من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 31 مايو، 2015

في غياب أهل الحكمة (2009)




(تشرين الثاني 2011)
كانت الشعوب القديمة تفتخر بحكمائها وعقلائها وشعرائها وأطبّائها، إذ كان في كلام هؤلاء وأفعالهم ما يرشد الآخرين إلى ما فيه بقاء مجموعهم وحفظ تراثهم وخلاص نفوسهم وأجسادهم. ولم تكن أمور الجماعة لتستقيم لولا لجوء القبيلة أو القرية إلى أهل الحكمة والعقل للاسترشاد بآرائهم والتعلّم من خبراتهم. ويقال إنّ قبائل الهنود الحمر كانت توكل إلى من تقدّم في السنّ من أبنائها أن ينصرف إلى إعداد أواني الطعام من قدور وصحون وجرار، على اعتبار أنّ هؤلاء العجزة قد توصّلوا إلى نوع من السكينة والسلام الداخليّ، ما يجعلهم يبثّون طاقة إيجابيّة في مصنوعاتهم الحرفيّة، تنتقل عند تناول الطعام إلى سائر أفراد القبيلة.

ومعروف المثل اللبنانيّ الذي يقول "اللي ما عندو كبير يشتري كبير" في دعوة جازمة إلى التمسّك بكبار العمر الحكماء (طبعًا)، واستشارتهم في شؤون الحياة وشجونها، ولو كان الكبار صاروا في صورة لا تشبه قطعًا ما كانت عليه صورة أجدادنا، وهذا من طبيعة الحياة والتطوّر. وفي هذا الإطار يمكن وضع حكايات الجدّات التي يميل أكثرها إلى تعليم درس أخلاقيّ أو عبرة تصلح لمواجهة آتي الأّيّام. ولكن ما آلت إليه أمور كبارنا اليوم تدعونا إلى التأمّل في مصير مجتمع كامل استقال فيه كلّ الناس من مسؤوليّاتهم: فلا الآباء آباء، ولا الأمّهات أمّهات ولا الأجداد أجداد.

تساوت الأعمار والخبرات وصار الجميع كأسنان المشط أمام شاشة واحدة (تلفزيون، سينما، كومبيوتر)، فشاخ الأطفال من هول العنف الذي يرونه و"شبشبَ" الشيوخ أمام أجساد ووجوه لم تستطع مخيّلتهم الوصول إليها في عزّ المراهقة.
فمن أين يأتي الحكماء إذًا، والحكمة في أيدي أغبياء لا في أفواه مجانين؟
عاملة آسيويّة تهتمّ بطفل لبنانيّ في وسط بيروت
***
لم يعد الكبار يجدون الوقت للتفكير في أمور الحياة بعدما جرفتهم رغباتهم الآنيّة العابرة: لا يقرأون، لا يحلّلون، لا يناقشون، لا يتذكّرون ويستخلصون العبر. كبارنا اليوم إن لم يكونوا مرضى وفي دور العجزة، مسمّرون أمام شاشات التلفزيون ليستمعوا إلى مناوشات سياسيّة معيبة أو برامج دينيّة تثير الأعصاب لسذاجتها وسطحيّتها، أو هم "يؤركلون" في المطاعم، أو يبحثون عن مغامرات قد تعيد إليهم وهْم الشباب، في غياب ضمانات اجتماعيّة للفقراء منهم، وإهمال تامّ من المؤسّسات الرسميّة لتأمين أماكن ترفيه وتواصل اجتماعيّ حيّ ومباشر لا عبر صداقات افتراضيّة وهميّة.
لقد أكل الذئب الجدّة، وأخذ مكانها ولكنّه لن يصطاد "ذات القبعة الحمراء" التي صارت محتالة عفريتة بعدما فقدت ضحكتها باكرًا حين انتهى عقد العمل لمربّيتها الآسيويّة.
وهي اليوم تلاعب الذئاب وتتلاعب بها. 

ليست هناك تعليقات: