الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 14 سبتمبر، 2009

سلوى القطريب وموسم المطر الجميل



سلوى القطريب

على الرابط أدناه أغنيتها "شو في خلف البحر"
http://youtu.be/U-aD4GxKLGU

سلوى القطريب في مسرحيّة "بنت الجبل"

على الرابط أدناه أغنيتها "وعدوني"
http://youtu.be/AKZD0e6nyHk

      (14 أيلول 2009)
     تأخّر المطر الذي نعرفه، تأخّر لكنّه وصل مصطحبًا معه الثلوج والرياح والعواصف والبرد. رذاذًا أو حبالاً، خفيفًا أو عنيفًا، انهمر غير أنّه لم يغسلنا بعد ولم يطهّرنا، ولم نخرج من تحت معموديّته جددًا وأنقياء.
     عاد الشتاء الحقيقيّ، وعادت البروق والرعود توقظ فينا طفولة نائمة غارقة في دفء ذكرياتها، وصار الدفء حبيبًا نريد الالتصاق به والنوم في أحضانه، ولبست حبال الغسيل عقودها اللؤلئيّة، ووضعت أوراق الأشجار أقراطها المائيّة، غير أنّ القلق المقيم في النفوس والسعي الدائم لكسب الرزق يعيقان الناس عن الاستمتاع بالشتاء الذي وصل أخيرًا بكلّ حلّته ومجده وجماله. فقليلون هم الذين يخفّفون سرعة إيقاعهم اليوميّ ليتوقّفوا قليلاً ويتأمّلوا التغيّرات التي تتوالى أمامهم وتولّد آلاف المشاهد الجميلة المعبّرة.
     وفي عزّ هذا الشتاء البارد، دخلت المطربة االبنانيّة سلوى القطريب في غيبوبة، بعدما أصيبت بجلطة دماغيّة خطيرة. وقبعت وحيدتها الفنّانة آلين لحوّد مع والدها ناهي وعمّها روميو لحّود وباقي أفراد عائلتَي القطريب ولحّود في غرفة الانتظار ينتظرون أن تستيقظ سلوى وتغنّي لهم: بدّي غنّي غنّي غنّي/ وخلّي العالم تفرح منّي/ بدّي غنّي/ وان لاموني وزعلوا عنّي/ وصارا كلّن يحكوا عنّي/ بدّي غنّي . والانتظار في المستشفى أصعب أنواع الانتظار وأكثره طولاً وأثقله وطأة. انتظار ولادة أو انتظار موعد معاينة أو انتظار مريض كي يخرج من غرفة العمليّات ويفيق من تأثير المخدّر أو انتظار مريض في غيبوبة كي يقرّر إن كان يريد أن يرحل أو يشدّ بأنامله النحيلة على يدٍ تتمسّك به.
     ماذا يفعل المنتظرون في المستشفى؟ هل يصلّون؟ هل يطرحون أسئلة عن الأسباب والنتائج؟ هل يتبادلون الأحاديث كي ينسوا ما هم فيه؟ هل يشربون القهوة وينفخون السجائر؟ هل يهرعون إلى الطبيب كما لاح طيف ردائه الأبيض في الممّر؟ هل يبكون؟ هل يغضبون؟ هل يصمتون؟ ربّما يفعلون كلّ ذلك وأكثر. فالوقت طويل، والمنتظرون معلّقون من رؤوسهم بعلامات استفهام متلاصقة كعلاّقات الثياب في خزانة فارغة في بيت جبليّ خال من الحياة.     كنّا، صغيراتٍ، نلهو بتمثيليّة ساذجة على مقياس أعمارنا، وكانت اللعبة تقضي بأن تُختار فتاة من المشاركات لتجلس في وسط حلقة من الفتيات وتتظاهر بالبكاء. فتسألها الفتيات المحيطات بها على لحن رتيب: يا سلوى ليش عم تبكي؟ فتجيب الفتاة التي صار اسمها سلوى حين وقعت عليها القرعة لتكون الباكية: عم ببكي بدّي رفيقة. فتجيب الصغيرات مواسيات: قومي نقّي (أي اختاري) شي رفيقة. فتضحك الفتاة التي كانت تبكي وتقف وتتوجّه نحو فتاة ثانية وتختارها لتكون رفيقتها. لم أعد اذكر ماذا يحصل بعد ذلك، وإن كان المشهد نفسه يعاد تقديمه بممثّلات أخريات، حتى تتمّ دورة الصداقة ويتوقّف البكاء، ولا تعود عينا سلوى دامعتين.
     سلوى القطريب لا شكّ كانت تبكي في غيبوبتها خائفة على الذين تحبّهم ولا تريد أن تتركهم، خائفة على "ألين" التي كانت تعد نفسها وجمهورها بأنّها ستغنّي مع أمّها ذات يوم، فهل تسمعنا إن قلنا لها الآن: قومي نقّي شي رفيقة، شي غنيّة، ولكن لا ترحلي في موسم الرحيل هذا.     المطر جميل يا سلوى، وحرام أن يفجع من حولك برحيل آخر بعد رحيل "ألين" الصحافيّة الشابّة، شقيقة روميو وناهي وبابو وناي، ورحيل "ألان مرعب"، راقص الدبكة ومعيد مجد "الهوّارة" وهو زوج ناي وصهر آل لحّود، ورحيل الدكتور بشير سعادة الصهر الآخر زوج مصمّمة الأزياء بابو لحّود. هل ثمّة عائلات ترافقها الفجيعة ولا ترضى أن تحيد بلعناتها عنها؟
     يا سلوى ليش عم تبكي؟

ليست هناك تعليقات: