الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 9 فبراير، 2014

عن أيّ موارنة نتحدّث؟




(2011)
     مع انتخاب بطريرك غير ملتحٍ ليكون سيّدًا لبكركي، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الطائفة المارونيّة التي أتى راعيها وجهًا إعلاميًّا مألوفًا، لا يؤمن بالصمت والعمل خلف الكواليس، بل على العكس، اصطحب معه إلى الصرح الأب فادي تابت الخبير في الإطلالات اللافتة، وهو وجه فنيّ تحبّه عامّة الموارنة ولا يزعجها منه أن يكون راهبًا اختار، لا العزلة والنسك، بل الصلاة على طريقته المسرحيّة والغنائيّة الخاصّة. وحين ظهر البطريرك بشارة الراعي في ولاية تكساس معتمرًا قبعة رعاة البقر، ترسّخت أكثر فأكثر صورة "البطرك" المختلف غير المتخلّف عن ركب الحداثة وعصر الإعلام وتأثير الصورة في لاوعي "القطيع الصغير" وهو تعبير يحبّ الموارنة أن يُنعتوا به.

     لذلك من المهم أن يُعاد النظر في تكوين المجتمع المارونيّ، ورصد التغيّرات التي لم تبقه ذلك القطيع الصغير الهارب بين الأودية والجبال هربًا من الاضطهاد. ولا يخفى أنّ الأمر يتطلّب جرأة في الإجابة عن السؤال الأهمّ: عن أيّ موارنة نتحدّث؟ وهل استطاع المجمع المارونيّ الأخير أن يضع الخطوط العريضة (على الأقلّ) لما صار عليه الموارنة؟ وهل يكفي استذكار التاريخ المجيد لنطمئنّ إلى المستقبل القريب؟

     الحرب اللبنانيّة الطويلة، التهجير والهجرة، ثورة الاتّصالات، سرعة المواصلات، كلّها مجتمعة نقلت الموارنة من عهد يغلب عليه طابع الجبل والزراعة إلى طابع مدينيّ لا علاقة له بالأرض، بل صار "التغريب" وأقصد به التطلّع نحو الغرب حلاًّ مثاليًّا لهؤلاء الذين اعتبروا، عن خطأ أو عن صواب، أنّ الشرق يبتلعهم وأنّ العرب يرفضونهم، وأنّ الإسلام يريدهم أهل ذمّة. ولكنّ التغريب لم يزد الموارنة إلاّ تشتّتًا وضياعًا لأنّه لم يتّكئ إلّا على مظاهر خارجيّة سطحيّة وسخيفة، لم تطل الجوهر. وها هي الثورات العربيّة تكشف تمسّك العرب المهاجرين إلى الغرب بهويّتهم ولغتهم (على اختلاف هويّاتهم الدينيّة والحضاريّة) في حين لا يعرف الموارنة من هم وماذا يريدون.

     كيف تبدو صورة الموارنة اليوم؟ بعدما كانوا إلى الأمس القريب علماء وشعراء وقدّيسين، يبدو الشعب المارونيّ الآن موزّعًا بين العمل قطاعات الخدمات (مصارف، سياحة، مطاعم، فنادق، نقليّات، تخليص معاملات...)، أو العمل في المجال الفنيّ الترفيهيّ الذي لا يتطلّب دراسة أو تعبًا أو وقتًا. ما يعني أنّ المارونيّ الذي كان مزارعًا، يستقرّ في الأرض ويرتبط بها، ويعطيها بصبر ومحبّة لتعطيه بسخاء ومحبّة، صار لجوجًا يريد الربح السريع مهما كان نوع العمل. كلّ هذا والكنيسة المارونيّة، بكهنتها ورهبانها وراهباتها وعلمانيّيها، تمضي إلى أواخر عهدها الذهبيّ، واثقة الخطوة ملكة ستبكي قريبًا على مجد أُعطي لها فبدّدته.
     لم يرغب أحد في رؤية علامات الأزمنة، ورفض الجميع الاعتراف بارتدادات الهزّة الكبيرة التي أصابت الموارنة يوم دخلوا كطائفة في السياسة وأزمات المنطقة وهم غير مسلّحين بوحدتهم أو فكرهم أو تاريخهم أو إيمانهم. وهذا الغباء المقرون بالكبرياء كان الضربة التي قضت على إمكان خلاصهم وتخليص سواهم، لا المسيحيّين من مذاهب أخرى فحسب بل كلّ راغب في الحريّة والديمقراطيّة والعلمنة. ولم ينتبه أحد إلى انخفاض عدد المتفوّقين في المدارس، أو عدد الناجحين في الجامعات الأجنبيّة، أو عدد المنتسبين إلى وظائف حكوميّة تجعل الموارنة جزءًا أصيلاً من تركيبة الدولة لا عنصرًا غريبًا مفروضًا لحفظ توازنات معيّنة. ولم يحصِ أحد في المقابل عدد البرامج التلفزيونيّة السخيفة والمهينة التي تعرضها شاشات مسيحيّة ومارونيّة، أو عدد المتقدّمين إلى برامج النكات والألعاب أو عدد المتسكّعين في النوادي الليليّة، أو عدد هواة الفنّ الرخيص، وما إلى ذلك من مؤشّرات تفضح التغيّرات التي تصيب هذه الطائفة التي كانت تفتخر حين يُشبّه العلماء في العالم بهم، فإذا بهم اليوم مسخرة الشعوب بسبب انقساماتهم وضياعهم وجبنهم.
     لا مانع في أن تحدّد الكنيسة المارونيّة رغبتها في هذه "الحداثة"، لكن عليها أن تعلن ذلك بالفم الملآن، وعلى مسمع الجميع وأن تعترف بأنّ المارونيّة الجديدة لا علاقة لها بالنسك أو الصومعة أو الدير، هي مارونيّة حديثة ولها مواصفات تختلف عمّا كانت عليه إلى زمن قريب.
***
حين عُرض مسلسل "الشحرورة" اكتشف المتابعون أنّ جدّها كان كاهنًا. وسمعت كثيرين يتساءلون في ريبة عن مآل الأمور في عائلة ربُّها ووليّ أمرها كاهن، فكيف يكون والد صباح على هذه القسوة وكيف يكون لوالدتها عشيق وكيف ترحل حفيدة خوري الضيعة حلف حلمها الفنيّ لتعود بعدد من الأزواج لم يحمل لها أحد منهم بعض سعادة؟ وأيّ دور للكنيسة ولهذا الجدّ الكاهن في توجيه هذه العائلة وتصويب مسارها ومسيرتها؟ سؤال يصحّ طرحه على الكنيسة المارونيّة في كلّ مناسبة.
الممثّلة............. ابنة كاهن.
الممثّلة ........... شقيقة راهبين.
المغنّي .............. شقيقه كاهن.
المغنّي ............. شقيقه راهب.
المغنّي ........... صار راهبًا.
تاجر المخدّرات..............شقيقه كاهن
ضحيّة جرعة زائدة .................أبوه كاهن
مدمن كحول......................أبوه كاهن
راقصة ومغنيّة في ملهى ليلي...............أبوها كاهن

     من جهتي أفضّل بما لا يقاس مغنيًّا بسيطًا على كاهن كاذب، أو ممثّلة عاديّة على كاهن مغرور. وأفضّل قطعًا أن يعيش الكاهن وأهل بيته كما يحلو لهم ولكن...ليس على حسابي.
     لا أعطي هذه الأمثلة للإدانة، فمن حقّ كل إنسان أن يختار رسالته في الحياة والطريقة التي يجد أنّه يخدم الله (إن كان مؤمنًا بالله) والمجتمع (إن كان ذا حسّ اجتماعيّ)، ولكن من حقّي أن أتساءل عن الخلل الذي سبّب هذا الشرخ العموديّ ولا أقول الأفقي كي لا تبدو في الكلام مفاضلة بين رسالة الكهنوت وأيّة رسالة أخرى. والتساؤل مشروع حين نحسب نسبة تزاوج الفنّ والدين، أو تزواج السياسة والدين، أو تزاوج الحزب والدين، في طائفة صارت قليلة العدد، وذلك في غياب، أو على الأقلّ انخفاض النسبة في تزاوج العلم والدين، أو الفلسفة والدين، أو الفنّ الراقي والدين...أعطي هذه الأمثلة إذًا لأسأل إن كان المجتمع المارونيّ قد استوعب التغيّرات التي طرأت عليه وهضمها كي تتكوّن شخصيّته الجديدة التي لا تطرح تساؤلات عمّا إذا كان الكاهن يوافق على تمثيل أخته أو ابنته أدوارًا عاطفيّة حميمة، أو إن يرضى بنشر صور أمّه وزوجته وبناته وصديقات أولاده في أوضاع قد لا تتناسب مع صورته كرجل دين ذي جبّة وياقة وصليب. فنحن في النهاية لسنا في أوروبا أو أميركا.
     ليس خطأ أن يختار أولاد الكهنة أو أخوتهم أو هم أنفسهم الغناء أو التمثيل، لكن لماذا لم نسمع بالذين اختاروا فنّ الرسم أو العزف أو الشعر؟ ولماذا لم نعرف بأمر متفوّق منهم في العلوم التطبيقيّة؟ الجواب البسيط هو الأضواء والشهرة والكسب السريع.
حتّى الشهرة والربح الماديّ ليسا خطيئة، ولكن تحت أيّ عنوان نضع صور زوجات الكهنة وبناتهم في لباس البحر وهي منشورة على صفحات التواصل الاجتماعيّ المتاحة للجميع؟ وما هي الرسالة التي يحملها البذخ في ممارسة الرياضة المكلفة واختيار الملابس الأنيقة وعمليّات التجميل وارتياد أرقى الجامعات، أمام مجتمع ترتفع فيه نسبة الفقر والعوز؟ وكيف نفهم أن يؤمّن كاهن كلّ ذلك لعائلته وهو يتعالى عن قبول حسنات أبناء الرعيّة وبدل أتعابه في القداديس؟ ألم يسأله أحد من أين لك هذا؟

     هل يكفي ذلك أم نفتح صفحة المغتصبين والمعتدين والسارقين ومجرمي الحرب الذين خلعوا ثوب القتال وارتدوا ثوب الكهنوت ليهربوا من العدالة أو سجّل المرشّحين لمراكز أسقفيّة ولا يزال التحقيق جاريًا في شؤونهم؟

ليست هناك تعليقات: