الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 25 يونيو، 2015

شاكر المختار وجاك شيراك (2010)

صورة قديمة لبحيرة اليمّونة (عن الإنترنت)



     انصياعاً لرغبة والدها الذي استفاق في خريف عمره على إحساس غريب يشدّه إلى وطنه الحبيب لبنان، عادت الشابّة الفرنسيّة في إحدى صيفيّاتنا الصاخبة الحارّة لتتمّ معاملات انتمائها إلى جذور والدها.


     كانت الفتاة الفرنسيّة شكلاً ومضموناً ولغةً متوثّبة الفكر لأنّها ستلتقي بعد غياب طويل أقرباءها وتزور أماكن سياحيّة بدت في حكاية والدها الذي هاجر يافعًا من صنع آلهة لا من صنع البشر. ولذلك كانت الصبيّة الشقراء تتطلّع بلهفة إلى يوم يصطحبها ابن عمّها لزيارة المختار وإتمام المعاملات الإداريّة المطلوبة، وشعرت بإثارة خفيفة في مكان ما من دماغها وهي تُعامَل كالأميرات في قصص الأطفال حين أحاطها الجميع بالاهتمام لكونها مغتربة تعود إلى مسقط رأسها بعد زيارة يتيمة قامت بها طفلة. وعندما اتصل بها صديقها الفرنسيّ ليطمئنّ عنها كانت فخورة بإخباره بأنّها ذاهبة في الغد للقاء "مسيو لو مير" شخصيّاً.


     حين توقّفت السيّارة أمام المنزل العتيق، ظنّت الفتاة أنّ ابن عمّها يمزح معها ويشاكسها بقوله لها: وصلنا. فليس من الممكن أن يكون هذا المكان مركزاً إداريّاً يعمل فيه "مسيو لو مير". غير أنّ ابن عمّها ترجّل من السيّارة، وبدأ ينادي: وين أهل البيت؟ وين المختار؟ فطار مخّ الفتاة من مكانه وحلّق سريعًا فوق المركز البلديّ في مدينتها الفرنسيّة وسألت نفسها: ماذا أفعل هنا؟ خرج المختار إلى سطيحة الدار وهو يضع قميصه المرخي فوق بنطلون رياضيّ عتيق، ثمّ تمطّى كأنّه خارج للتوّ من نوم صباحيّ كسول، ورحّب بالزائرَين ثمّ اندفع يخاطب الشاب كأنّه يتابع حديثاً بدآ به قبل وصولها، وأخبره أنّه غدا باكراً إلى الحقل لريّ المزروعات قبل أن تشحّ المياه وترتفع حرارة الطقس، وعاد وغفا على مقعده تحت العريشة في الجهة الثانية للبيت حيث يلعب الهواء المنعش.


     كانت الفتاة لا تزال تحت وطأة الدهشة، محتارة في تفسير ما تراه: هل هذا مكان عمل المختار فعلاً؟ ولكن حين شرح ابن عمّها ما يريدانه للرجل الذي نسي أن ينتعل حذاءه وبقي يتنقّل حافيّاً على أرض الدار الباردة، فهمت أنّها صارت فعلاً في قلب العمليّة الإداريّة التي تثبت من هي وإلى أين تريد الانتماء وفكّرت في الهرب. غير أنّ المختار نادى المختارة التي حضرت وهي تمسح يديها بمريول المطبخ الملفوف حول خصرها الممتلئ وطلب منها أن تتمّ المعاملات وتكتب المطلوب. ثمّ خرج إلى السطيحة ونادى رجلاً كان يترجّل من سيّارته أمام الدكّان المقابلة لبيت المختار، وطلب منه أن يُحضر معه الدكنجي ليكونا شاهدين على المعاملة الإداريّة، فانصاعا من دون استغراب كأنّ الأمر منتظر أو مألوف. ولكي يكتمل المشهد، اصطحب شاكر المختار ضيفيه إلى أقرب خزانة قرب الباب، وأخرج من أحد أدراجها ختماً وانهال به بضربة قاضية على الورقة الرسميّة في وقت انسحبت المختارة معتذرة لأنّ الطبخة فوق النار. 
     حاول الشابّ أن يعرض على المختار بدل أتعابه، فثارت ثائرة الرجل الذي أنزل جميع القدّيسين والأنبياء وهو يقسم بهم كلّهم دفعة واحدة ويعترف بأنّه مهما فعل فلن يستطيع أن يكافئ عائلة الشابين التي دعمته في الانتخابات وأوصلته إلى هذا المركز، وهو لا ينسى فضل الخيّرين من أمثالهم. أمّا الفتاة فاكتفت بكلمة: مرسي مسيو لو مير، قالتها قبل أن يسحبها ابن عمها من يدها إلى السيّارة وهو يدرك جيّداً ماذا يدور في خلدها. وحين صارا في السيّارة المقفلة شبابيكها للحفاظ على برودة المكيّف، انطلق الشاب في قهقهة مجلجلة وهو يستعيد في ذاكرته منظر الفتاة حين رأت إلى المختار وهو خارج في نصف ملابسه. في حين كانت الفتاة تصرخ :Mais c'est quoi ça؟ عن جدّ هيدا هوّي المختار؟


     مضت صيفيّات كثيرة على هذا اللقاء، ولكن الحكاية ظلّت تستعاد خلال مواسم الانتخابات في سهريّات الرجال وصبحيّات النساء، وتنتقل عبر دردشات الصبايا والشبّان على صفحات الإنترنت والفايسبوك. المختار نفسه كان يغرق في الضحك حين يصف بأسلوبه المميّز كيف كانت البنت الفرنساويّة، حسب تعبيره، تنظر إليه وفمها مفتوح من الدهشة وهي عاجزة عن ضبط تعابير عينيها أو تحريك عضلة لسانها، وكان يضيف في كلّ مرّة: المسكينة! كانت مفكّرة حالها جايي ع بلديّة باريس وبدّها تشوف جاك شيراك.


صحيفة النهار - 15 حزيران 2010

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

القصة جميلة ولكنها تعكس فكرا شرقيا لا يفهم العالم إلا من خلال ما يدور حوله.
البساطة تكتنف جانبا كبيرا من الحياة الغربية.