من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 6 مايو، 2015

وداعًا أيّها الكتاب! (1)

David Stoupakis

أزمة المطالعة في لبنان:

أعذار واهية تفضح الخلل في تكوين شخصيّة الإنسان وبنية المجتمع

     ثمّة مقولة سائدة في لبنان تستعاد مع بداية الصيف: "نحن مقبلون على موسم ميْت للكتاب، ففي هذا الفصل لا أحد يقرأ". وتحليل هذه الظاهرة الغريبة والتي على الأرجح لا يحدث ما يشبهها عند سائر الشعوب يضعنا أمام جملة معطيات تصبّ كلّها في نتيجة واحدة هي الكسل الفكريّ المنعكس في مختلف مظاهر حياتنا، ففي الشتاء عمل ودراسة وفي الصيف استراحة. فالناس المقبلون على العطلة يتزوّدون عادة كتبًا تبعدهم عن أجواء العمل وتمدّهم بنسغ جديد يساعدهم على تجديد أنفسهم، أمّا اللبنانيّون فيرون في الكتاب عقابًا أو قصاصًا يهربون منه كما يتهرّبون من الواجبات الاجتماعيّة المرهقة. 

     وحصر الكلام باللبنانيّين لا يعني في طبيعة الحال إعفاء العرب عمومًا من هذه الآفة التي غرّبتهم عن أزمنة حضاريّة صالوا فيها وجالوا في عالم الكتاب، ثمّ انكفأوا يجترّون أمجاد الماضي، من دون أن يبدو في الأفق أمل ولو ضئيلاً في أنّ الوضع مقبل على "ثورة" فكريّة ثقافيّة تعيد الكتاب إلى سابق مجده. وما مقاربة الحال اللبنانيّة تحديدًا إلّا محاولة لرصد الأسباب التي أبعدت وطن الأبجديّة عن القراءة، وأقصته عن مركزه الرياديّ كسوق نشطة للكتب، وجعلت أبناءه يجيدون عددًا كبيرًا من اللغات من دون أن يكون لديهم مادة دسمة للحديث أو الكتابة.

      اعتاد اللبنانيّون التذرّع بالحرب كلّما أرادوا التهرّب من مواجهة مشاكلهم. وإذا كانت الحرب حجّة مقنعة في بلد لا ينجو من أزمة إلاّ ليقع في سواها، فكيف نفهم إحجام الناس عن الكتاب الذي يستطيعون بواسطته الهرب من أجواء الحرب والويلات التي ترافقها وتنتج عنها، في وقت تكون وسائل الاتّصالات والمواصلات شبه مقطوعة؟ ليس سهلاً أن نجيب على هذا السؤال، لأنّ تعامل الناس مع الحرب يختلف بين إنسان وآخر، وأولئك الذين قبعوا في الملاجئ أيامًا وليالي يتذكّرون كيف انهارت أعصاب كثيرين كما تنهار الأبنية جرّاء القصف، وكيف أشرقت إنسانيّةُ من كان لا يعترف بأنّه متعاطف مع الآخرين، وكيف سقطت في المقابل أقنعة الجيرة والأخوّة عن وجوه الذين أعطتهم الحرب سلطة الخطف والقتل. ومع ذلك، فثمّة من استغلّ الحرب ليقرأ ما تطاله يده من كتب وصحف ومجلاّت. هؤلاء "الجبناء" الذين "هربوا" من واقع لا قدرة لهم على تغييره أو التأقلم معه أو الابتعاد عنه، وجدوا أنّ التقوقع في زاوية آمنة برفقة كتاب هو خلاصهم العقليّ قبل أن يكون طوق نجاتهم الجسديّ. ولكنّهم قلّة. الآخرون، كلّ الآخرين، اختاروا وسائل ترفيهيّة أكثر "متعة" ولا تتطلّب تفكيرًا وتحليلاً.

     ولكنّ اختيار الهواية التي يلجأ إليها الإنسان في الأزمات ليس وليد ساعته، واللبنانيّون، قبل الحرب، لم يعتادوا حمل كتاب للمطالعة في الأماكن العامّة، وكانت حياتهم الاجتماعيّة صاخبة ومليئة بالمناسبات العائليّة لدرجة أنّ من يرغب في صحبة الكتاب كان يعجز عن إيجاد المكان والزمان المناسبين لممارسة هوايته. فضلاً عن أنّ الناس كانوا ينظرون بريبة إلى من ينعزل ليقرأ ويعتبرونه واحدًا من ثلاثة: قليل التهذيب لا يحترم الناس أو مجنونًا لا يحبّ صحبتهم أو متعاليًا عنهم. وفي الحالات كلّها هو منبوذ مضطهد. ولم يساهم النظام التربويّ في جعل المطالعة "عادة" طبيعيّة فتصرّفت المؤسّسات التربويّة مع الكتاب على أنّه كتاب مدرسيّ حتّى ولو لم يكن كذلك. فكلّ كتاب يحمله التلميذ هو إمّا مادة للاستظهار غيبًا أو للفروض المنزليّة والامتحان أو للقصاص. فما من قراءة للقراءة، وممنوع أيّ كتاب لا يهدف إلى "تعليم" شيء ما بدءًا من قواعد اللغة والبلاغة وصولاً إلى قواعد السلوك والأخلاق.

     هذه الرقابة المفروضة على اختيار كتاب المطالعة، وتحويل مكتبة المدرسة منفى يُبعد إليه المشاغبون المطرودون من الصفوف كانا كافيين لإبعاد التلامذة عن القراءة، فكيف إذا أضيف إليهما امتحان التلميذ في الكتاب الذي فُرض عليه أن يقرأه في وقت قصير، ومن ثمّ تحميله مجموعة من الكتب ليقرأها رغمًا عنه خلال عطلة الصيف ليعود ويُمتحن فيها مع مطلع العام الجديد؟ ويشكو المعلّمون في المدارس بعد ذلك كلّه من أنّ التلاميذ يكرهون المطالعة.

     وبما أنّ المطالعة لم تتحوّل عادة حميدة عند تلامذة المدارس كان من المتوّقع منهم أن يتذرّعوا متى صاروا طلاّبًا في الجامعات بأنّهم غير قادرين على دفع ثمن الكتب وذلك ليخفوا عجزهم عن تحمّل "وطأة" المطالعة. ومعروف أنّ سعر "نَفَس أركيلة" في أيّ مقهى أغلى من ثمن كتاب قيّم، مع التذكير بأنّ طلّاب الجامعات زبائن دائمون في مقاهي الوطن. والمفارقة الكبرى أنّ المعلّمين والمعلّمات هم أسوأ مثال، فعلى عكس ما قد يظنّ كثيرون لا يصدّق أفرادُ هذا القطاع أنّ الكتاب خير جليس وإن نادوا بذلك أمام تلاميذهم. وحجّة المعلّمين أن لا وقت لديهم بسبب تصحيح الفروض وتحضير الدروس، بالإضافة طبعًا إلى غلاء الكتب.

     إن كان المعلّمون والتلامذة لا يقرأون، فهل نعتب على سواهم؟

ليست هناك تعليقات: