الأربعاء، 24 أغسطس 2011

من يوميّات بائعة أزهار بائسة


1- الورود على المدافن لا تنسيني أنّ في الداخل عظامًا وجماجم ودودًا.

2- أكثر الأزهار جمالاً وعطرًا تنتن عندما تذبل في الإناء.

3- لكي تبقى الأزهار نضرة في الإناء أطول فترة ممكنة تحتاج إلى قصّ كعوبها، فهذا يعلّمنا ألاّ نؤخذ بالرؤوس وننسى الجذور.

4- أن أعمل في دكّان الأزهار لا يعني أنّ رائحتي عطرة.

5- اشمأزّ أريج الوردة من رائحة السماد فضحك السماد في سرّه وقال: لو علمت الوردة أنّي مصدر عطرها لخجلت من نفسها.

6- من باقات زهورهم تعرفونهم.

7- العروس الواثقة من نفسها لا تقبل أن ينشغل المدعوون عنها بالنظر إلى أفخر أنواع الأزهار.

8- لكثرة عملي مع الأزهار صار لي: "تم السمكة" و"عيون البسينات" و"كفّ الدبّ"
و" لسان الكلب" و "رِجل الذئب"، ومع ذلك ما زلت أحلم بـ"شبّ الليل".

9- أن يحمل رجل باقة ورد إلى زوجته فكرة ذكيّة طرأت على رأس أحدهم حين حاول أن يخفي عطر عشيقته.

10- جرحت شوكة الوردة يدي فغضبت ورميتها على الأرض وسحقتها بقدمي حتّى سال دمها. أنا بائعة لا شاعرة.

11- أنا والكاهن ووكيل الوقف وبائع التوابيت وصاحب المطعم نفرح حين يموت أحدهم وخصوصًا إذا كان في مقتبل العمر أو ثريًّا.

12- علّمتني التجارب أن أغيّر ألواني بحسب المواسم، لذلك نجحت في الحياة.

13- لقد استطعت أن أفعل كلّ ما أردته في الحياة سوى تحويل البراعم إلى أزهار بالسرعة التي يريدها الزبون.

14- يدي الخضراء لم تنفع حتّى في زرع الصبّار في تلك الصحراء الجدباء.

الثلاثاء، 23 أغسطس 2011

الاثنين، 22 أغسطس 2011

قُرانا المدافن

راس بعلبك - 1896

يسير رتل السيّارات بالركّاب الرجال على مهل خلف عربة الموتى السوداء الكبيرة. ومع أنّ القرية بعيدة والمسافة طويلة، لم تسمح حرمة الموت ومشاعر ذوي الفقيد لسائقي السيّارات باستعجال الوصول إلى حيث يوارون الميت الثرى، ثم يعودون مسرعين متفرّقين إلى منازلهم في المدينة وضواحيها.
وبما أن هؤلاء لن يقصدوا القرية إلاّ في مناسبة حزينة مشابهة غير عالمين من منهم سيكون المرحوم فيها، راحوا يتأمّلون الطريق والمشاهد الطبيعيّة ويتبادلون الأحاديث والمعلومات عن بيع الأراضي وحركة البناء وأوضاع البلد والناس. ولكنّ أحدًا منهم لم يشر إلى ذكرياته في هذه الأماكن التي هجروها أو هجّروا منها منذ زمن ولا يفكّرون في العودة إليها والاستقرار فيها...أحياء على الأقلّ.
وهكذا صارت قرانا المهجورة مجموعة من المدافن المتجاورة. أمّا الأرض فمهملة والخدمات الصحيّة والتعليميّة غائبة والبنى التحتيّة في حالة يرثى لها، لأنّ الموتى لا يحتاجون إلى شيء من ذلك. ولذلك عمل أبناء تلك القرى والبلدات على بناء مدافن لائقة وجميلة تستقبلهم في راحتهم الأبديّة. أمّا البيوت فلا داعي لبنائها أو ترميمها أو تحسين وضعها ما داموا لن يقيموا فيها.
الناس الذين عاشوا فعلاً في القرية وبنوا ما فيها ماتوا أو شاخوا، وأولادهم يفضّلون الإقامة في المدن بعدما أجبرتهم ظروف الحرب على تذوّق حلاوة الحياة فيها. أما الأحفاد فيصرّون على الاستقرار في بلاد الاغتراب لأنّ البلد لم يعد على مستوى أحلامهم وطموحهم ولا يعدهم بمستقبل آمن وزاهر.
في المقابل لا أحد يهمّه أن يجد حلاً. فالدولة غائبة كليًّا عن هذا الشأن، ولا يعنيها تحسين ظروف الحياة في بلدات وقرى غير سياحيّة ولا تجذب المصطافين أو رؤوس الأموال، وحياة الليل فيها هادئة ساكنة لا تغري ولا تؤمّن الربح السريع ولا تليق بالمهرجانات، بل تصلح للتأمّل وكتابة الشعر وهما أمران لا يثمران ولا يشبعان عند الجوع. والناس ليسوا مضطرّين إلى استثمار أموالهم القليلة في بناء قراهم وإعمارها ما دام لا شيء في هذا البلد يضمن بقاءها وصمودها.
غير أن للموتى شأنًا آخر، فإن حوربوا لن يموتوا مرّة ثانية، وإن هاجمهم العدو لن يخافوا على أرواحهم، وإن اعتدي عليهم لن يتألّموا، وإن هُجّروا لن يجوعوا أو يعطشوا، وإن أهملتهم الدولة لن يشعروا بالإذلال والمهانة، وإن عضّهم البرد بسبب غلاء صفيحة المازوت لن يرفعوا أصواتهم احتجاجًا واستنكارًا . فلماذا لا يعود بهم أقرباؤهم إلى القرى ما دامت المدافن في المدن باهظة التكاليف، وما داموا لن يزوروهم كلّ يوم بل يكتفون بذلك مرّة في السنة؟
الموتى عندنا ذوو طباع سهلة، مسالمون هانئون، لا يطالبون بشيء ولا يرفضون شيئًا. ينامون حيث نضعهم، يحرسون أطراف البلدات والقرى ولا يطلبون أجرًا، يقيمون في السكون والهدوء ولا يصدرون صوتًا يعكّر صفو الطبيعة الجميلة. يسكنون في مدافن واسعة ذات قرميد أحمر وحيطان من أحجار منحوتة تحيط بها الأشجار والأزهار والعصافير ، فلماذا نضعهم في أماكن ضيّقة ملوّثة صاخبة مزدحمة؟ وكيف يقيمون عندئذ في "الراحة" الأبديّة؟
قد لا يكون لائقًا أن نسخر ونحن نتحدّث عن موضوع يثير الحزن كمرأى قرانا وبلداتنا تئن من الفراغ وتصفر فيها رياح الوحدة والملل ولا تقصدها إلا مواكب الموت وسماسرة البيع، غير أن شرّ البليّة يضحك ويبكي في آن واحد: نزوح وهجرة، مدينة مكتظّة وقرى مهملة، أراض برسم البيع وفيلاّت خالية تنتظر مصطافين يقيمون فيها لأسابيع، أحياء يقيمون في غرف صغيرة كالمدافن لا شرفات لها، وموتى يرتاحون في أراض مطلّة مشمسة لا نهاية لها
.
**************
من قصيدة جميلة بعنوان "بحيرة المصل" (من ديوان يحمل العنوان نفسه) للشاعر اللبنانيّ يحيى جابر أستعير هذين المقطعين المعبّرين عن مصير قرانا التي صارت، أكانت في الجنوب أو الشمال أو البقاع أو الجبال، مدافن لأحبائنا نقصدها من المدينة ونزورها مع باقات زهر وشموع ودموع:

الولد على خشبة المسرح*
يحفر قبرًا كلّ ليلة
وأمّه دمعة متجمّدة
تريد حفّارًا لعظامها البيضاء
الحفّار في الضيعة ينتظر جثّتها
الجثّة في سيّارة الإسعاف
سيّارة الإسعاف على الجسر
جسر القاسميّة مقفل بالجنود*
لو ينسف الجسر
وتعبر جنازتها،
لكنّه يحفر..
وكانت تمطر..

عشرة مخالب تنبش الكفن
قرأ الضابط شهادة الوفاة
سرق الجنديّ وردة من الإكليل
فتحوا البوّابة
الجثّة تمرّ فوق الجسر والماء
ارتعش الليطاني
ابتسمت أمّي في تابوتها
تشقّقت الشمس كالخشب العتيق
ضحكنا
عانقنا بعضنا
صباح الخير يا أجمل قبر
صباح الخير أيّتها القرى.

* الشاعر كان يلعب دور "حفّار القبور" في إحدى المسرحيّات حين توفت أمّه.
* الشاعر من الجنوب اللبنانيّ والجنود إسرائيليّون.
****
*نشر في صحيفة الرأي العام الكويتيّة

الأحد، 21 أغسطس 2011

لا شيء معي إلاّ كلمات...وكان هذا كافيًا


بالإذن من نزار قبّاني، الذي تهمس امرأة قصيدته في حزن: وأعود إلى طاولتي لا شيء معي إلاّ كلمات.
ومع الاعتذار من شكسبير، ومن بطله هاملت الذي صرخ في لوعة من اكتشف هباء كلّ شيء وهشاشته: كلمات...كلمات...كلمات.
ولتسمح لنا داليدا التي تصرخ في وجه الحبيب الذي يغدق عليها كلماته: ما تقوله ليس إلاّ كلمات مزروعة في الريح!
ما الذي قد نريده يمكن أن يفوق الكلمات أهميّة؟
ألا يكفي أن نعود إلى أماكننا وبيوتنا وغرفنا ومعنا كلمات ليست كالكلمات؟ أوليس نزار نفسه هو من وضع على لسان المرأة قوله:
قل لي ولو كذبًا كلامًا ناعمًا / قد كاد يقتلني بك التمثال
فيجيبها هو:
كلماتنا في الحبّ تقتل حبّنا / إنّ الحروف تموت حين تقال
أمّا الكتابة فتحصّنها ضدّ الموت.
أليست كلمات شكسبير هي التي تعيد إحياء شخصيّاته كلّ يوم وفي كلّ مكان في العالم؟ أليست هي التي خلّدت اسمه وأدبه وحمت جثمانه من عبث العابثين حين طلب أن يكتب على مدفنه عبارة تقول: البَرَكة لمن يتركني مرتاحًا في مدفني واللعنة على من يزعجني؟
أليست داليد نفسها هي التي غنّت أنّها تريد الموت على المسرح، تحت الأضواء، وهي توزّع كلمات تحملها الريح إلى كلّ عاشق في الأرض؟
******
حين يرسل إليّ صديقي البعيد كلماته القليلة أكتشف كيف يصعب على كثيرين أن يجدوا كلماتهم. وإن وجدوها واجهوا صعوبة في رؤيتها مرسومة أمامهم على الورقة أو الشاشة. ولذلك يحلو له أحيانًا أن يستعير كلماتي، أو أن يقول لي وهو يمزج ما بين المزاح والجدّ: اكتبي بالنيابة عنّي فأنت تعرفين ماذا أريد أن أقول لك. أو يقول لي وهو يبدي دهشة تبدو جديدة كلّ مرّة: كم يسهل عليك أن تكتبي عن مشاعرك، أو تتحدّثي عنها.
وكنت دائمًا أجيبه كأنّني أستمع إليه للمرّة الأولى: عري النفس أصعب على الإنسان من أيّ شيء آخر، ولكن إن لم يفعل ذلك فسيبقى مختبئًا تحت ألف قناع وقناع ولو خلع عنه كلّ ملابسه.
******
شكرًا لكلّ الذين يكتبون، فكلماتهم تنقذنا من عجزنا عن الكلام أو الكتابة. وهل يستطيع أحدنا أن يقول لتوأم روحه أجمل من قول "هاملت" لصديقه حين خاطبه؟
هوراشيو إنّك لرجل شريف، لن ألتقي بمثيله.... أنت الذي اختارته نفسي منذ أن بدأت تميّز بين الناس، لأنّك كالذي عانى كلّ شيء فأصبح بذلك لا يعاني شيئًا، يتلقّى من الأقدار الخير والشر بامتنان واحد، وطوبى لهؤلاء الذين يتوازن عندهم العقل والعاطفة، فلا يصبحون مزمارًا في يد الحظ يعزف عليه ما يشاء، اعطني هذا الرجل الذي يرفض أن يكون عبدًا لأهوائه وسوف أضعه في قلب قلبي.

الأربعاء، 17 أغسطس 2011

صباح زوين تتحرر من قيود الكتابة بقلم ماري القصيفي


صحيفة الحياة، الاربعاء, 17 أغسطس 2011
ما لا يصحّ أن توصف به مجموعة صباح زوين الشعريّة «كلّما أنتِ، وكلّما انحنيتِ على أحرفكِ» (دار نلسن – 2011) ليس قليلاً، فالكتاب ليس سهلاً، ولا يصلح كي نضعه قرب السرير لنقرأ فيه بعض الأسطر قبل أن نغرق في نوم عميق. وليس من الشعر الذي يداعب عاطفة ساذجة ويحرّك رغبة عابرة، ولا يمكن نقله إلى لغة أخرى من دون أن يفقد الكثير من خصوصيّة لغته وصوره. ولا يمكن كذلك وصفه أو اختصار أفكاره أو تقليده. أمّا ما هو عليه هذا الكتاب فأكثر من أن يُحصر في مقالة. ويمكن بداية القول أنّه من الكتب التي تجبر قارئها على الجلوس إلى المكتب، وحمل القلم، والقيام بعمليّة ذهنيّة حسابيّة إحصائيّة، ووضع جدول بالحقول المعجميّة لكلمات هي من صلب لغة الشاعرة بل هي هوسها ومحور تفكيرها، تدور حولها وتعصرها وتمتصّ نسغها ولا تشبع. وكان من الممكن أن تستمرّ دوّامة النصوص إلى ما لا نهاية، لولا احتراق الحالة الشعريّة من وهج اشتعالها لتقوم من رمادها في اليوم الثالث كتاباً آخر ونصوصاً خصبة تستقي من نبع واحد ولا ثمرة فيها تشبه الأخرى.
لا تكتب صباح زوين شعراً، فالشعر الساكن فيها منذ اكتشفت اسم هذا الغامض الذي يجعلها ترى ما لا يراه الآخرون، وتشعر بغير ما يشعرون، وتلتقط من عابرات النظرات والكلمات والمشاهد ما يهرب سواها من رؤيته والاعتراف بوجوده، هذا الشعر المولود معها وفيها ومنها ينفجر ولكن تحت رقابتها الصارمة، وحين تقرّر هي. كأنّي بها تُخضع الأمر كلّه لعقلها الذي يقرّر عن سابق تصوّر وتصميم موعد جنونه وعبثه باللغة والصور والأفكار، ونحن كقرّاء، نقع تحت سحر الوهم الذي أوحى إلينا بأنّ ما بين أيدينا إنّما هو هلوسات تستعاد بلا ضابط أو نظام. وهنا تنجح الشاعرة في وضعنا على حافة مصيدتها، فلا هي تطبق علينا الخناق بالتكرار والاستعادة واختراع تراكيب لغويّة مجتزأة وغريبة تكاد تبدو بلا معنى لمن لا يصبر إلى المنتهى (رغم كلّ هذا الغروب لم تنكفئي، لم، وظلّت ساقاك تركضان)، ولا هي في المقابل تفلتنا من أسر ألاعيبها الذكيّة التي تتحدّى عقولنا وهي تؤكّد لنا أنّ الأمر كلّه مرهون بفهم العلاقة بالكلمة، فتقول لـ «أنا»ها مرّة بعد مرّة: «أنتِ التي من الكلمة تنبثقين ومنها في قلب الغسق متّ وتموتين (ص59)، «وتركضين في البراري وراء الأحرف تركضين، الهاربةُ منك الأحرف أنتِ التي في هيام الكتابة والمكان» (ص61)، «تتبدّدين، لأنّك الكلمة ولأنّك من الكلمة تموتين» (ص66).
تحيا الشاعرة لتكتب، تحبّ لتكتب، تراقب الحياة والموت لتكتب، وكلّما كانت هي نفسها كلّما انحنت على أحرفها كما تنحني الهامات خشوعاً في محراب الأحرف والكلمات، أو كما تنحني الحوامل على أحشائهنّ الحبلى لحماية أجنّة تنتظر الشهقة الأولى. ولأنّها محكومة بالكتابة، يتحوّل كيانها مجموعة من الأجهزة اللاقطة ترصد وتراقب وتسجّل وتصور ثمّ ترسل ما حصلت عليه إلى مختبر العقل حيث التحليل والربط والاستنتاج. ولأنّها مغرمة بالكتابة، يصير الآخر، أيّاً يكن، مادة عملها ومختبر مشاعرها والهدف الذي قد يتحوّل وسيلة في أيّة لحظة، ومن أجل الكتابة وبسببها تسمح الشاعرة لنفسها بالتحرّر من شتّى القيود التي قد تعيق انفجار الشعر ثمّ انسيابه، وإن كان سواها يسمح باستعمال شتّى الأساليب في الحبّ والحرب، فهي في الشعر تبيح المحظورات وتفكّك أوصال العبارات وتخترع لغة جديدة من مفردات قديمة، فلا شيء مقدّس ولا شيء محرّم شرط أن تبقى اللغة رصينة، سليمة، صحيحة، لأنّ قواعدها من عمل العقل. ونصوص صباح زوين مهمّا جنّ بها الهوى وجرفها التذكّر تبقى ابنة الوعي.
حقل ألوان لغة هذه المجموعة، ولا شيء يمنع أن تكون حقل ألغام لمن لا يملك خبرة القارئ الحذق أو جَلَد العالِم الملتزم. حقل ألوان من الأبيض والأزرق والذهبيّ. فما من صفحة في الكتاب إلا وفيها شلال من هذه الألوان يتدفّق من السماء ويتسلّل من الأبواب والنوافذ موزّعاً الحياة على كلّ ما يصادفه وناثراً رذاذ الكلمات فوق أهداب المرأة النائمة فتستيقظ لتناجي «أناها» بلغة تأخذ مرّة من كِلس الحيطان بياضه الناصع المشعّ لا حياده الفجّ، كونها غارقة في دفء البيت لا مدفونة في القبور المكلّسة، ومرّة تستعير من بياض الكلس لوناً يجلّلها كضباب من «ظلال أجساد كانت ولم تعد» (ص47)، فيصير «الأبيض في كلس البيت كالموت من الكتابة» أو هو اللون الذي تنحني عليه في ألمها (ص50) لولا أنّها تعلم «أنّ التدوين كالمحو في فراغ البياض»، ولولا اللونان الآخران: الأزرق الآتي من السماء والمتعلّق بخشب النافذة، والذهبيّ المنحدر من الشمس والمتوِّج مشاهدَ عشق تُستشفّ من خلال الشعر ولا يُباح بها بوقاحة. ثمّة ألوان أخرى، الأحمر (في الأصيل والأيدي..)، والأخضر وإن لم تسمّه بل تشير إليه في أشجار التوت والتين والسنديان. ثمّ تكتشف الشاعرة عجزها عن التقاط الألوان كلّها في شبكة الكلمات، فتختصرها في «ألوان الأفق المزركشة» و «كلّ ألوان العنب المنسيّ» و «ألوان النهار»، و «الكثيفة الألوان»، و «أيّتها الفتاة المشعّة كألوان النهار»، و «المتأمّلة في ألوان الزهور»، و «طيور ملوّنة» و «بهجة الألوان»، وهناك «ألوان الحزن» عند المساء، وألوان الصور والأرصفة الملوّنة...
صورة الغلاف وإهداء المجموعة إلى الشاعر شوقي أبي شقرا (فضلاً عن هنري عويس وألكسندرا تاجر) عنصران غير مفروضين أو دخيلين على المجموعة، فالصورة الفوتوغرافيّة على الغلاف تمثّل بيت الشاعرة بقرميده الأحمر في الجبل عام 1979 وهي تقف على درجاته، ما يتكامل مع صورة البيت في النصوص التي تبدو كأنّها انطلقت من الغلاف، فأتت العبارة الأولى من النصّ/ النصوص: «لا تزالين هنا، على حافة المكان، تنظرين إلى مسكات الباب»، لتخاطب تلك المرأة الواقفة على الدرج الحجري، والملتفتة إلى الكاميرا قبل أن تدخل إلى البيت باحثة فيه عن «أناها» الأخرى والذكريات. أمّا الإهداء إلى شوقي أبي شقرا فيأتي منسجماً مع أجواء القرية، عالمه الأثير، ومتآلفاً مع الماضي الذائب حنيناً وإلفة ووفاء في خلايا الذاكرة، والمنبثق شعراً يوحّد بين الكلمة والجسد (جسد الإنسان والأرض)، ويتمسّك بـ «أوقات الأمكنة العابرة».
صباح زوين «اللاهثة وراء إثم الكتابة» كما تصف نفسها مغفورة لها خطيئتها لأنّها أحبت كثيراً، أحبت اللغة بتواضع الإنسان المعترف بعجزه عن سبر أغوارها وفهم أسرارها في زمن يُغرقنا فيه مدّعو الشعر بالثرثرة والاجترار واللغو.

الأحد، 14 أغسطس 2011

العروس وثوب الحداد الأسود

الصورة لباتريك نوتلي

كانت العادة في قريتي وفي كثير من القرى والبلدات المسيحيّة أن تحضّر العروس ثوبًا أسود رسميًّا خاصًّا بالمآتم، وذلك في الوقت نفسه الذي تحضّر فيه ثوب العرس الأبيض.
إنّه الموت الكامن في قالب الحلوى، أو الذي يطفو على سطح حقيبة الملابس التي لم تُلبس بعد، بل حضّرت لتبدأ بها العروس رحلة العمر الجديدة.
فستان العرس يلبس مرّة واحدة، ثمّ يخبّأ إذا كان لصاحبته، أو يعاد إلى مالكيه إذا كان مستعارًا أو مستأجرًا. أمّا الثوب الأسود فهو للعروس بلا منازع أو شريك، تضعه في الخزانة، في أقرب مكان تصل إليه يدها في سرعة متى ارتفع الصراخ في القرية، أو دقّ جرس الكنيسة حزنًا، ليعلن وفاة صار من الواجب أن تشارك العروس في مراسمها. لا أحد يعرف متى يأتي السارق، ولذلك على الفستان الأسود أن يكون حاضرًا وأنيقًا ورصينًا وبسيطًا مع غطاء الرأس اللائق ليلائم المأتم وما يليه من مناسبات تذكاريّة تكريميّة.
والمفارقة في قريتي وفي كثير من القرى والبلدات المسيحيّة أنّ زيّ المرأة يتغيّر تمامًا متى ماتت. فتعود في مأتمها إلى اللون الأبيض "العرائسيّ" إذ يلبسونها ثوبًا يحاول أن يشبه ثوب العرس، وقد يكون نفسه إن كانت المتوفاة شابّة. أمّا اللواتي يحطن بها فيغرقن في السواد الذي أحضرنه مع ملابس الفرح في ما يسمّى "جهاز العرس". فعلى المرأة إذًا أن تتذكّر وتذكّر الآخرين أنّ الحياة والموت يتجاوران ويتلازمان ويتصادقان ويولد الواحد منهما من رحم الآخر. أمّا الرجل فهو في الحالين في الأسود المحايد، أكان عريسًا للفرح أو عريسًا للموت، وفي مرّات كثيرة كانت بذلة العرس هي نفسها بذلة الدفن إن لم يغيّر الزمن مقاييس الجسم.
المرأة رحم الحياة ومثواها الأخير.
من حضنها يولد الفرح، وفي حضنها يدفن الألم. في حضنها تضع رضيعها، وفي حضنها يلقي رأسه زوجها وفي حضنها تحاول أن تعيد الحرارة إلى جثّة ابنها. لذلك كان عليها أن تحمل الفستان الأسود البسيط والأنيق والمحتشم لترتديه إلى القدّاس الأوّل الذي تشارك فيه مع عريسها يوم الأحد الذي يلي العرس. فيوضع لهما كرسيّان في الصفّ الأماميّ كما في العرس تمامًا، ويكون كلاهما غارقًا في الأسود ليعلنا الأمر للجميع: لقد صار في إمكان العروس أن تشارك في مآتمكم، فموتوا مطمئنّين.
قبل ذلك، كانت فتاة عذراء لا يحقّ لها أن تشارك في حياة القرية الاجتماعيّة الحزينة، فهذه المناسبات للمتزوّجات أمّا الآنسات ولو صرن عوانس فمعفيّات من هذا الواجب: البنات ما بيحدّوا (أي لا يرتدين ملابس الحداد) وما بيحضروا دفن.
أمّا بعد أن باركها رجل الدين، وولجها رجل البيت، ووصل الخبر إلى رجال القرية معلنًا براءة ذمّتها وطهارة ثوبها وجسدها، فصدر العفو عنها وصارت مستعدّة للمشاركة في مراسم الدفن وازداد بذلك عدد النادبات واحدة.
كان ثمّة موت إذًا في كلّ عرس: تموت ابنة فلان لتولد زوجة فلان ثمّ أمّ فلان. وعلى الدم الأحمر أن يسيل ليفصل بين مرحلتي الأبيض والأسود، ليتمّ الانتقال من العهد القديم إلى العهد الجديد الذي تشهد المرأة على بدايته بجسمها وثوبيها المتناقضين والمتكاملين. فهل كان الناس في لاوعيهم الجماعيّ يرون في اللون الأبيض كفنًا يدفنون فيه عذريّة الفتاة؟ وهل رأوا في اللون الأسود عتمة الرحم الذي ستولد منه الحياة بعدما صارت العذراء امرأة؟ ومتى فهم الناس للمرّة الأولى أنّ حبّة الحنطة إن لم تمت لن تثمر؟ ومتى ربطوا بين الحياة والموت، بين العتمة والضوء، بين الذكر والأنثى، بين الشرّ والخير؟
والسؤال الأهمّ: متى توقّفوا عن الفهم؟ وما الذي دفع المرأة المعاصرة إلى استبدال ثوب العرس الأبيض باللون العاجيّ أو الفضيّ، وثوب الحداد الأسود بثوب سهرة أسود يجذب أنظار الرجال فتترك المرأة زوجها وتتبع رجلاً "يفهمها أكثر"؟ وهل يمكن أن تحدث هذه التغيّرات الجذريّة والمصيريّة في عمر واحد يمتدّ من الجَدّة التي لا تزال تحتفظ بطرحة الثوب الأبيض ومنديل الندب الأسود، إلى الحفيدة التي تضع صورتها بالمايوه السترنغ على صفحة الفايسبوك؟

الثلاثاء، 9 أغسطس 2011

مفكّرة السنة الجديدة



1- لا يوجد في عالمنا العربيّ أيّ سيرك لأنّنا لم نحسن ترويض أنفسنا وهو أمر يحتاج إلى الصبر والوقت والتعاون، فكيف نروّض الحيوانات إذاً. في المقابل ينجح السيرك في العالم الغربيّ لأنّ الغربيين تمرّنوا "فينا" ونجحوا نجاحًا منقطع النظير.
*****
2- أجرت المرأة عشرات العمليّات التجميليّة لتمحو صورتها القبيحة من الوجود. ولكن حين ولدت ابنتها فوجئت بصورتها القديمة تعود إلى الحياة...وهي تزعق.
*****
3- الرجل الذي أحبّه يحتاجني حين يكون مريضًا، فإن صلّيت كي لا يمرض توقّف عن الاتصال بي، وإن صلّيت كي يتصل بي بدوت كمن يتمنّى له المرض. من الأفضل أن أحبّ أحدًا سواه ليرتاح ضميري.
*****
4- سوف أستعمل أطرافي وحواسي حتى أرهقها، سوف أستغلّ كلّ لحظة في الحركة والكتابة والمشي والنظر والأكل والشرب. فأنا لا أعلم متى أفقد القدرة على فعل شيء من ذلك.
*****
5- ثمّة تعب يرميك في أحضان النوم،
وثمّة تعب يقودك إلى اليأس،
وثمّة تعب يلجئك إلى الصلاة،
وثمّة تعب يدفعك إلى الإدمان عليه حتى لا تعود تشعر بشيء آخر.
*****
6- ما قصدت مرّة صديقًا لأطلب منه مساعدة إلاّ وطلب منّي أوّلاً أن أشرح له كلّ شيء. وفي كلّ مرّة وبعدما أنتهي من الشرح أمتنع عن الطلب.
*****
7- والدك الذي يعاملك كصديق يتذكّر في مناسبات كثيرة أنّه الوالد وأنّك ابنه وله عليك حقّ الطاعة.
وربّ العمل الذي يعاملك كصديق يتذكّر أيضًا حين تدعو الحاجة أنّه ربّ العمل وأنّك الموظّف عنده وعليك أن تعامله على هذا الأساس.
والمعلّم في المدرسة يعامل تلاميذه كأصدقاء ثمّ يتذكّر حين يخالفونه الرأي أنّه سيّد الصفّ وعليهم أن يصمتوا.
أيّتها الصداقة كم من الجرائم ترتكب باسمك!
*****
8- عندما تغضب المرأة من الرجال تشتمهم وتصفهم بأنهم "كلاب".
عندما يغضب الرجل من النساء يشتمهن ويصفهنّ بأنّهن "عاهرات".
المرأة في عمق تفكيرها لا تنفي عن الرجال صفة الوفاء.
الرجال في عمق تفكيرهم لا يرون في النساء إلاّ مشاريع ساقطات.
*****
9- أنظر حولي فأرى التوابيت المحمولة والهواتف المحمولة واليافطات المحمولة. أمّا الحياة... فلم تعد محمولة.

10- الأشجار العارية تعد بالربيع
الأشجار المورقة تعد بالشتاء.
*****
11- لا أطيق النظر إلى الرجال الذين أحببتهم ومضوا.
فالأمر يؤكّد لي كم كنت سيّئة الذوق.
*****
12- في لحظات الصفاء القليلة، أتمنّى لو تبقى الحال على ما هي عليه: أبي يشذّب أغصان الشجرة، أمّي تعصر الليمون، أخي يتمطّى في السرير، أختي تشرب القهوة الصباحيّة، أختي الثانية وأفراد عائلتها آتون لتناول الغداء، أخي المسافر يتّصل ليتحدّث في السياسة، صديقي يدعوني إلى شرب القهوة...وأنا أراقب كلّ ذلك وأسجّله لعلّه لا يتغيّر.

هل ما أطلبه كثير؟!
*****
13- موت:
قمت في اليوم الثالث
وعدت إليك من موتي
لأراك وأنت تدفن حزنك عليّ في جسد امرأة
بعدما دفنتني في التراب.
أيّها الرجل الذي يدّعي الحبّ
ويدّعي الحزن
ما أبرعك وأنت تبكي عليّ
وما أبرعك وأنت تداوي حزنك.
في اليوم الثالث،
بجسدي المتجمّد
باصفرار وجهي
ببياض ثوبي
ببرودة أطرافي
بالسبحة العالقة بيدي
ظهرت أمامك فأنكرتني
طردتني
هربت منّي
وخبّأت وجهك في صدر امرأة لا تشبهني بشيء.
أعرف الآن لماذا لم أرك يومًا حزينًا
أعرف الآن لماذا كنت قويًّا أمامي
لأنّ امرأة أخرى كانت بئرًا لحزنك ومخبأ لضعفك.
تقتحم بجسدك جسد المرأة الأخرى
تلتصق بها أكثر فأكثر
صوتك يرتفع
أنفاسك تتلاحق
والمرأة الأخرى تئنّ من اللذة
وأنا أموت من الحزن
من جديد.
بعد ثلاثة أيّام
قمت من الموت
لأطمئنّ عليك
لأداوي ألمك
غير أنّي ندمت
وتعبت
فعدت ومتّ.

14- الغيرة... أحيانًا تعمي البصيرة، وأحيانًا تفتح العيون.
*****
15- كيف حالك يا صديقي الحزن؟ أنت المقيم وكلّ ما عداك عابر.
*****
16- أنت لم تسئ إليّ. أنت أسأت إلى الصورة التي رسمتها أنت عنك مذ عرفتك.
*****
17- عندما سمع أحد الأصدقاء نبرة النشوة في صوتي ظنّ أنّي مارست الجنس للتوّ. أمّا أنا فخجلت من أن أخبره بأنّي كتبت قصيدة، وساعدت مريضة، وشممت رائحة العشب.
*****
18- نظر المزارع إلى أرضه المزروعة ورغب في اصطحاب شتلاتها اليافعة إلى بيته الدافئ لئلاّ تبقى وحيدة في الليل.
غير أنّه كان يعلم أنّها ستموت في الداخل فتركها تحت رعاية النجوم.
*****
19- شعور الذكيّ الذي ينتصر على غبيّ كشعور فيل داس نملة.
*****

20- المنتحر
ليس هو الذي لا يحبّه أحد
بل هو الذي لا يحبّ أحدًا
أو هو الذي يحبّ أحدًا حتّى الموت.
*****

21- أخيرًا غاب العابر الممتلئ من ذاته خلف ذاته الأكبر من أيّ أحد آخر!
غاب وانتهت حكاية العبور تاركة وراءها ركامًا لا يصلح إلاّ للبكاء.
أدار ظهره ومشى ولو استطاع لرفض أن يرافقه خياله. ذهب كأيّ رجل ضجر من المكان والوجوه. ترك كلّ شيء وكلّ أحد وتبع أحلامه الأوسع من أيّ مكان والأضيق من أن تتسع لأحد.
منذ البداية قال إنّه غير ملتزم إلاّ بعبوره. منذ البداية قال لنا، نحن أتباعه، أنّنا محطّات في رحلته الطويلة. والمحطّات لا تعرف إلاّ حزن الرحيل.
منذ البداية قال إنّه قادر على ترك كلّ شيء والمضي من دون أن ينظر خلفه. هل يخاف أن يصير عامود ملح؟
العابر لا يأسف على شيء. ولا يخاف على أحد. ولا يقيم وزنًا إلاّ لرغباته.
لو تتعلّم المحطّات أنّ العابر الذي استراح على مقاعدها لا يستحقّ دمعة لكانت صارت منارات للحكمة.
ولكنّ المحطّات منذورة للانتظار والشوق. هذا هو قدرها.
*****

22- في مفكّرة السنة الجديدة، لن يكون لك، أيّها الصديق العابر، في صفحة الأصدقاء عنوان أو رقم هاتف.

الأحد، 7 أغسطس 2011

حوار وهميّ...إلى حدٍّ ما



استدعى الرقيب الصحافيّة وقال لها: ما هذا الذي تكتبينه يا ستّ؟ وهل تظنّين أنّ الصحيفة ملك أبيك كي تكتبي فيها ما تريدين وكما يحلو لك؟
طبعًا حاولت الصحافيّة أن تفتح فمها لتستوضح الأمر، غير أنّ الرقيب الذي ما اعتاد أن يناقشه أحد أو يطرح عليه أيّ صحافيّ سؤالاً غير السؤال الوحيد المقرّر في المنهج الرسميّ للصحافة العربيّة:
"
كيف حالك سيّدي الرقيب؟"
وهو سؤال كُتبت في الإجابة عنه ملايين المقالات ونشرت ملايين الأبحاث، ولولا الأزمة الاقتصاديّة العالميّة لكانت المطابع تضخّ الآن ملايين الأطنان من الورق في إعطاء المزيد من الأجوبة على هذا السؤال.
وهكذا تابع السيّد الرقيب خطابه المونولوغيّ الذي يذكّرنا بالمسرح اليونانيّ العريق:
ما هذه المقالات التي تكتبينها كلّ يوم وتعبّرين فيها عن آرائك في كلّ ما يجري حولك؟
وهل الصحيفة منبرك الخاص كي تعلني من فوقه عمّا تحبّين ومن تعشقين وماذا تريدين وماذا يزعجك وبماذا تنصحين وكيف ترين الأمور؟
وهل صحيفتنا صندوق بريد توجّهين منه الرسائل في كلّ الاتجاهات: الدولة والمعارضة والفنّانين والأدباء والتلاميذ والاقتصاديّين؟
وماذا يعني قرّاءنا الأعزّاء من أحببتِ وما هي مواصفات الحبيب وما هي مشاكلكما وكيف تتعاملان مع بعضكما وما إلى ذلك من مشاهد حياتكما الخاصّة؟
وماذا يهمّنا في صحيفتنا إن أعجبك الطقس وإن علقت في ازدحام السير وإن أزعجك التلوّث وإن أخافك الوباء وإن كانت الحرب على الأبواب، أو ما هي نسبة المطالعة في عالمنا العربيّ الرائع أو ما هو واقع الحريّة فيه؟
نحن يا آنسة صحيفة لها قرّاؤها المحترمون الذين لا تعنيهم مشاكل الآخرين ولا يحبّون أن يعرفوا أسرار غيرهم، ولا يقرأون النصوص التي تفضح خفايا النفوس.
ألا تشفقين على الأشجار التي صارت ورقًا كي يكتب عليها الناس ما يفيد البشريّة وما قلّ ودلّ من الحكم المتوارثة، فإذا بك تحمّلينها مقالات وقصائد وقصصًا وروايات ودراسات عن مشاعرك ورغباتك ونظرتك للفنّ والشعر والدين والسياسة والبيئة؟
صحيفتنا يا آنسة ليست ملكًا خاصًا لأحد، وليست مكانًا لمعالجة الأمراض النفسيّة والاجتماعيّة، وليست مؤسّسة خيريّة لحلّ المشاكل، وليست دارًا للمسنّين، وليست ملتقى للشبّان، وليست ناديًا فكريًّا للتبشير بآراء أحد، وليست وسيلة لإعلام الناس بما لا يعلمونه، وليست مدرسة لتربية القرّاء وتعليمهم.
كانت الصحافيّة طوال هذا الوقت واقفة تتلقّى سيل الأسئلة والتساؤلات الوجوديّة وتحاول الابتعاد قدر الإمكان عن المجال الجويّ الذي امتلأ برذاذ لعابه، وتنظر في الوقت نفسه إلى عنقه المنتفخة من فرط الاحتقان والغضب وحمل المسؤوليّات الجسام والدهون طبعًا، وهي تفكّر:
الآن فهمت لماذا سمّى أحمد فارس الشدياق الصحيفة جريدة! لأنّ المسؤول فيها يجيد أن يجرُد عنها كلّ ما كان يجب أن تكون عليه.

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.