من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 22 يناير، 2014

ماري القصيّفي الروائية تكتب بتقنيّة "المفهوم الرفيع" HD "للجبل عندنا خمسةُ فصول" - بقلم ميشال مرقص

الأستاذ ميشال مرقص في حفل توقيع كتابي "للجبل عندنا خمسة فصول"

ماري القصيّفي الروائية تكتب بتقنيّة "المفهوم الرفيع" HD "للجبل عندنا خمسةُ فصول"
ذاكرة مغتصبة بألوانٍ جميلة حزينة 
لا أروع من أسلوبٍ ينقلُ الواقع والوقائع في حاضنةِ الشعر
بقلم ميشال مرقص
***
تُقاربُ الأديبة ماري القصيّفي روايتها الثانية "للجبلِ عندنا خمسة فصول" بتقانة "المفهوم العالي" (HD) متفوّقةً على تقنيّة الأبعاد الثلاثة، فللرواية الثانية مخزونٌ كبيرٌ من المعلومات، تُتعبُ الكاتبَ والقارئَ معًا، لكنّها تحفظُ في مرآةِ التاريخِ كمًّا هائلاً وغنيّا من الزوايا الحادّة لحالاتٍ شائكة وشخصيّاتٍ موتورة وعقائد أو توهّماتٍ تسقطُ تحتَ أول انهيارٍ في تُربةِ الأساسات. وهي أتقنتْ روائيّة "المفهوم العالي" (أش دي) على غرار قفزته التقنية في عالمي التلفزيون والفيديو لناحيةِ نقاء العرض الصوري، واللون المحلّي ووضوحِ الألوان بجُرأةٍ لم تتوقف عندَ محرّم ولا تتراجع أمام ما يُمكن أن يُشكّلَ تهديدًا، لحوادثَ لا تزالُ تجرحُ الذاكرةَ وتنحرُ الوئامَ كلما ابتعدَت في المسافةِ الزمنية. إذ ليسَ ما يُضيمُ جرح الوطنِ، بل جروحًا لدى الناس المُشتتين في وطنٍ يستقيلُ من ذاكرتِه، وفي مجتمعٍ ينوءُ بصدق التاريخ فيبتكر ذاكرةً مشوّهةً ويُصدّق أنّه إذا كذبَ يُمكنُ لعينِ الضميرِ ألا تثقبَ ذاكرةَ قايين...
وأمام الفصولِ الخمسةِ للجبل، تجدرُ المقاربةُ في خمسةِ فصولٍ أيضًا:
1- عرض الرواية والنفاق السياسي والوطني
2- الأمراض الإجتماعية والأهداف الإصلاحية أو الهادفة 
3- مرايا الألم
4- الحب والزواج والطلاق والعلاقات الحميمة
5- براءة اللغة وهدير الكلمة
1
يتناولُ العرضُ التاريخيُّ وقائعَ من الحربِ اللبنانية الداخلية بين أفرقاء الصراع السياسي والطائفي والمذهبي. وتنحصرُ الأحداثُ حول الحرب في جبل لبنان – بل في قسمٍ منه أي جبل لبنان الجنوبي وبخاصّةٍ بين قضائي عاليه والشوف وتهجير المسيحيين من هذا القسم من جبل لبنان. وهي تستعيدُ جذور هذا الخلاف إلى ما قبل مئة وعشرين سنة إلى مجازر 1860 والتي استُكمِلتْ حتى الشام في ما تأخّرتْ – إثرَ الحرب اللبنانية - من القرن العشرين إلى الحادي والعشرين لتعود وتشتعل في الشام وتمتدُ لتحرق سوريا كلّها... فليس ما يروي "تراب البلدين سوى نهرٍ طويل من الدماء" لا تكتبُ الأديبةُ الروائية التاريخ، بحسب مفهومه الحديث، - رُغمَ إتقانها أصوله - بل هي تعرضُ بانوراما تاريخية من شُرفةِ الذات، ومن وثائق حيّة وشهود نبتت جذورهم في بُركِ الدماء وامتدت غصونهم الوارفة لتُغطّي بشاعةَ أسوأ ما يُمكنُ أنْ يحصل في تاريخِ وطنٍ قيلَ إنّْ أنبياء الله أنشدو جماله وبخوره وعطوره وجمال نسائه من ملحمة جوبيتير وأوروب إلى "جميلة" نشيد الأناشيد ... بلوغًا إلى أليسّار وعشتروت ... وتسعى بخفّةِ ظلِّ وغزارة معرفة إلى إبراز إشكالية الإنصهار الاجتماعي في تلك البقعة من الأرض الجميلة، باعتمادها التاريخ المتعاكس والتطور المتناقض في مشهدية سينمائية تُقارب الحركة العبثية في إبراز التناقض بين متعايشين سلبيين لم يتمكن جمالُ الزيفِ من دفنِ حقدٍ "تقمّص" من جيلٍ إلى جيل كأنّه بُركانٌ يستفيقُ فجأةً من ثباتهِ ويصهرُ جماجمَ الألفة والوفاق في ثأرٍ جنبلاطي قديم وصدئ من المير بشير الثاني الكبير، وكراهية لم يستطع الشعر أن يلمّعها كي لا تبدو وقحة، رغم ما أيقظها من بشاعاتٍ ...
تلعبُ الأديبة ماري القصيفي لعبتها الأدبية برشاقة في سلسلةٍ جيوميترية حجمية كأنما فصولها أهراماتٌ متواصلة ما بين قممها وقواعدها. المرحلةُ الواحدة هرمٌ والمراحل أهراماتٌ تتداخلُ الرؤوس اللاحقة بالقواعد المتسعة السابقة. ولا تتوقف. الخيطُ الماسكُ يعقدُ طرفه في داخل قمّة الهرم الأول إلى منتصف قاعدة الهرم الأخير... فلا ينتهي القارئ من واقعة توقفت الأديبةُ عندها في بابٍ من أبواب فصلٍ ما، بل يعودُ ويلتقي تتمةً لها في بابٍ لاحق من فصلٍ آخر أو من الفصل ذاته. وقد أوجبَ تطوّرُ المشهد البانورامي عرضَ اللوحاتِ المتناقضة، حيثُ التاريخُ كانَ مشهدًا جميلاً مع نمو الأولاد والصبايا من طوائف مختلفة لا سيّما بين مسيحيين ودروزٍ ... لا تختلف بناتٌ مسيحيّاتٌ مع شباب أو صبيانٍ من طائفة الموحدين ... حيثُ العشقُ والحبُّ والحميميات البريئة أو غير البريئة تحصلُ ... لكنّ الحبّ يسقط عند عتبة الزواج المحظّر... من هذا الواقع الجميل – المؤلم، يتخذ التطوّرُ المُدني في عاليه أم المصايف كما قيلَ فيها، مسلكًا غيرَ سويٍّ بل هو واقعٌ أكثرُ باطنيّة من باطنيّة سكانِ المنطقة... وجهاء سياسيون وأثرياء يتملّكون عقاراتٍ ليبنوا فيها قصورًا وفيلاّتٍ يقطنونها صيفًا ...فيما تبقى فارغةً للنواطير وعائلاتهم من سكّان المنطقة معظم شهور السنة ... الأخيرون، رجالاً ونساءً يتنعمون من خيرات أهلِ الدار... سواء من الثياب والعطور للنساء وهي تكاد تكون جديدة، وأثاث بيوت وثياب وغيرها من عتاد للنواطير ... لكن الشرخ المعيشي – الإجتماعي لا يزالُ قائمًا... لمْ يُسعف النمو العمراني والانخراط السكاني المؤقت، في رتقِ الفجوة المُهلهلة، لا عموديًّا ولا أفقيًّا...كأنما المالُ لا يختلطُ مع الفقر، وكأنَّ الأخيرَ ينتظرُ فرصةً لينقضَّ على الثروة ... حتى بعدما هجر اللبنانيون فيلاتهم وباعوها من أثرياء عربٍ وتوجهوا إلى منطقة الكسليك وبلداتٍ متنية ... لم يتوّرع النواطير وعائلاتهم من السطو على أثاث القصور تلك.
منذُ الصفحة الأولى تُرتبُ الراوية مدخلاً لا تتضحُ معالمهُ إلاّ في أواخر الفصلِ الخامس... الأخير. فتلبُّسُ الأديبة ماري القصيّفي شخصيتين وربما ثالثة في رؤيوية روائية ذاتُ أبعادٍ إشعاعية، يَبدأ بتكوين شخصيّة إبنة خالة مي م. الريحاني، وينتهي بشخصيّة دانيال المثلّث الحالات أيضًا، مرورًا بشخصيّة سلوى. الأخيرة يقولُ لها الطبيبُ النفسي:"يا سلوى أنتِ تلقينَ صعوبةً شديدةً في الحديث، ربما في الكتابة تنطلقين بحرّيةٍ في خفايا ذاتِكِ بعيدًا عن مراقبة أحدٍ". هي سلوى تكرهُها أمّها، تُلقي عليها عبء الاهتمام بشقيقها التوأم الذي سلبتْ ذكاءه وهي في رحم الحياة، وهي تحمّلت مشقات النزوح إلى دير القمر وأنقذتها، في الخفاء، امرأةٌ ذاتُ منديلٍ أبيضَ... وهي نزيلة دير الصليب في خدمةِ النزلاء والاهتمام بأخيها... وهي عاشقة لـ"دانيال" المهووس بالقضيّة المسيحيّة، رغم ارتباطه، وهي المشغولُ بالُها على شقيقها المأخوذ بكاسيتات الزجل يَصْفَنُ إلى المتبارين، بعيدًا عمَّا شوهّه شاعرٌ آخر حمّلَ شاعريتهُ حقدًا لا يليقُ بشاعر ولا بالشعرِ... وهي تريدُ أن تُعيدَ بناء بيتٍ تهدّم، لتفرحَ بالعودة ...وتُريد أن تتذكَرَ فسطانَ عرسٍ لم تلبس مثله في حياتها...وهي أدفأت ثلاثة رجالٍ ليستعيدوا ذواتهم فاتهمتْ بالبغيّ ... وفاجأتْ دانيال المغروم بها بأنّها ليستْ كما أغرضت الشائعات، ولا تزالُ عذراء... لكنّ عقلها الباطني - وهو يعيشُ في حالات الحرب وما قبلها، جمالياتِ السلم والاطمئنان-، توقّفَ عندَ تلك المحطّات... وعندما تأخذُ عنها إبنةُ خالتها مي م. الريحاني عناء إنهاء الرواية، فلأنَّ سلوى ضحيّة اغتصابٍ همجي خلال الحرب أمام شقيقها المتخلّف عقلاً، ونحرِ الأخير أمامها ... ما يوضحُ حديث الطبيب لها... وتُمسكُ الرواية هذا السرّ حتى مقاربتها النهاية لتفتحَ على سرٍّ آخر يتعلّقُ بسبب كره أمّها لها.... ويهتُكَ صنميّة الطقوس...
تأتي الروايّة كما تقولُ الراويةُ:"لتُنظّفَ جروحَ ذاكرتي بهواءٍ لا يُشبهُ غيره في أيِّ مكانٍ آخر، وأنْ أعيدَ إلى عينيَّ ألوانَ الفراشاتِ، وإلى أذنيَّ طنين النحلِ، وإلى قدميّ الحافيتين ملمسَ تُرابٍ لو أُتيحَ لكلِّ حبّةٍ فيه أن تحكي، لأخبرتْ قصصًا عن عشق الإنسان للأرض وكرهه للإنسان الآخر"...(ص 30) فالثقلُ يرجعُ إلى أحداثٍ عايشتها بل عاشتها الراويةُ – الكاتبة، وهي في "التنظيف" كأنّما تبحثُ عمّا يُحدثُ صدمةً في الذاكرة، فلا تُفضي إلاّ على جمالاتٍ تُبهجُ بلا أثمان، فالطبيعةُ تحملُ عشقَ ذاتها في روعةٍ إنسانية، لكنّها تفقدها بسبب كره الناس لبعضهم... هو الزيف السلوكي والمؤانسة الخادعة والسياسة الجوفاء المبنيّة على الأحقاد الدفينة، فيتمُّ قول الشاعر(زفر بن الحارث الكلابي): وقدْ ينبتُ العشبُ على دمنِ الثرى/ وتبقى حزازاتُ النفوسِ كما هي لا يُمكنُ لروائيّة تتدفّقُ الذكرياتُ العاطفيّة في كيانها ويُطبقُ على صدرها منها، إلاَّ أنْ تتوقف "عن قراءتها" (ص 275)، ومنها تُطبقُ جفنيها لتتراءى أمامها " المساحة الممتدة أمام ذلك البيت، بخليط الكنبات الموزعة على جنباتها والزهور المزروعة في علب الحليب المجفّف..." أمام هذه الجماليات التي يختزلُ غلاف الرواية بساطتها، لا تغفلُ الكاتبةُ عن سبب الحرب في الجبل، وهو سببٌ رئيسٌ تتدرّجُ منه أسبابٌ ثانويّةٌ تافهةٌ ... لأنّه المسؤول عن عدم الانصهار بين سكّان الجبل، وهو "الحقد"... "أتذكّر ما قاله وليد جنبلاط لغسّان شربل في كتاب – أين كنتَ في الحرب؟ - إنّه حين انتصرَ في الجبل أخذ بثأر بشير جنبلاط" (ص 88)، علمًا أنَّ ما يقولهُ جنبلاط ليسَ منزلاً، فالثأرُ تمَّ في عهدِ بشير الثالث، وبمساعدة قناصل، ووعود وتطميناتٍ لم يلتزم بها الدروز، بل كانت وعودًا لتطمين المسيحيين فيذهبُ رجالهم إلى العمل في الحقول والزرع، فيسطو الدروزُ على قراهم وبيوتهم قتلاً وذبحا ونهبًا وحرقًا من الجبل إلى راشيا إلى زحلة ... (د. مارون رعد - لبنان من الإمارة إلى المتصرفية – دار نظير عبّود - 19993) نكوثٌ في العهود والوعود، وربما من أجل هذا السبب قيل "تعشّى عند الدرزي ونام عند الماروني"، والتفسيرُ واضحٌ... 
ولا تُخفي الأديبةُ الأعمال المُخلّة بالأدب التي ألحقها أفراد من القوّاتُ اللبنانية بأهالي القرى الدرزيّة، أو وعد رفعت الأسد إلى إيلي حبيقة بعدم السماح بسقوط دير القمر، واتفاق أمين الجميّل مع السوريين "أعطيكم الجبل فاتركوا لي المتن" (ص 141)، وكشف أحد الأطباء اللبنانيين في باريس عن إستشفاء قاتل نقيب الصحافة رياض طه في أحد مستشفياتها، أو الحديث عن مؤامرة "نحنُ ضحيّة مؤامرة حاكها الجميع ضدّنا"، في الصفحةِ ذاتها... فالجميع كانَ مجبرًا على ما يقومُ به " يا ست سلوى يللي كان عم يقتل كان مجبور يقتل، ويللي كان عم يموت كان مجبور يموت. هيك بلّشت الدني وهيك رح تخلص" (ص 144) وغيرها من حالات الحرب القذرة ... في الجبل ... فحينَ سقطتْ بحمدون " سقط الجميعُ في امتحان العِشرة والقيادة والزعامة" (88) أو "ولم يكن أحدٌ يعرفُ، حتى الست (نبيهة) نفسها، أنّ الخبزَ والملحَ لن يقدرا على مقاومة نداء الدم". (100) و "نحنُ هنا قد نسمع في ايّة لحظة من يُذكّرنا بكلام طليع حمدان: أتركْ جبلنا وفل يا جاني... ناسي دروز الجبل ع الدم سكراني...(134)
لكنَّ الصورة القاتمةَ تلك، لم تنحصر بمنطقة لبنانية واحدة، ولا بين طائفتين متمايزتين، بل إن الحرب الأهلية في لبنان، أظهرت إلى العلن ما كان يُخفيه قعرُ بركِ الماء ذات السطوح النقيّة، حتّى إذا ما حُرّكت مياهها حتى القعر ظهر العِكْرُ والتراكمات.... نبت الحقدُ إلى خارج القلوب بين أهل المذهب الواحد، والقرية الواحدة والبيت الواحد ... وتعمَّمّ الفسادُ والقتلُ والهدمُ والسرقةُ ... لكن يقيني أن الكاتبةَ كانتْ لا تريد أن تستبدل صورةَ الجبل الهانئ بين طائفتين من أركانه، حملتها وهي في مراهقتها... لكنَّ ما حصل ليس سوى نتيجةٍ للنفاق السياسي بين الأفرقاء الأساسيين من جيل الاستقلال وما بعده... وهو نفاقٌ مردّه إلى حالات المجتمع المزيّفة والتي تشير إليها المؤلّفة بجُرأة ويقظة لافتة إلى كونها تنخرُ هيكل المجتمع...
ولا تنحصرُ الرواية لدى ماري القصيّفي، في إطار السرد من أجل السرد... هي واقعُ حياةٍ بمكعباتها وقببها ووهادها ... بجمالاتها وقباحاتها... بإشراقها وعتمتها ... والعملُ الروائي ليس سوى مجالٍ فسيح لنقل الواقع، والسعي إلى تحصين المجتمع من أمراضه غير السويّة... ناقلو الأمراض الاجتماعية هم "كبارُ القوم" المسؤولون عن سلامة المجتمع وحصانته وتحصينه، أذكرُ بعض الوجوه والحالات في سياق الرواية فالمونسونيور "الذي تحدّثَ طبعًا عن حنان الأم وقسوة التهجير"، وهي حالاتٌ تقليدية في تأبين الميت ورثائه..." لم يمد يده ليُعزّي كنّتنا السوداء، إذ اعتقد أنّها الخادمة، بل مدَّ يده ليتناول المغلّف من وكيل الوقف الذي كانَ جميل قد أوكلَ إليه مهمّة إكرام الكهنة" (ص 30). فالسياقُ الروائي يُبطنُ لدى القصّيفي الازدراء والنقد معًا وإن بأسلوب قصصي هادئ. ولا يقلُّ عن المونسونيور ضِعةً إلا المختار مزوّر التواقيع. تقولُ سلوى (ص28) "ثمّ علمتُ أنّ المختار زوّر توقيعنا وقبض المستحقات، مستغلاً جهلي في هذه الأمور" وتعني مستحقات إعادة إعمار البيت. ولا يقلُّ عنهما فسادًا من يُفترض أن يكونوا ضمير المجتمع "الشاعر والصحافي والمعلّم والسياسي"، كأنّما استقال الجميع من مكاناتهم ورسالاتهم السامية المميّزة، وتعدّوا على إختصاص الآخرين. ومن حيثُ لا تُشير الكاتبة، تعني ما سبق أن ذكرته أمثالٌ خرافيّة عن غرابٍ أرادَ أن يُقلّد مشية الحجل ففشل ونسي مشيته، وضفدعٍ خطر له أن ينتفخ مثل ثورٍ... تُشير في صفحة 13 " حتى أن الممثلات والمذيعات يكتبنَ، والصحافيين والمعلمين يكتبون، والسياسيين يستكتبون الجميع"... فباتَ ما يُكتبُ إمّا هزيلاً وإمّا مأجورًا... وعندما تسقطُ الكلمة يسقطُ الوطن...وتنهارُ الأخلاقُ... تنهار الأخلاق؟ أجل عندما تتحوّل مناسباتٌ دينيّة، مثل عيد مار يوسف، في 19 آذار، إلى مناسبة لتكريس طقوسٍ وثنية، واحتفالاتٍ ليس لها بالدين صلة... يسكرون عند المختار، ولا يعودُ أحدٌ يعرفُ الآخر، وتسقطُ معالم عيد "الطهارة" في اختلال الأخ المخمور، يقيمُ علاقة جنسية مع زوجةِ أخيه، وهذه – في سواد العتمة- تظنّه زوجها – ثمّ تحملُ إثم السِفاح والمحرّم طوال عمرها وتقضي على جمالاتٍ في حياة ابنتها..." يمكنُكِ أنْ تبدأي روايتكِ بالقول، إنّ خالتكِ نامتْ مع رجلين في ليلة عيد القديس الذي لمْ ينمْ مع غمرأة" (ص 312)... وهذا الفساد في الأعياد والتقاليد، والاستضافة في بيوت جبلية قديمة تتساوى فيها مجالاتُ استخدامها، ربما تُخبّئُ وراء جدرانها حالات إجتماعية لا تزال تنعكسُ في سلوكيات اللبنانيين جميعهم ... وبمثل هذا الخداع في المجتمع يثأر شربل وساميا فهما (ص 60) "عاملا الجميع بمثل الخداع الذي يُسيطر على حياتنا كلّنا".
3
يطول الحديث ولا ترتوي الكتابةُ عن رواية ماري القصيّفي "للجبلِ عندنا خمسة فصول" – فهي مرايا حقيقية للألم، ألم جسدي ينبع من دماءٍ تسيل ولا ترتوي الأرض، ومن مدافنَ لا يعرفُ من في باطنها، وقتلى لا تُعرفُ أينَ قبورهم "هل يعرف أحدٌ أين هي هذه القبور يا خواجه أديب"؟ (ص 56)، وخيبةٍ من مراهقة جميلة، وفساد يعم المجتمع، ووفاقٍ ينهار وصفاءٍ تُعكّره بندقية ومدافع، وامرأة أجنبيّة تُصلّي ليبقى حبيبها، فيُستجابُ لها جزئيًّا إذ يتحوّل زوجها إلى امرأة فلا تنفع الصلاة! إلى عولمة السرقة والجريمة كما حصل في باريس مع "أنطوني الناجي من المذابح اللبنانية". الرواية لا تُهملُ تفاصيل الألم لدى سلوى والعم أديب، والشقيق جوزف...وغيرهم ... ولا تُهمل مأساة السوريين الحديثة.
4
ولعلَّ الحالة الأهمّ، لدى القصيّفي، الحب والزواجُ. فهي كما في المجريات المهمّة للرواية، تتركُ رأيها أو الحالة الأساسية إلى الفصل الأخير. "أفلتتْ منّي قهقةٌ مدويّةٌ، فالتفتُّ إليهِ لأتناولَ شفتيه، كأنّي أستردّه من أوراق سلوى، وأعيدُهُ حبيبي وزوجي ووالد بناتي وشريكي في كلِّ شيء، وقبلَ كلِّ ذلك، الرجلُ الذي لا يُبكيني بل يشربُ دموعي عندما تُبكيني قصصُ عائلتي، والذي يُثيرُ رغبتي فيه كلّما أضحكني. (ص 312). والأروعُ "أينما كنتُ مع دانيال (زوجها) يتأسّسُ وطنٌ (...) تاركًا العتمةَ ومقبِّلاً الضوء" (ص 313)...هذه الحالة الزوجية الناصعة – كما تصف حالتها في الصفحتين المذكورتين- هي بعكس ما تدرّج من حالاتٍ عبر الرواية، فشربل وساميا انتظرا 12 سنة ليتطلّق شربل من زوجته الخائنة، ثم أشهر إسلامه وتزوّجا. "ما عاد أمامهما حلٌّ آخر! العمرُ يمضي ملتهمًا صحّة شربل وأعصاب سامية، وزوجتُه ترفض الموافقة على الطلاق، بل تعمل المستحيل مستعينةً بأصدقائها المطارنة كي تُبطل كل قرار يصدر عن المحكمة هنا، وكي تُجبره على دفع النفقة. أشهر إسلامه وكتبا كتابهما عند الشيعة"!(ص58) و" تصوّري أن أحد الكهنة هو الذي حثَّهما على عدم الانتظار أكثر من ذلك، ونصحهما بالزواج عند المسلمين مؤكّدًا لهما أن عشرات الموارنة يلجأون إلى هذا الحل يأسًا من الانتظار والضياع بين لبنان والفاتيكان". (ص59) وتُبدي الكاتبة آراء لها في حالاتٍ اجتماعية باتت تُشكلُ انحرافًا عُضالاً في المجتمع:" نحنُ وهم لسنا من العائلات الكبيرة الراقية التي لا تلتفت إلى موضوع الاختلاف الطائفي، وقد يُمكن فصل الدين عن الدولة، لكن من المستحيل فصل الدين عن الحب والزواج"... وتتابع متهكّمةً من الأحزاب العلمانية:"إن أصدقاءنا إشتراكيون في الحب... لكنهم متى أرادوا الزواج عاد كلٌّ منهم إلى أحضان طائفته".... و"لم نشعر ولا مرّةً بأن لقبلاتنا طعمًا طائفيًّا مميّزًا"... وترى بطريقةٍ فيها إنتقادٌ موجعٌ:" البنات اللبنانيات الذكيّات لم يعدنَ يحتجنَ إلى الزواج، واللواتي يرغبنَ في الزواج ساذجات لا يحكين سوى عن التسوّق. قد يصلحنَ للحمل والانجاب، لكن قطعًا ليسَ لتحمّل المسؤوليات وتربية الأولاد". (ص 39) وإذ تعتبر من حسن الحظ " أننا من طائفة مسموحٌ فيها لفتاتين أن تختبرا الحياة مثلنا". تنتقد التحوّل المخيف لتلك الحرّية الخلاّقة التي صارت حرّية خلاّقة صار فوضى مدمرّة لا منطق لها ولا حس بالمسؤولية، وتقاليدنا تحوّلت قيودًا بلا رؤية مستقبلية".
ولا يُمكن إلاّ التوقف، لدى القصّيفي، عند إيرادها علاقاتٍ حميمة تنتهي إلى نثرِ بكارة الفتاة، فهي في روايتيها، (الأولى: كل الحق على فرنسا)، أوردتْ أول لقاءٍ بين ضابط فرنسي متزوج مع فتاةٍ لبنانية دون العشرين، في مشهدٍ رومانسي بمستوى الورمانسية العابرة من باريس، وبين لقاء دانيال الصحافي اللبناني المتزوّج من إمرأةٍ ثيّب، وسلوى العذراء وهي في الخمسين من عمرها، وهو لقاءٌ سريعٌ لم يشربا حتى زجاجاتي البيرة خلاله... وكان ما سال من دماء تلك العذريّة هو الدم الجاري من تلك الحرب العبثيّة "أرى إلى الشرشف الأخضر المبقّع بدم بكارتي، فأرى جبلاً أخضرَ ينزف (ص 24)...وللتحليلٌ مشارف لا تتسعُ للتفصيل هنا...
5
مهما كتبتُ عن الرواية الثانية للأديبة ماري القصيفي، أشعرُ وكأنني أكتبُ في عُجالة... فالردهةُ المليئةُ بالمرايا المتعاكسة والسحرية لا تنتهي مساحات ومسافات. يُزيّنها أسلوبٌ رشيقٌ ممتلئ حيوية ونبضًا متناغمًا مع الوقائع. لكن أتوقف عند الديناميّة السردية، وعدم إغفال أدق التفاصيل في البيئة المحلّية واللون المحلّي. فالرواية كما سبق وبدأتُ هي بتقنيّة "أش دي"، الصورة المكثفّة بالألوان، وبالحركة التفصيلية الدقيقة الخالية من فراغاتٍ هوائيّة. ومن دون الحصر أتوقف عند وصفها للنساء الدرزيات (ص-189) "عند الغروب، تخرجُ صاحبات المناديل النظيفة كمياه الخلق، (الله!) ليمضينَ بعض الوقت في شرب المتّه في منزل إحدى الجارات، ولو كانتْ مسيحيّة". أو قولها "وأضع فراشي قرب "اليوك" الذي تُغطيه ستارة رقيقية ناصعة البياض تشي (هذه الـ تشي) بوجدود مزيدٍ من الوسائد والأغطية واللحف ..." (ص 87) – أو وصفها للشاب المحارب وهو يطيّر ماء (يبوّل) بعكس اتجاه الريح، أو كلامها عن الأرض وعن أجواء ليلة عيد مار الياس، أو وصفها لحالاتٍ نفسيّة لا سيما لرغبة سلوى في إقامة علاقة حميمة واكتشافها عمر جسدها في مرآة الفندق، سلوكيّات العاشق بعد الانتهاء من علاقة حميمة في سرعة... أو ...أو.... لا نهاية في رواية القصيّفي من اللون المحلي، والحركة، ونقل الواقع ونقل الشغف ورسم الحقد والغضب، وإيراد الأمثلة السائرة، وذكر الفنانين والصحافيين والأدباء والمراجع بطريقة غير تقليدية، هي طريقة ماري القصيفي وأسلوب مي م. الريحاني ....والأهم أنّها تفيضُ في حسّها عن الآخرين. هي الماضي والحاضر والمستقبل. هي المتكلّم والمخاطب والغائب، هي اللون والهمسُ والبكاءُ. هي الحنانُ والغضبُ والحسرة. هي الواقع والخيال والسوريالي، هي الارتباط والتجاوز والانتقاد... هي الخرافة والتقليد والأعجوبة، في مقابل التطور والواقع الملموس والثقة ... هي العاشقة والخائنة والزوجة الناصعة في السعادة...
روايتان، محورهما الأديبةُ ذاتها في شخصيّاتٍ مختلفة، قد تتجاوز الثالثة محورية الأنا... الأنا عندما تنوء بأحمال الواقع وأثقاله. الأنا تتنزّه عن تناقضات ما تحمله الروايات من تناقضات ... أكرّر. لا أستطيع أن أذكر الجماليات القصيّفية كلّها. فإلى "للجبل عندنا خمسة فصول"... والتوقف عند جمالياتٍ نخسرها ونفقدها، لعلّها تبقى في شاشة الذاكرة كما تقول ماري القصيفي.
"لكنّ الوجع الحقيقي هو المُقيم في ذاكرتي المُغتصبة" – تقولُ سلوى بو مرعي...

هناك تعليقان (2):

Association for Treatment of Pain يقول...

le grand roman du début de ce siècle. A lire, relire et faire lire.
nagi mimassi

ماري القصيفي يقول...

Nagi Mimassi
أشكر لك شهادتك في الرواية وأقدّر دعوتك إلى قراءتها
تحيّاتي