من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 25 مايو، 2015

حين يكون المأتم أكثر من مأتم! (عن مأتم جورج القصيفي)

في الصورة العليا جورج وشقيقته أولغا
في الثانية المرحومة والدته وشقيقته ناديه

جورج وعمّتنا جنفياف  

    الآن، في هدأة هذه الساعة، وبعد انصراف آخر المعزّين، بدأ مأتمك.
   الآن، بعدما أقفلوا المدفن عليك، تاركينك بين والديك وقرب جدّتك وابنتيك وخالتك وابن عمّك، وبعدما انطفأت آخر شمعة في حِنية الكنيسة، انفجر نبع الدمع الذي حبسته إرادة جبّارة عن تحطيم حواجز "العيب" و"مين بعد بيبكي وبيصرّخ وبيندب"، و"نحنا مؤمنين بالقيامة يعني ممنوع الحزن"... الآن عادت حارسة الهيكل، عمّتنا "جنفياف" إلى صومعتها لتندبك في صمت، واندسّت حاملة الطيب "ناديه" تحت لحافها لتشهق بالبكاء من دون أن يسمعها أحد، وانزوت "أولغا" ماسحةَ وجهِك بالمنديل على درب الألم، تحت خيمة الياسمين لتغسل الورود والنباتات اليانعة بدموعٍ خنقتها طوال يوم المأتم الحاشد.
    لولاهنّ، يا ابن عمّي، لقلت إنّ المآتم بلا أمّهات وآباء ليست مآتم... ولقلت إنّ الحزن لا يليق إلّا بالوالدين، ولقلت إنّ الحزن اختراع مخصّص للأهل... لكنّ "جنفيفاف" العمّة، و"ناديه" و"أولغا" الشقيقتين، هم أهلك وأولادك وأصدقاؤك ومستشاروك ورفاقك على درب جلجلتك. وكنّ اليوم صوت أمّك وأبيك، صوتًا يبكيك بمثل بكاء "فريد" و"إيفيت" على "مارون" ابن خالتك، وكمثل بكاء "بشارة" و"جولييت" على "يوسف" ابن عمّك، وكمثل بكاء حماتك "سعاد" على وحيدها "الياس".
     هل يعني هذا أنّ إخوتك وأخواتك الآخرين مقصّرون أو جاحدون؟ أو أن زوجتك وبناتك وأعمامك وعمّاتك وخالاتك لا يرون فيك زوجًا وأبًا وقريبًا ونسيبًا يسحق موته القلوب؟
     بالطبع ليس هذا هو المقصود... لكن لكلٍّ من الآخرين، إلى جانب وجودك، عالمه الخاص: العمل أو الأبناء أو الأزواج والزوجات والأصدقاء... 
    ووحدك كنت العالم الخاص للعذارى الحكيمات اللواتي نذرن حياتهنّ لك وللعائلة كلّها. وفي غياب والديك صرن أهلك، أهلك الذين جعلوا مأتمك مأتمًا لأكثر من عمر منذور ومهدور ومقهور... 
    هل على العائلات أن تكرّس فتياتٍ للعمل والصلاة والحزن، فتيات يصرن، حزنًا بعد آخر، وصلاة بعد صلاة، ومهمّة تلو مهمّة، حارسات الهيكل وخادمات المذبح؟ 
    "جنفياف" التي مات والدها بعد أربعين يومًا من ولادتها، صغيرة العائلة التي ودّعت أمّها وأختها ماري وشقيقها والدك، وورثت هموم شقيقاتها وأشقائها وعائلاتهم، ندبتك اليوم وهي تشعر بيتم جديد يصفع شيخوختها... كانت أمّك وكانت ابنتك...لم تفارقك لحظة اليوم على الرغم من محاولات الجميع إبعادها عن نعشك...
    "ناديه" التي، بعد زواج شقيقتها البكر "جوزفين" ثمّ وفاة أمّها، صارت كبيرة العائلة، والأمّ والأخت والخالة الساهرة على شؤون الجميع، ولا أحد يعرف بأوجاعها التي تجيد إخفاءها... كانت أمّك وكانت ابنتك... لم نسمع صوتها اليوم مع أنّها كانت تصرخ ألمًا!
    "أولغا"، مديرة شؤون العائلة الكبيرة ومدبّرة أمورها، صديقتك في السرّاء والضرّاء، عرفت اليوم ما معنى أن ينكسر غصنٌ عربشت عليه يوميّات حياتها، وها هي تواجه رياح الأيّام الآتية مضطربة قلقة... كانت أمّك وكانت ابنتك... حرصت طوال أيّام الدفن والتعازي على تنظيم الأمور على طريقتك أنت وبحسب ما تعرف أنّك تريده...
    النساء الثلاث الآن، يحاولن إقناع أنفسهنّ بأنّك لم تعد هنا، بأنّك رحلت إلى غير عودة، وبأنّ كلمات التعزية كلّها ليست سوى تأكيد على هذا الرحيل. فيبكين، وينتحبن، ويختنقن وهنّ يحاولن أن يكتمن حزنهنّ عن سائر أفراد العائلة الذين سيعودون يومًا بعد آخر إلى رتابة حياتهم المعتادة أو فورة مشاريعهم وأسفارهم ومواعيدهم.
    وتبقى حارسة الهيكل "جنفياف"، تحيط بها "ناديه" حاملة الطيب، و"أولغا" ماسحة الدمع والدم بمنديل الصبر والصمت... يبقين شاهداتٍ على أعراس وولادات ومعموديّات وأمراض ووفيّات، كأنّهنّ تاريخ سلالةٍ شهدت في مرحلة قصيرة من العمر تغيّرات جذريّة، نقلتها من تقاليد إلى تقاليد، ومن جيرة الأرض إلى رحاب الغربة، ومن براءة الحياة اليوميّة إلى تعقيدات المجتمع ومتطلّباته...
    والآن، في مثل هذا الساعة، ومن دون أن أرى بأمّ العين، أؤمن بأنّ النساء الثلاث، العذارى الحكيمات، ساهرات: يتذكّرن ويبكين، ويفكّرن في تسيير شؤون العائلة الكبيرة ليوم الغد، وفي تنظيم أمور الكنيسة والرعيّة، ويتساءلن إن كنّ سيجدن القدرة على الاستمرار... لكنّ الحبّ الذي فيهنّ سيحوّل الدمع زيتًا لقناديل السهر في انتظار اللقاء مع أحبّة كثر صاروا هناك... وحتّى ذلك الحين ستكون ركوة القهوة على النار، عند العاشرة والنصف من صباح كلّ يوم، تنتظر الأقرباء والأصدقاء يلتقون ليؤكّدوا على حضورك بينهم... لعلّ الريحانيّة التي عشقتها تستمدّ من هذه اللقاءات عمرًا آخر، نتمنّى أن يكون أطول من عمرك...

هناك تعليق واحد:

ميشال مرقص يقول...



ما أغنى حزنكِ
وأرقَّ عبارتكِ...
وثراء ما تكتبين ...

أنتِ الدمعةُ المشوِّقةُ للاحتراق!