من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 30 ديسمبر، 2016

خمسون عامًا تفصل بين قبّعتين (2012)



خمسون عامًا تفصل بين صاحبة القبّعة البيضاء وصاحبة القبّعة السوداء!
خمسون عامًا مضت على الطفلة التي كانت تقف خائفة على درج تمثال الشهداء في ساحة البرج!
خمسون عامًا!
نصف قرن من الزمن!
نصف عمر في حسابات الأعمار والأمنيات!
والطفلة التي كانت تريد أن تتمسّك بشيء يقيها السقوط أمام المصوّر الغريب، جلست في ثيابها السوداء تستريح في منتصف الطريق!
***
كانت الطفلة يومذاك برفقة أمّها، في طريقهما إلى مستشفى الجامعة الأميركيّة، في تلك السنة التي انتشر فيها، وقبلها، وبعدها، شلل الأطفال، فباءت رجلها اليمنى بالفشل في مواجهة طغيان الوباء، وفي غياب اللقاح، بينما حقّق سائر جسمها نجاحًا في المقاومة. ومنذ ذلك الحين وهي تشعر بأنّها قادرة على الانتصار!
تنظر الطفلة البيضاء، وهي تجاهد لتبقى واقفة، إلى الكاميرا، فترى امرأة ترتدي ملابس سوداء أنيقة. وبطريقة ما، تعرف أنّ هذه ستكون صورتها بعد خمسين عامًا! وبطريقة ما، تعرف أنّ المشوار سيكون طويلًا ومرهقًا ومؤلمًا!
وتخاف!
خمسون عامًا نصفُها الأوّل في عالم المستشفيات والعمليّات الجراحيّة والأوجاع، ونصفها الثاني في عالم الحرب والخوف والموت، وبين هذين العالمين كان عليها أن تشقّ طريقها لتحقّق شيئًا ما، لتقف من دون أن تقع، لتتعلّم كيف تنهض بعد أن تقع، لتمشي من دون عكّاز، لتمشي نحو هدف، لتعوّض على الوالدين صدمتهما بما أصاب ابنتهما البكر، لتكون الأخت الكبرى لشقيقتين وشقيقين أُهملوا مرّات بسببها وبغير إرادة أحد، لتكون هي، لتتصالح مع طفولتها، لتصالح عقلها مع جسمها، لتطوي الصفحات بعد أن تنتهي من القراءة، لتكتب عن مراهقتها التي تأخّر موعد وصولها، عن الحبّ الذي يصل دائمًا بعد انتهاء الدوام، عن الصداقات التي نحرها الطموح، عن الخيبات التي جعلتها على ما هي عليه، وعن الألم الذي أحاط بها في المستشفيات وأنساها غالبًا ما هي فيه! وعن الكتب! خصوصًا عن الكتب والكلمات والدفاتر البيضاء التي كانت بلون ثيابها، قبل أن يتسلّل الأسود إلى الأوراق والخزانة!
***
الطفلة التي كانت خائفة من الذهاب يومذاك إلى المستشفى، حيث عليها أن تخضع لجلسات طويلة من العلاج الفيزيائيّ، تعرف الآن كم كانت شجاعة! وكم كان حظّها كبيرًا في أن تنجو ممّا كان يمكن أن يقضي عليها كما قضى على ملايين الأطفال في العالم! وكم كان والداها، على تواضع إمكاناتهما، رؤيويّين في تأمين أنواع علاجات خشي سواهما من الأهالي التفكير في احتمال أن تنفع أولادهم، خصوصًا في غياب دولة قادرة على أن تتعامل مع وباء عالميّ كهذا!
***
صاحبة القبّعة السوداء تنظر إلى الكاميرا وترى طفلة خائفة في ثياب بيضاء، تقف بصعوبة على أولى درجات سلّم الحياة. تمدّ لها يدًا تبدّد خوفها من السقوط، غير أنّ الصغيرة ترفض، وتصرّ على أن تكون وحدها في الصورة، وتنجح، وتبقى واقفة، وتمشي بلا عكّاز، وتقطع مسافة خمسين سنة، وحين تجلس لتستريح، تفكّر في موضوع كتابها الجديد!

هناك 10 تعليقات:

جمال السيد يقول...

كم أنت كبيرة يا مريم حتى في ألمك. بوحك يُدمِع ويُدمي معاً. تحياتي لذات القبعة السوداء ويمناها المصابة، وقبلة محبة خالصة على قلبك الناضح بالإيمان حتى حِلّ الشكوى

محمد متنبك يقول...

سيدتي لكـِ أرفع قبعتي احتراما وتقديرا لك ولتلك الأنامل التي سطّرت عبر الخمسون عاما ابداعاً عشقته حد الثمالة.

منذ أن قرأت لكِ لم تفارق كتاباتك خيالي القزم بجوار فكرك الجميل.

سيدتي لكـِ محبتي.

غير معرف يقول...

ktir mou2assara hal 2ossa w betkhalle ll wa7ad yetshaja3 la mouwejahet mashekel ll hayet.

Yasmeen 2A يقول...

I love you Mary , you inspire me =))))

ماري القصيفي يقول...

الصديق جمال/ كلماتك الشعر والمحبّة، لك تحيّاتي ومودتي

الصديق محمّد/ أنت عملاق بمحبّتك واهتمامك ولطفك، لك التقدير والشكر

إلى غير معرف/ نستوحي من حكايات بعضنا، ونتعلّم مهما تقدّم بنا العمر، شكرًا على المرور والإضافة

إلى ياسمين/ محبّتي لك وشكري على المرور والتعليق، يسعدني أن أكون ساهمت في شيء جميل. كوني بخير

غير معرف يقول...

جميلٌ التحدي: تحدي المرض وتحدي الحياة. اتمنى لك سيدتي دوام الصحة والنشاط.

غير معرف يقول...

I hope the upcoming years will bring you more happiness than the ones that passed.

ميشال مرقص يقول...

أنحني خشوعًا. ثقَتُكِ الذاتية إيمانٌ حملتكِ على السيرِ فوق الماء. "إنْ شئتَ – وأنتِ شئتِ – فمشيتِ". حبّةُ الخردل منحتكِ، ليس فقط قوّةً للمشي، بل جناحين إلى حيثُ يُقصّرُ كثيرون ممن يوصفون "سليمون"...
أنتِ يا سيّدتي بلغتِ – مع هذه الثقة والإيمان – ما قصّرَ عنه كثيرون... ممّن رموا عزيمتهم ... بدّلي قبّعات و... ألّفي واكتبي فلمثلكِ واحاتٌ غنّاء في هذا العالم الغائر في مادّيته ... وما كتبتِ اليوم، أدبيّةٌ سلسة الإنسياب والشاعرية المفعمة بروح التحرّر من ألمٍ لا يزالُ يتركُ أعمق من وشم...
سلمتِ بكِبر.

ماري القصيفي يقول...

إلى غير معرّفين: شكرًا على المرور والإضافة. أعطاكما الله الصحّة والعافية

إلى الأستاذ ميشال الكبير قلبًا وفكرًا: تحيّتك شهادة لي، وكلماتك مدرسة إيمان وعزم، لك خالص التقدير والشكر على اهتمامك ومحبّتك. حفظك الله وحفظ لك عائلتك ودمت عالمًا وكاتبًا وشاعرًا

Miliane Saba يقول...


أُسميكي "امرأة التحديات"..
محبتي و كتر من "المواهااااااااااااات"..أحلى ماري...