من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 1 يوليو، 2015

وهل ابني فاشل كي يتوجّه إلى التخصّص المهنيّ؟ (2009)




     في مثل هذا الشهر من كلّ سنة، يقف آلاف التلامذة اللبنانيّين أمام خيارات مصيريّة تضع الأطر العامّة لما تبقّى من حياتهم. وكأنه لا يكفي التلميذ أنّ عليه أن يحدّد اتجاهه العلميّ ثمّ العمليّ وهو لا يزال بعد طريّ العود وقليل الخبرة، حتّى تضاف إلى أسباب حيرته توجيهات متناقضة، يشترك في فرضها الأهالي والمربّون وأسواق العمل وكلّ من وما يدور في هذا الفلك.

     ليس سهلاً أن يطلب من مراهق أن يختار تخصّصًا مهنيًّا سيلتزم به طوال حياته ويبني عليه مستقبله كلّه مع العلم أنه غير مؤهّل بعد للمشاركة في الاقتراع وليس مسموحًا له الزواج أو فتح حساب مصرفيّ لا بل هو غير قادر على ترتيب سريره وتنظيف غرفته ووضع جدول لعمله اليوميّ البسيط. ومن المؤسف أنّ كثيرًا من الأهالي يعجز عن مواكبة هذه المرحلة الدقيقة والحافلة بالمشاعر والتناقضات فيرمون الكرة في ملعب المدرسة ويكلون إليها توجيه أولادهم نحو الخيارات المناسبة. ولكن، فجأة، وبسحر ساحر، يستعيد الأهالي زمام الأمور وينقلبون على المدرسة والقيّمين على شؤون التوجيه فيها إن زيّن لهؤلاء أن ينصحوا بعض التلامذة بالتوجّه إلى اختصاصات مهنيّة. عندها سيكون الجواب سؤالاً صارخًا ساخرًا مستنكرًا مستهجنًا غاضبًا: وهل ابني فاشل كي يتوجّه إلى اختصاص مهنيّ؟وبقدر ما يعبّر هذا السؤال عن جهل فاضح لكلّ ما يتعلّق بالتربية وتوجّهاتها الحديثة، يبيّن كذلك أنّ الأهل لا يعرفون أولادهم، ولا علم لهم بما يجري في العالم أو بالاختصاصات المهنيّة التي يحتاج إليها المجتمع الحديث. وفي حين ترتفع في البلدان الراقية أعداد التلامذة المتوجّهين إلى الاختصاصات المهنيّة الضروريّة والحيويّة للفرد والمجتمع، لا تزال العائلات اللبنانيّة تريد أن يكون بين أفرادها أطبّاء ومهندسون ومحامون وضبّاط في الجيش، وصولاً، في طبيعة الحال، إلى النيابة والوزارة والرئاسة. وكلّ ما عدا ذلك رجس من أعمال الشيطان. ويغيب عن بال العائلات أنّ العالم مقبل على تغيّرات بيئيّة ومناخيّة وسكّانيّة ستؤدّي إلى أزمة غذاء تتطلّب أيادي خضراء تزرع وتروي وتحصد، وأيادي نشيطة تدير المحرّكات، وأيادي ماهرة تصلح الأعطال، وأيادي بارعة تنظّف، وأيادي رشيقة تكتب على اللوح الأخضر الحروف الأبجديّة لصغار يحلمون بالمستقبل... وهل من يجهل أنّ هذه الأيدي موصولة بأدمغة تخطّط وعقول تفكّر ومواهب يجب أن تقدّر وتحترم وتعطى حقّها في الوجود والمكافأة وتحقيق الذات؟

     يروي خبراء التوجيه المهنيّ المتنقّلون بين المؤسّسات التربويّة حكاية واحدة تستعاد كلّ سنة، وإن بوجوه مختلفة وعن معاناتهم مع الأهالي الذين يشعرون بالإهانة حين يسمعون تلميحًا يقترح اختصاصات مهنيّة لأولادهم. ويتحدّثون بأسى عن نظرات تائهة صارخة في عيون المراهقين وهم يتحوّلون وصمة عار تلتصق في سجل العائلة الذي لم يعرف في تاريخه المجيد إلاّ حملة الأقلام والشهادات والألقاب ولو كان العشاء في نهاية اليوم... خبّيزة، والحساب المصرفيّ صفرًا، وشجرة العائلة لا تجد من يروي جذورها بنقطة مياه.

     ولمّا كانت هذه العجالة لا تسمح بالذهاب طويلاً في تحليل الأسباب وعرض الحلول، نكتفي بثلاث ملاحظات: أوّلها تأكيد ضرورة وضع التوجيه المهنيّ في عهدة متخصّصين يواكبون مسيرة التلميذ العلميّة والنفسيّة، لا كما تفعل بعض المؤسسّات التي تسند الأمر إلى أيّ معلّم ترغب المدرسة في الافادة من ساعات التناقص في دوامه المدرسيّ، وثانيها أن تواكب وسائل الإعلام نشاطات المعاهد الفنيّة والتقنيّة وتبرز المتفوّقين فيها، والقيّمون على هذه المعاهد مطالبون بتزويد وسائل الإعلام بهذه المعلومات، وثالثها أن تعمل رابطات القدامى على التمسّك بزملاء تركوا الدراسة الأكاديميّة في مرحلة معيّنة واعتبارهم مساوين لهم في الجوهر والخدمة وأداء الواجبات الاجتماعيّة والوطنيّة والإنسانيّة.

ليست هناك تعليقات: