجميع؟ وما هي الرسالة التي يحملها البذخ في ممارسة الرياضة المكلفة واختيار الملابس الأنيقة وعمليّات التجميل وارتياد أرقى الجامعات، أمام مجتمع ترتفع فيه نسبة الفقر والعوز؟ وكيف نفهم أن يؤمّن كاهن كلّ ذلك لعائلته وهو يتعالى عن قبول حسنات أبناء الرعيّة وبدل أتعابه في القداديس؟ ألم يسأله أحد من أين لك هذا؟

     هل يكفي ذلك أم نفتح صفحة المغتصبين والمعتدين والسارقين ومجرمي الحرب الذين خلعوا ثوب القتال وارتدوا ثوب الكهنوت ليهربوا من العدالة أو سجّل المرشّحين لمراكز أسقفيّة ولا يزال التحقيق جاريًا في شؤونهم؟

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.