من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 5 يوليو، 2015

نكران الجميل ونعمة النسيان (2011)




     تعسًا لك إن تعرّضت لنكران الجميل، وسعدًا لك إن حظيت بنعمة النسيان لتتخطى ما تعرّضت له. أمور كثيرة في الحياة تؤذيك وتجرح الكائن الهشّ الذي فيك، وصعوبات لا تحصى تعترضك في الحياة وتجعلك راغبًا في التوقّف عندها والاستسلام لها لولا بعض إيمان وكثير من حبّ البقاء والتحدّي. غير أنّ نكران الجميل خنجر مسموم، يطعنك ليجد لسمّه مدخلاً إليك ومن هناك يبدأ بالتغلغل عميقًا في روحك شالاًّ فيك الحركة، معطّلاً فيك التفكير، مهشّمًا فيك الصلابة لتصير مجرّد فراغ، مجرّد هوة لا تقودك إلاّ إلى أبشع ما في إنسانيّتك، إلى جحيم إنسانيّتك قبل أن يقتل الجمال فيك. في نكران الجميل غدر وخداع ولؤم وخبث وغباء وغضب ودونيّة وعقد نقص وحقارة، ولعلّ أبشع ما فيه ما يثيره فيك من شفقة وشعور بالأسى على هذا الكائن الذي اسمه الإنسان. ولولا نعمة النسيان لما استطاع كثيرون أن يستمرّوا في حياتهم بعدما تعرّضوا للخذلان من أقرب المقرّبين أو ممّن كانت لهم عليهم أيد بيضاء، عملت تحت جنح الليل خفرًا لا خشية.

     أنت عندما تقوم بعمل حميد لا تنتظر كلمة شكر، أو على الأقلّ هذا ما يجب أن يكون عليه شعورك، فالشعور الذي يرافقك وأنت تقوم بهذا العمل الجيّد والكريم والمحبّ هو الشكر الخالص الذي يأتيك لا من منطلق المجاملة ولا تحت تأثير التهذيب واللياقة. أنت لا تنتظر الشكر إذًا، غير أنّك لم تكن تنتظر تنكّر الآخر لعملك الجميل أو تشويهه أو ردّه بأذيّة لم تكن تعرف أنّها موجودة أصلاً فيه، لأنّك لم تختبرها في نفسك أو لأنّك لم تكن تريد أن تصدّق أنّها موجودة في إنسان وجدت في وقت ما أنّه أهل لمحبّتك لا لإحسانك.من السهل أن ترى نفسك في هذا الكلام، أن تتذكّر أشخاصًا تنكّروا لك وحاربوك، وتهجّموا على محبّتك وشوّهوها، ومن السهل أن تجد شعوبًا بأكملها تتنكّر لعظمائها وتاريخها وجيرانها وإخوانها، ومن السهل أن تستعيد دروسًا من تاريخ الأنبياء والرسل والأولياء الصالحين تعلّمك أنّهم هم أيضًا لم ينجوا من محاربة أبناء قومهم لهم ومطاردتهم لهم وقتلهم أو على الأقلّ محاولة التخلّص منهم والسعي لطمس تعاليمهم، حتّى العلماء والفلاسفة والأدباء وسائر أبناء الإبداع تعرّضوا لمثل ذلك من تلاميذهم وأتباعهم ومؤرّخي أعمالهم. والآباء والأمّهات ألم يكونوا في كثير من الأوقات ضحايا أبنائهم الذين أنكروا عطاءات أهاليهم ونسوا فضلهم؟ والإنسان الذي يدّعي التمسّك بالإيمان ألم يجحد بنعمة ربّه مرارًا وتكرارًا؟

     كم تحتاج إلى توازنك وأنت تتعرّض لمثل ذلك!
    ترغب في الهرب من مواجهة ما يفرض عليك من كلمات أو أفعال تريد أن تحوّلك جلاّدًا في حين أنّك الضحيّة، فتستدعي ما في أعماقك من صمت وسكون وتدخل إليهما كي لا تصلك أصداء الكلمات الجارحة وتغمض عينيك كي لا ترى الوحوش التي تحاول القضاء على آخر ما بقي فيك من صفاء. تهرب إلى داخلك وتغرق في السكينة التي اخترعتها على قياسك، وهناك ستجد أنّك وحيد وحزين ومجروح، غير أنّك تعرف أنّك صرت في مأمن من الغضب والحقد والعنف. أنت تعرف أنّك ستعاود الخروج من محّارتك الصدفيّة ولكن ليس الآن، ليس قبل أن تستعيد ما كان فيك من ثقة في الإنسان والحياة.

     غير أنّك تعرف كذلك أنّك، مع تقدّمك في العمر، صرت أكثر رغبة في الانصراف إلى عوالمك الداخليّة بعدما خذلك الآخرون. هل تريد أن تنسى ما حصل لك؟ هل هي نعمة النسيان أم الغفران ما يجعلك تتخطّى حقدك ورغبتك في الانتقام أو في تحويل النكران عرفانًا؟ أنت لا تعرف الجواب. أنت تعب وتريد أن تقفل باب نفسك على نفسك لتجلس إلى نفسك ولتتعلّم على نفسك. وهناك، هناك فقط، ستعرف أنّ المعرفة ستطرد الطفل الذي فيك، لتترك مكانًا واسعًا للحزن.

هناك 3 تعليقات:

جمال السيد يقول...

ربّة الحزن والجمال
الفضل يعرفه ذووه.. والناس معادن،
وكل الحق على المربي. أعجبني وصفك وتحليلك العلمي لصانع المعروف
بقولك:"تهرب إلى نفسك وتغرق في السكينة التي اخترعتها على قياسك" ــ نعم وهناك تقبع/"تقعمز" في حزن صديق. عافاك يا مريم

ماري القصيفي يقول...

نحن الذين نهتمّ بالشأن التربويّ نعرف كم ينقصنا مربّون، لذلك أوافقك القول في أنّ كلّ الحقّ على المربّي أكان من العائلة أم من خارجها

ميشال مرقص يقول...


كم أنتِ عميقة الحكمة...كأنما تكتبين عُصارة تجربة ...بتوازنٍ متشعب بين ما هو فلسفي وإنساني وسلوكي... وتعكسين في شفافيتِك تجارب نجتازها بمرارة ...
ونهرب من ذاتنا لننسى أو نغفر...

تحيّة لكِ