من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 23 يونيو، 2015

لئلاّ يصير العمل عقابًا! (2009)




     العمل في حدّ نفسه ليس عقابًا، ولكنّه قد يتحوّل كذلك إن نحن حملناه معنا إلى المنزل، ومارسنا قوانينه على أزواجنا أو زوجاتنا وأولادنا وأهلنا، وتقيّدنا بشروطه في السرير وفي الحمّام وفي العطل والأعياد، وفي علاقاتنا العائليّة.
     لا شكّ أنّ كلّ واحد منّا يتذكّر عبارة تأنيب قيلت له في موقف معيّن بدا فيه كأنّه "يحقّق" مع زوجته، أو "يعلّم" والدته، أو يعالج "أباه"، أو "يدافع" عن أخته، أو "يفرض" هيبته على المخالف من أولاده، وما إلى ذلك من الأعمال التي يمارسها الصحافيّون أو المحقّقون أو المعلّمون أو الأطبّاء أو المحامون أو رجال الشرطة أو سواهم من العاملين في أيّ مجال أكاديميّ أو مهنيّ.
     والطامة الكبرى حين يتحدّث أحدنا عن عمله وكأنّه يحكي عن صديقه أو هوايته المفضّلة، لا بل أكثر من ذلك حين يمضي في العمل ساعات وساعات ولا يشعر بالحاجة إلى الاستراحة أو بالرغبة في العودة إلى البيت، فيصير مكان العمل هو "البيت"، أمّا البيت فيتحوّل المكان الذي ننفّس فيه الاحتقان والغضب والتوتّر والصراع من أجل البقاء وأعباء المنافسة وما إلى ذلك من المشاعر السلبيّة التي يولّدها مبدأ التمسّك بالعمل مهما كان الثمن، ومهما كان الراتب.
     وإذا لم يكن العمل عقابًا فهذا لا يعني أنّه حالة عشق وغرام. إنّه مجرّد عمل: ننفّذه باحترام وضمير مهنيّ حيّ والتزام ولكن علينا ألاّ نسمح له باحتلال بيوتنا وإقصاء من فيها عن مجالنا الحيويّ.
     لقد انهارت عائلات كثيرة بسبب إدمان أحد الزوجين على العمل، وتشتّت الأولاد الذين ادّعينا أنّنا نعمل من أجلهم، وتفكّكت صداقات بسبب الصراع على مركز شاغر، وفشلت قصص حبّ بسبب وظيفة لا يمكن جمعها مع الحبيب في مكان واحد أو بلد واحد أو قلب واحد. فالحضارة الحديثة بخطواتها الجبّارة في طريق التقدّم والتمدّن وتحقيق الذات والأرباح أقنعتنا بأنّنا إن لم نكن متفوّقين وناجحين وأثرياء فنحن فاشلون لا قيمة لحياتنا أو لوجودنا. ومن الغريب أنّ كلّ واحد منّا صدّق هذا الإيحاء وأفنى حياته في سبيل بناء مؤسّسة سيبيعها الابن أو الحفيد حصصًا وأسهمًا، أو عائلة لا تجتمع إلاّ للتباحث في شؤون توزيع الإرث، أو بيتًا فخمًا لا يؤوب إليه صاحبه إلاّ مريضًا أو محبطًا أو مرهقًا.
     في مرحلة معيّنة من حياتنا، كانت المثاليّة الكاذبة المخادعة التي علّمونا إيّاها في المدارس والجامعات تدفعنا إلى ما يسمّيه بعضنا: تضحية، تفانيًا، مجانيّة في العطاء، بذلاً للذات، وغير ذلك من المفردات التي توحي كلّ واحدة منها بكلمات أخرى لا ننتبه إليها مع أنّها كامنة في الحروف نفسها: فالتضحية تفترض وجود ضحيّة، والتفاني يفترض إفناء أحد، والمجّانيّة تفترض وجود من يأخذ من دون أن يقدّم شيئًا، والبذل يعني أنّ ثمّة من يقدّم نفسه ذبيحة من أجل وظيفة ما.
     هذا كلّه يعود إلى علاقة مرضية لم تخضع لعلاج نفسيّ جماعيّ مع المال. ولذلك فنحن ننظر إليه كأنّه ليس من حقّنا فنخجل من المطالبة به مع أنّه بدل أتعابنا، أو أنّنا نجنح نحو التطرّف المقابل فنؤلّهه ويصير ربًّا نعبده ونتنسّك في محراب وجوده. وفي كلتا الحالين لا نعرف السكينة والأمان.

ليست هناك تعليقات: