الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 23 فبراير، 2014

ماري القصيفي ومحاولة الإستشفاء من الحرب باستحضارها


ماري القصيفي ومحاولة الإستشفاء من الحرب باستحضارها
الكاتبة اللبنانية ماري القصيفي تضع يدها على جرح لم يندمل حتى اللحظة، تلملم خيوط القدر والحرب والمعاناة لتنشد السلام.
العرب منى الرنتيسي [نُشر في 15/02/2014، العدد: 9470، ص(16)]
ماري القصيفي تخاطب الحرب علها تجد خلاصا منها
في رواية “للجبل عندنا خمسة فصول” للأديبة اللّبنانية “ماري القصيّفي” الصّادرة عن “دار المشرق” 2014، تحاول الكاتبة الاستشفاء من الحرب الطائفيّة التي ما زالت رياحها تعصف بلبنان حتى هذه اللّحظة، هو الجبل اللّبناني الجنوبيّ بين قضائي الشّوف وعالية، هناك حيث تزيد الفصول العادية فصلا دائما للحرب والدماء.
تعود الكاتبة إلى ما قبل مئة وعشرين سنة إلى مجازر 1860، وتروي استرجاعا تاريخيّا لحرب الجبل بين المسيحيين والدروز، وتسير بنا في سرد مخضّب بالدم والحرب والنزوح والدمار، وتمرّ على عدّة تواريخ ومراحل مفصليّة حتى تصل إلى يومنا هذا.
مقبرة الألم
بطلة روايتها “سلوى بو مرعي” ابنة الجبل الّلبناني والشّاهدة على مأساة كانت أكثر من دفع ثمنها وعاش تفاصيلها، شقيقها التوأم “سليم” الذي كان يعاني من مرضٍ عقليّ منذ الولادة، ممّا كان السّبب في جعل والدتها تنقم عليها وتعتبرها من سلبت لبّه، هي التي كانت شديدة الفطنة والذَكاء والجامحة دوماً نحو المعرفة.
لم يبق لكلّ تلك المعرفة وزن، بعدما تركت سلوى وعائلتها الجبل هربا من الحرب، لتتعثر خطاها عند اللّحاق بركب الهاربين، وتتعرّض لحادثة اغتصابٍ تفقدها كل الآتي من مستقبلها، وتتسبّب لها مع الحرب بمرضٍ نفسيٍّ عصبي، علاوةً على مقتل أبيها وجدّها وهجرة أخيها في ظروفٍ غامضةٍ وملتبسة، كل ذاك يبقيها حبيسة دار استشفاء “دار الصليب”.
يحاول من بقي من عائلة سلوى وخاصّة ابنة خالتها “مي الريحاني” مساعدتها على الاستشفاء من أهوال الحرب والنزوح والاغتصاب، من خلال حثّها على التدوين وسرد التفاصيل التي عايشتها على الورق، علّ ذلك يصير مقبرةً لألمٍ لم تفلح العقاقير ولا المسكّنات ولا دور الاستشفاء في إبراء سلوى منه.
في الجبل تلتقي سلوى “العمّ أديب” الذي يحتفظ بذاكرةٍ خصبةٍ عن كلّ ما جرى أثناء الحرب وما بعدها، فيروي لها الكثير من القصص، لعلَها تجد طرف خيطٍ يساعدها على معرفة من كان وراء مقتل أبيها وجدّها، إضافةً إلى ذلك يساعدها ابن العمّ أديب “جورج” الذي كان مغترباً في الحصول على وثائق دوّنتها طبيبةٌ سويدية “جوزيان أندريه” أثناء وجودها في لبنان وعملها في فرق الإغاثة خلال الحرب.
لم يعد يليق بالحرب إلا أن تكون حبيسة الكتب ووثائق المذكرات
في الجبل تلتقي سلوى أيضا “أنطوني خيرالله” ذاك الشَاب الذي نشأ يتيماً وعانى أهوال الحرب، لكنّه أفلح في مواجهتها بشجاعةٍ والانتصار على معظم تبعاتها، أرادت مي ابنة خالة سلوى أن تتعلّم من الطبيبة جوزيان الإيمان، حيث تسلحت به طيلة فترة العمل في الفرق الإغاثيّة، حتى تمكّنت من إنجاز مهمّتها بنجاح، وأن تتعلّم كذلك من أنطوني الشجاعة والعزم في التّغلب على المصاعب وأهوال الحروب.
تذهب سلوى إلى الجبل وتبدأ بوضع حجر الأساس لبنائها الروائي الذي لم تتمكن من تعمير آخر طبقاته وكسوه بالشّفاء والنسيان والمصالحة، واكتساب الشجاعة والإيمان، حيث استبقها الموت قبل أن تستبق الحياة بمصالحة أو حتى بمهادنة، لتتوفى بالسرطان وفاةً جسديةً بعدما قضت نفسيّاً وعاطفيّاً منذ زمن طويل، وكأنّ الموت أتى في اللّحظة التي بدأت فيها سلوى تستعيد عافيتها للحياة!
حرب في كتاب
لكن كيف ذلك وهي التي حكم عليها المجتمع بالإعدام على ذنبٍ لم تقترفه، غير أنّ القدر كتب لها أن تحيا في بلدٍ تعصف به الحروب الأهليّة والدّموية التي لا تبقي ولا تذر، هي ضحيّة جشع الحرب الّتي لا تكتفي بسلب الأرواح والدماء والمستقبل، وإنّما بسلب فتاةٍ جميلةٍ وذكيّة حقّها في الزّواج والإنجاب، لأنّها لم تكن على مقاس مجتمعٍ منافقٍ وقاسٍ ومجحفٍ في أحكامه.
فبدل أن ينصفها ويعيد إليها حقّها ويعاقب الجناة، ها هو يعاقبها بعقوبةٍ أشدّ قسوة من فعل الجاني نفسه، عندما يحرمها من الزواج، لا بل وينهال عليها بوابلٍ من الشائعات والأقاويل التي لا تنضب بل تبقى مستنقعاً تفوح منه جلّ روائح الاتَهامات والرّذائل النّتنة، لتعود سلوى وتجري تقييماً للمجتمع من نوع آخر فتقول:
“أنظر إلى الهرّةٌ التي ترتع آمنةً في حديقة العمّ أديب، وأحسدها على هناءة ما هي فيه، تتمدّد على العشب وتدعو جراءها للرّضاعة من أثدائها الصّغيرة، فتسرع الهررة الصغيرة كي تلبّي الدّعوة المنتظرة.
كيف يكون بوسع الإنسان أن يحسد حيواناً؟ هل تدهورت حياتنا البشريةٌ إلى حدّ صار الناس يأكلون بعضهم والحيوانات ترعى بعضها؟ كيف يمكن أن أكون أنا سلوى بو مرعي امرأةً وحيدةً متروكة، لا رجل يشتهي قربها ولا أطفال يتناولون الحليب من صدرها، أمّا هذه الهرّة فوجدت ذكراً، وأنجبت جراء تلعب وهي مطمئنّة إلى حنانها وعطفها؟”
إذن هي سلوى التي تبعثرت أنوثتها في أغبرة حربٍ لا تبقي ولا تذر، ابنة الجبل والدم والتشرّد والضّياع، وضحيّة الجهل وقسوة مجتمعٍ لم يهتد إلى الأمان والتعايش الحقيقيّ حتى هذه اللّحظة، ولازال أبناؤه يتجرّعون مرارة حربه موتاً وتشرّداً وظلماً وقسوة.
تخاطب الكاتبة الحرب علّها تجد خلاصاً منها، تحاكي العنف عله ينقلب رحمة، تضع يدها على جرحٍ لم يندمل حتّى اللّحظة، تستحضر بطلة شكّلت حياتها قصةً متكاملة لمأساةٍ حقيقيّة، تلملم خيوط القدر والحرب والمعاناة لتقول بحنكتها الروائية كم عسانا أن نستحق العيش بسلام!، كم سلوى صنعنا وكم من حق أخريات ألا يتجرّعن مصيراً مماثلاً، حينها سيكون الشّفاء الحقيقيّ من حربٍ لم يعد يليق بها إلا أن تكون حبيسةً لأغلفة الكتب ووثائق المذكّرات والماضي الذي لن يعود من جديد.

ليست هناك تعليقات: