الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 21 يونيو، 2015

كيف يجد الناس أوقات فراغ؟ (2009)





     يحلو للناس أن يتحدّثوا في مرارة عن أوقات فراغهم واصفين إيّاها بأنّها مضجرة وطويلة وعقيمة.
     أوقات الفراغ – إن وجدت – ليست كذلك. هي فرصة للراحة والراحة ليست عيبًا أو مضيعة للوقت أو كسلاً غير منتج، هي استراحة محارب صارع لوقت ما الناس والطبيعة والعمل وقبل ذلك كلّه صارع نفسه، فاستحقّ وقتًا يستعيد فيه نشاطه واندفاعه قبل أن يعود إلى ساحة الصراع.
    ومع ذلك، وعلى الرغم من أهميّة أوقات الراحة وضرورة البحث عنها، أجدني أسأل نفسي كيف يجد الناس أوقاتًا لما يتّفقون على اعتباره مخصّصًا "للفراغ"؟
    المطالعة (كتب، مجلاّت، صحف، إنترنت، وفي أكثر من لغة)، الرياضة، الموسيقى، التأمّل، الصلاة، الخدمات الاجتماعيّة، المشي في الطبيعة، اللقاءات العائليّة والصداقات، التسوّق، الاهتمام بجمال الجسد ونظافته وأناقته، زيارة المتاحف، مشاهدة الأفلام والمسرحيّات، متابعة النشاطات الثقافيّة والفنيّة، الأعمال المنزليّة، الأشغال اليدويّة، الرسم، العمل في الحديقة، الكتابة، السفر، وغيرها وغيرها من الاهتمامات والنشاطات والهوايات ألا تكفي كي يمتلئ هذا الفراغ الهائل في أوقاتنا وعقولنا؟
     كيف يضجر بعض الناس في حين أنّ البعض الآخر لا تكفيه ساعات الليل والنهار لكثرة أعماله وهواياته ونشاطاته؟ كيف يجدون دقيقة فراغ واحدة، إن لم تكن للراحة التي أعود وأؤكّد أنّها ليست وقت فراغ بل امتلاء من عطايا الكون والحياة والبشريّة يتابع بعدها الإنسان عطاءاته في سبيل الكون والحياة والبشريّة؟
     كم يثير غضبي أولئك الذين يصمّون آذاننا طوال الوقت بالتذمّر من الضجر والملل والفراغ! كم هم طفيليّون مزعجون فارغون هامشيّون! وكم يحلو للحياة أن تستغني عنهم!
     ولكنْ،
    هل يستطيع الناس وعلى اختلاف طبقاتهم الاجتماعيّة والثقافيّة أن يؤمّنوا بأنفسهم ولأنفسهم ما يملأ فراغ أوقاتهم فلا يتحوّل "قتل الوقت" الهواية المجانيّة الوحيدة المتاحة لهم؟ أم على الحكومات أن تسعى لتأمين ما يملأ فراغ الناس بما يلذّ ويفيد ويريح؟ وفي غياب أيّ تخطيط حكوميّ في أيّة دولة عربيّة لمحاربة الفراغ الهدّام، على الإنسان العربيّ أن يكون خلاّقًا فـ"يخترع" ما يملأ أوقات فراغه بغير الإدمان على الكحول والمخدّرات والجنس، وبغير التلفزيون والرسائل القصيرة السخيفة إلى محطّات الأغنيات والفيديو كليب، وبغير الثرثرة على الإنترنت، وبغير التنزّه بين الصحون والطناجر في المجمّعات التجاريّة الضخمة.
    حكوماتنا سعيدة بحالة الخمول الذهنيّ التي نغرق فيها، ودولنا تتباهى بأنّنا شعب يحبّ الحياة (أيّ الغناء والرقص والسهر) ولذلك لا بدّ أن يستجيب القدر ويقبل المطرب الصاعد بالصعود على أكتافنا ليصل إلى قمّة النجاح. وكي لا نقع في التعميم المضلّل لا بدّ من التنويه ببعض الزعماء الذين ملأوا الفراغ في أوقات شعوبهم بخطب سياسيّة طويلة تذكّر (وهل هناك مجال للنسيان؟) بإنجازاتهم في سبيل الخير العامّ (عوضًا عن دُور الأوبرا)، وبصور نسائهم وبناتهم الأنيقات في الحفلات الخيريّة للفقراء (عوضًا عن معارض الفنون التشكيليّة)، وبنقل حيّ لمآتم الشهداء ونقاشات مجالس النوّاب (عوضًا عن المهرجانات الموسيقيّة العالميّة).
     في المدارس علّمونا أن نملأ الفراغ في جملة ما بالكلمة المناسبة، ولكنّهم مع الأسف لم يعلّمونا كيف نملأ أوقاتنا بالأنشطة المناسبة وكيف نضع برنامجًا للعطلة كما نضع برنامجًا للدراسة والعمل.

ليست هناك تعليقات: