السبت، 5 سبتمبر 2015

حركات الاحتجاج في مرآة المثقّف العربيّ (صحيفة الحياة 2011)



صحيفة الحياة / الإثنين, 30 مايو 2011
فرض المقهى نفسه على المشهد الثقافيّ العربيّ خلال العقود القليلة الماضية، حتّى أنّ أسماء بعض المقاهي دخلت التاريخ بعدما ارتبط ذكرها بأدباء وصحافيّين ومفكّرين اتّخذوها مواقع نضال ومراكز تجمّعات. ولا يفوق عدد النصوص التي كتبت في مديح المقاهي إلّا تلك التي كُتبت في رثاء ما أُقفل منها على اعتبار أنّها صفحات مطوية من ذاكرة شارع ومدينة ووطن. وقد سعى المثقّفون إلى استغلال هذا المكان المدينيّ والابتعاد به عن أن يكون مجرّد مكان للّقاء وتناول القهوة، فأضفوا عليه صفات ليست من طبيعته كأن يكون ساحة نضال أو منبراً إعلامياً أو نادياً للثقافة.

أكاد أقول إنّ الثورات العربيّة – أو أياً كان اسمها - هي في شكل من أشكالها ثورة على الثقافة والمثقّفين. وبصرف النظر عن تعريف كلمة «الثقافة»، وقد تباينت التفسيرات التي تناولتها، يبقى المقصود هذه الشريحة من المجتمع التي كان عليها أن تُحدث «الثورة»، فإذا بها، وبعد كلّ التغيّرات التي فرضت نفسها على الساحة العربيّة، عاجزة عن مواكبة المستجدّات. وعلى رغم أنّ تحرّكات الشارع ارتبطت ارتباطاً عضوياً بالشبكة الإلكترونيّة وسواها من وسائل الاتّصال السريعة والمتطوّرة، كان لافتاً اعتراف كبار المفكّرين والمثقّفين بأنّهم يجهلون تماماً أبسط سبل الاستفادة من الإنترنت وخدمات التواصل الاجتماعيّ. ما يعني أنّ المشهد يبقى على الشكل الآتي: المثقّف في المقهى يقرأ الصحيفة الورقيّة اليوميّة التي اعتاد قراءتها منذ عشرات السنين، أمّا الشاب الجامعيّ فيضع في جيبه جهازاً صغيراً يتيح له معرفة كلّ ما يجرى في العالم لحظة بلحظة. وإذا كان الأوّل أكثر قدرة على تحليل بعض الأمور القليلة بعمق يرتكز على التاريخ، فإنّ الثاني مقتنع بأنّه يمتلك صورة عالميّة شاملة عن الحاضر فضلاً عن مفاتيح فهم المستقبل. ثمّة أمور ثلاثة أعاقت المثقّفين عن لعب الدور الرياديّ عملياً فانكفأوا إلى التنظير.
أوّلها ابتعادهم عن أجيال الشباب في المدارس والجامعات وتقوقعهم في حلقات ضيّقة يقرأ فيها الواحد منهم نتاج الآخر ويكتب عنه في الصحيفة. والنص اليوم بات مادة امتحان في المدرسة أو الجامعة ولا مجال لمناقشته أو الاعتراض عليه. وقليلة جداً المؤسّسات التربويّة التي سمحت بمقاربة نصوص جريئة فكراً ولغة، أو قامت بدعوة مثقّف منفتح ومتحرّر يطرح مواضيع غير معلّبة. هذه الهوّة بين الثقافة والتربية، بين النصوص الإبداعيّة والمناهج الرسميّة، بين التربية والتلقين، جعلت المثقّف كائناً فوقياً غريباً عاجزاً عن التواصل مع الفئات العمريّة الشابّة. وحين شذّت مجموعة قليلة من الشعراء والأدباء عن هذه القاعدة كان ذلك من خلال نصوص مختارة بعناية تجعل جبران خليل جبران مقبولاً في تمجيده الطبيعة ومرفوضاً في نقده رجال الدين، ونزار قبّاني شاعر المرأة من دون الإشارة إلى شعره السياسيّ، ومحمود درويش صاحب قصيدة وحيدة عن خبز أمّه.
الأمر الثاني الذي غرّب المثقّف عن محيطه هو تأثّره بالفكر الأجنبيّ خلال الدراسة في الخارج أو بواسطة الترجمات التي اطّلع عليها، حتّى بدا الأمر كأنّ الكاتب العربيّ يطمح إلى أن يُترجم ليقرأه غير العرب أكثر ممّا كان يعنيه أن يترك أثراً في مواطنيه. ولذلك يبدو الكثير من الإنتاج الأدبيّ الذي كُتب خلال الوجود الفرنسيّ أو الإنكليزيّ في الشرق أكثر تعبيراً عن حالات نفسيّة «أوروبيّة» تعاني مثلاً من الاكتئاب عند الغروب، أو الإحباط بسبب الحربين العالميّتين، أو الوحدة في حين أنّ الحياة الاجتماعيّة والعائليّة في الشرق لا تشبه ما عند الغربيّين. والتأثّر بالموضوعات الأوروبيّة (فرنسيّة وإنكليزيّة وألمانيّة) ثمّ الأميركيّة أبعد الفكر العربيّ عن التطلّع إلى تفاصيل الحياة اليوميّة، فكان من الصعب على القارئ العربيّ أن يجد في أكثر النصوص التي بين يديه صدى لمخاوفه وأحلامه. والمحاولات القليلة التي رصدت الواقع كانت أعجز من أن تحدث ثورة لأنّها لم تكن تمثل حالة عامّة طاغية، أو تيّاراً جارفاً لا يترك مجالاً لغيره، وإلّا لما كانت الثورات العربيّة تأخّرت كلّ هذا الوقت.
الأمر الثالث هو ارتباط الثقافة بالسلطتين الدينيّة والزمنيّة. وحين يتباهى بعض العرب بأنّ الخلفاء كانوا يكرمون الشعراء يغيب عنهم أنّ هذا التكريم آتٍ من شخص يمثّل الدين والدولة في الوقت نفسه، وأنّ الشاعر المكرّم هو الذي كان يلاقي هوى عند صاحب السلطتين، وفي هذه الحالة لا يمكن الحريّة المطلقة أن تجد لها مكاناً، والتاريخ شاهد على عدد الضحايا الذين قضوا عند افتراق طريقهم عن طريق السلطة الحاكمة. وانسحب الأمر إلى اليوم، فالمثقّف في بحثه عن مصدر رزقه، وفي غياب مؤسّسات الدولة التي تعطيه حقوقه بمعزل عن انتمائه الدينيّ أو الحزبيّ، يجد نفسه مضطراً إلى الاتّكاء والاتّكال على سلطة تحميه وتؤمّن له حياة لائقة، وإلّا هاجر بحثاً عن حريّة التعبير وكرامة العيش.
ومتى أضفنا عجز المثقّف العربيّ عن فهم تداعيات العولمة، ومواكبة السرعة في الاختراعات، وملاحقة آخر صيحات الفنون وإنجازات العلوم، تأكّد لنا أنّ التغيير الذي انطلق في الشارع العربيّ لا يدين لأيّ مثقّف بإطلاقه، ولن يستطيع أيّ مفكّر لا يمتلك لغة العصر الجديد (سينما، إنترنت، موسيقى، أزياء...) أن يفهمه ويعبّر عنه، وجلّ ما يمكنه تحقيقه هو وصف ما يراه على شاشة التلفزيون التي صارت جزءاً من أثاث المقهى الحديث. لقد خسرت الثقافة معارك كثيرة: القضيّة الفلسطينيّة والتشرذم العربيّ وانتشار الأميّة والفساد السياسيّ وهيمنة الأصوليّة وقمع الأنظمة، لأنّها، أي الثقافة، كانت دائماً منفعلة لا فاعلة، مشاهدة لا شاهدة، ولعلّ المطلوب الآن كثير من التواضع للقيام بنقد ذاتيّ دقيق يعيد للثقافة دورها في صناعة المستقبل عوض أن تبقى غارقة في البكاء على أطلال الماضي أو اجترار أمجاده الغابرة.

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2015

الثورة مؤنّث ثور (8 تمّوز 2015)


يا صديقي الثورجي 
كيف بدّك تعمل ثورة وإنت بتخاف حدا يشوفك مع البنت يللي بتحبّا
وناوي تعمل وطن وإنت ما تعلّمت تلمّ تيابك الوسخين عن الأرض
ومقرّر تغيّر الحكم وإنت ما قدرت تغيّر رأي إمّك بصاحبتك 
ومصرّ إنّك بتفهم بسياسة البلد والعالم ومش ضاهر برّات منطقتك
وبتأكّد إنّك ما بتخاف إلّا من الله يللي خلقك بس بتخاف من مرتك تعرف إنّك مش طايق شكلا
ويا صديقتي الثورجيّة
كيف بدّك تعملي ثورة وإنت مصاحبة واحد ت يصرف عليكي
وع بالك تنزلي ع الشارع بمظاهرة وبراسك إنّو يا ريت المحلّات بتكون فاتحة ت تشتري كم غرض
وحابّة تشاركي بتغيير الوضع بس ما بتطيقي تشاركي بدفع الفاتورة بالمطعم
وبدّك تحكي بالسياسة بس ناطرة ت تشوفي بأيّا حزب رح يستقرّ صديقك الجديد
ومصرّة تدلي بدلوك ببير النظام العالميّ وإنت ولا مرّة حملتي دلو أو سطل ولا مرّة شايفة بير
يا أصحابي الثورجيي من كلّ الفئات الشعبيّه، ما بتمشي الثورة مع البرونزاج والريجيم والأركيلة والحجاب والصليب والتشفيط بالسيّارة وشفط الدهون، وما فيكن تعملو ثورة ونصّكن مفكّر إنّو الثورة هيي مدامتو للثور، والنصّ التاني ما بيعرف يلفظ حرف "الثاء"... ما بتظبط
وما فيكن تعملو ثورة إذا ع عيد الاستقلال الناس بتفرش السجّاد، ويوم الاعتصام الناس بتروح ع البحر صيفًا وع التلج شتاء، ويوم الإضراب بتعجق بالمولات والمطاعم... 
وما فيكن تعملو ثورة برمضان ولا ع عيد الميلاد ولا على عاشورا ولا ع عيد الكبير ولا وقت الأخبار ولا وقت المسلسل، ولا بالبرد ولا بالشوب، ولا بالعجقة ولا بموسم المدارس والتنزيلات... 
عملو حيّالا شي بس يا ريت ما يكون إسمو ثورة، لأنّو الثورة مفروض أوّل شي ما يكون إلها علاقة بالدين
يعني اخترعتو الحرف والتبّوله، ما فيكن تخترعو إسم لهالشي يللي ناوين تعملو؟

ماري القصّيفي - 8 تمّوز 2015

ملاحظة: الثورجي عنوان رواية للدكتور نمر فريحة

الأحد، 30 أغسطس 2015

MaSaHa في معرض عربات الزهور في زحلة: توأمة الكلمة والزهرة

ندى ويارا زهرتان في ضيافة المهرجان






      MaSaHa في معرض عربات الزهور في زحلة: توأمة الكلمة والزهرة
مرحلة جديدة من مشروع توأمة الكلمة والزهرة الذي أطلقته شركة  MaSaHaينطلق اليوم مساء عبر بولفار مدينة زحلة.
-       فللمرّة الأولى في تاريخ مهرجان عربات الزهور، تتعاون بلديّة زحلة مع شركة متخصّصة في تنسيق الأزهار من أجل إضفاء طابع محترف وجديد وحديث على هذا الحدث الفنيّ. لذلك اختارت MaSaHa أن تكرّم سعيد عقل فتجعل ثمانية من كتبه مواضيع للعربات المشاركة، على أن تقوم الجمعيّات المشاركة في المهرجان بتنفيذ التصميمات، بإشراف مباشر من صاحبَي MaSaHa الدكتور مارون أبو خير والدكتور سماح داغر، بالتعاون مع المهندس هادي سلامة.
وبحسب الكتيّب الذي أعدّه المنظّمون، نجد الكتب والجمعيّات والأفكار كالتالي:
1-             العربة الأولى: من تنفيذ نادي التضامن، تحمل اسم "المجدليّة" وهو كتاب سعيد عقل الثاني، بعد "بنت يفتاح" (1937). في الشجرة/ المرأة هنا، ما هو أعمق وأبعد من الأغصان والأوراق والثمر. فيها جذور تطال السماء بقدر ما تمتدّ عميقًا في الأرض...
2-              العربة الثانية: من تنفيذ كشّاف التربية الوطنية وهي على اسم مسرحيّة لسعيد عقل (1944)، وتحمل عنوان قدموس رجل الحرف والشجاعة الذي يرمز إلى الطموح اللبنانيّ والإرادة، وإلى الرسالة الإنسانيّة التي يؤدّيها لبنان، رسالة المعرفة والهداية.
3-           العربة الثالثة: من تنفيذ الكشّاف المارونيّ وهي مستوحاة من كتاب رندلى (1960). في الديوان قصيدتان عن اليخت وهي فكرة جديدة في الشعر، فاختير الشراع رمزًا للسفر والحريّة والحبّ. لون الشراع ليلكيّ بلون فسطان رندلى، والأقحوان الأبيض زبدٌ فوق موج الرغبة المقدّسة.
4-           العربة الرابعة: من تنفيذ دار الصداقة عنوانها: أجمل منك؟ لا (1960). الحبّ عند شاعرنا رفيقُ الصباح حيث الحياة والفرح والعلنيّة. والمرأة عظيمة وراقية حتّى أنّ الشمس وحدَها تليق بها جوهرة وحلية. التصميم هذه العظمة بألوان قويّة كالأحمر والأصفر، واستخدم الزجاج ليبرز قدرة المرأة/ الشمس على الإشعاع بالفكر والجمال.
5-             العربة الخامسة:  من تنفيذ جمعيّة "شعاع الأمل" استنادًا إلى كتاب "لبنان إن حكى" (1960). اختيرت الريشة رمزًا لكلّ إبداع في الفنّ والعلم أضاء عليه سعيد عقل في كتابه هذا. فالريشة إذًا شعاع أمل، تجسّد رغبة الشاعر في رسم تاريخ لبنان بمختلف ألوانه وأطيافه بريشة العزّ والمجد.
6-           العربة السادسة: من تنفيذ الكشّاف المارونيّ، من وحي كتاب "كأسٌ لخمرٍ" (1961). اختير القمح رمزًا، حتّى لكأنّ سعيد عقل، يقف على بيدر الأدب ليجعل القمح خبزًا يكمّل مائدة الخلاص إلى جانب كأسٍ لخمر الحياة الجديدة. والأطر الخمسة تشير إلى ثورة سعيد عقل الأدبيّة داخل قوانين اللغة وشروط العقل والفكر.
7-             العربة السابعة: من تنفيذ طلائع العذراء، ومن وحي كتاب أجراس الياسمين (1971). وهو ديوان شعر يغنّي الطبيعة بغرابة فريدة وبحدّة حِسّ وذوق. اختيرت قصيدة دموع الحجر تحديدًا، وجاءت الدمعة الضخمة التي يبدو لها ثقل الحجر ووزنه، لكن لها أيضًا شفافيّة الدمع ورقّته. أليس شعر سعيد عقل بمثل تلك الصلابة وزنًا وتعبيرًا، وبمثل تلك الرقّة عاطفة وخيالًا؟
8-           العربة الثامنة: من تنفيذ الكشّاف المارونيّ وتحمل اسم كتاب "كما الأعمدة" (1974). اختيرت ثلاثة أعمدة: عمود من الغار رمز الانتصار، وعمود من الريحان رمز الرائحة الطيّبة، وعمود من الخرنوب رمز الطبيعة اللبنانيّة الخيّرة المعطاء. وبين هذه الأعمدة، يجري نهر الذهب/ وهو عنوان قصيدة من الديوان/. نهر تتماوج مياهه مع تغيّرات الحياة وتبدّل الفصول، بين خضرة الأرض وصفرة الذهب، كأنّ مياهنا هي الكنز وهي الثروة وهي الحياة.
مع الإشارة إلى أنّ الأبيات والقصائد التي اختيرت من الكتب المشار إليها ستكون بصوت الأستاذ أندريه أبو عديله، وستكون عريفة المهرجان السيّدة بريجيت أندريه عطا، وذلك بإشراف استديو أندريه عطا حيث تمّ التسجيل.
تؤكّد MaSaHa ، بحسب تعبير سماح داغر، على الأمور التالية:
 -  توأمة الكلمة والزهرة وهو المشروع الذي أطلقناه لنشر الوعي والجمال في مختلف وسائل التعبير عنهما.
-       التعريف بلغة الزهور وسائر عناصر الطبيعة، في صورة لم يعتدها اللبنانيّون، وعدم حصرها في الأعراس.
-        مقاومة البشاعة المستشرية حولنا بمشاهد تجمع بين الرقي والبساطة.
-       التعاون مع الجمعيّات في المنطقة لنشر ثقافة السلام.

ويشير داغر إلى أنّ الصعوبات التي واجهت شركتهما في بداية إطلاق الفكرة كانت في إقناع المشاركين في التنفيذ بوجوب الابتعاد عن الأفكار التقليديّة. ولكن مع الوقت، اكتشف كيف أنّ الجمعيّات، وفيها عناصر شبابيّة يافعة، تقبلت الأفكار الجديدة، ووجدت أنّ عالم تنسيق الزهور أوسع بكثير من مجرّد وضع الأزهار على عربة.
اليوم مساء، ستكون مغامرة MaSaHa أمام اختبار الشارع، في تظاهرة جماليّة فنيّة شعريّة، تكرّم سعيد عقل الذي لم يعرف الخنوع والخضوع، والذي تميّز شعره بالفرح والعزّة والسموّ والكِبَر، والذي لم يعشق سوى لبنان، ولم يعلّم إلّا الجمال.

السبت، 29 أغسطس 2015

سنة دراسيّة جديدة... شعارها رؤوس مقطوعة ونساء للبيع (آب 2014)


 حصّة تعليم اللغة العربيّة في مسرح المدرسة

المتعلّمون هم أبطال الخشبة

     تبدأ سنة دراسيّة جديدة في فلسطين وسوريا ولبنان والعراق وليبيا... سنة دراسيّة جديدة لدروس قديمة في الرياضيّات والأدب والشعر والعلوم والرياضة والموسيقى...
     سنة دراسيّة جديدة... بمناهجَ قديمة ومعلّمين يقولون ما لا يؤمنون به ولا يشعرون به...
     مناهج قديمة تعلّم أنّ واحدًا زائدًا واحدًا يساويان اثنين، مع العلم أنّ طفلًا قتيلًا وطفلة قتيلة يساويان مجزرة، وأنّ بيتين مهدومين يساويان عشرات النازحين والمشرّدين...
     مناهج قديمة مختبرُ العلوم وتشريح الحيوانات المسكينة فيها لا شيء بالمقارنة مع مشهد ذبح وقطع أعضاء تبثّه وسائل الإعلام العاهرة...
     مناهج قديمة تتباهى بأنّ امرأ القيس - الملك العربيّ الضليل - أوّل من وقف واستوقف وبكى واستبكى حين أنشد قفا نبكِ، متناسية أنّ أبا نواس - الفارسيّ حفيد علماء الفلك - حين سخر منه داعيًا إيّاه إلى الجلوس، كان يعرف أنّ ليل البكاء العربيّ طويل...
     مناهج قديمة تدعو تلامذتها إلى ممارسة الرياضة لأنّ العقل السليم في الجسم السليم... وتتناسى أنّ الرياضة الوحيدة المطلوبة الآن - للنجاة من الغرق في بحر الدم - هي الجري إلى أقرب بلد آمن...
     مناهج قديمة تعلّم تلامذتها مناهج اقتصاديّة حديثة، ولا أهل يملكون قيمة القسط وثمن الكتب...
     مناهج قديمة تعلّم حبّ الوطن لأولاد لا يعرفون الآن أين تبدأ حدود أوطانهم وأين تنتهي...
     مناهج قديمة تدعو الأولاد إلى عدم قطع الأشجار (قطع الرؤوس مسموح) وإلى عدم التدخين (حرق الكنائس والمعابد مسموح) وإلى احترام المرأة (بيع النساء مسموح) وإلى احترام رأي الآخر (اضطهاده مسموح) وإلى احترام جسد الآخر (تعذيب الأسرى مسموح والتنكيل بالجثث مسموح)...
*****
     لا أعرف إن كان ثمّة مدرسة ستبدأ السنة بالوقوف دقائق صمت وصلاة من أجل الذين غابوا عن مقاعدهم... أو إن كان ثمّة إدارة ستوعز إلى معلّميها كي يتناسوا المنهج الرسميّ هذه السنة للتركيز على مفاهيم الحقّ والخير والجمال، وللحديث عن حبّ الحياة لا تقديس الموت، ولمناقشة أمور الفكر والطبّ والشعر لا لحفظ عن ظهر قلب لا ينتج سوى أغبياء ومكبوتين ومشاريع مجرمين...
     لا أعرف إن كان ثمّة مدير سيقول لتلامذته هذه السنة: الكلام في السياسة والدين ممنوع، لأنّنا رأينا إلى أين وصلنا بسبب فهمنا الخاطئ لهما... لذلك دعونا نتكلّم في الفنّ والمسرح والأغنية وآخر علاج لمرضى السرطان...
     لا أعرف إن كان ثمّة وزير تربية سيجرؤ على القول: المناهج التربويّة التي اعتمدناها أنتجت أفرادًا متفوّقين ومجتمعًا مريضًا... فلنعكس الأمر ولنسعَ إلى مجتمع متفوّق بأفراد أصحّاء... يقدّسون البشر لا الحجر، يؤمنون بأنّ الكتب أصدق إنباء من السيوف، في متونها جلاء الشكّ والريب... فلنعلّم تلامذتنا كيف يحاكمون وسائل الإعلام التي تشوّه نفوسهم وعقولهم... وكيف يناقشون معلّميهم بحريّة ومسؤوليّة وشجاعة، وكيف ينظرون إلى المنهج كوسيلة، وإلى الشهادة كوسيلة، وإلى النجاح كوسيلة... كلّها تصبّ في خدمة الآخر...
      ولكن ما أعرفه وأكاد أجزم به هو التالي:
     إن وُجد مدير مدرسة يرغب في كلّ ذلك، فسيواجهه فريق معلّمين لا يجرؤون على الخروج عن السطر المرسوم في الكتاب، وطغمة أهل يخشون على أولادهم من عدم حمل ورقة نجاح تطير مع الريح عند أول اختبار حقيقيّ...
     وإن وُجد معلّم يقول لتلامذته: أنتم المقدّسون، لا الجرس ولا الناظر ولا الامتحان ولا النصّ ولا الكتاب ولا المدير ولا أنا... فسوف يطرد لأنّه خالف الشرع والشريعة...
      وإن وُجد تلميذ يفكّر في جوقة مردّدين، فسوف يطلب منه الانضمام إلى القطيع وإلّا فليرحل...
     سنة دراسيّة جديدة؟؟ أكاد أقول سنة دراسيّة أخرى محكومة بمشاهد جديدة للقتل والذبح والسبي والتهجير والفساد... أمّا موضوع الإنشاء فسيبقى هو هو: صِفْ الطبيعة في فصل الربيع...

     والويل لمن يأتي على ذكر الربيع العربيّ... 

الأربعاء، 19 أغسطس 2015

حمار للبيع (2009)




     أراد بو سعيد أن يتخلّى عن حماره بعد عِشرة عمر استمرّت أكثر من ثمانية عشر عامًا.
    كبر الرجل في العمر وتعب من العمل وضجر من قحط الأرض، فقرّر أن يعتزل الزراعة ويتسمّر أمام التلفزيون آملاً في أن يربح في اللوتو أو اليانصيب. ولذلك كان من الطبيعيّ أن يتخلّص من حماره العجوز الذي بات يرهقه بنهيقه المزعج ويثقل كاهله بمصروف علفه، خصوصًا أنّ المسكين تقوّس ظهره من حمل أكياس الزيتون وتنك الزيت طوال مدّة خدمته، فضلاً عن الخضار والفاكهة. لكنّ التحرّر من المسؤوليّات تجاه الحمار العاجز لم يكن بالأمر السهل، فمن قد يرغب في شراء حمار، خاصّة إذا كان هذا الحيوان معتادًا العيش على أطراف العاصمة ويتنقّل بين السيّارات ويتفرّج على أولاد الذوات؟
    بدأت المفاوضات مع أهل القرى وسكّان الجبل العاملين في الزراعة لعلّ أحدهم يريح الحمار من صاحبه الناقم ويريح الرجل من حماره العجوز. وواجهت عمليّة البيع مسألة أساسيّة: كم سيكون ثمن الحمار ومن يمكنه تحديد السعر؟ فسوق الحمير لا علاقة لها بأسواق المال والبورصة، وبالتالي على كلّ من البائع والشاري أن يحدّدا المبلغ المناسب على نحو لا يثير سخرية متتبّعي الخبر والمراقبين من سكّان البلدات القريبة من بيروت حيث يقيم الحمار، ولا سكّان القرية الجبليّة التي سينتقل إليها ليتابع تحميل الخضار والفاكهة. فإن كان السعر زهيدًا تعرّض البائع للسخرية لأنّ رفقة الحمير أساءت إلى أحكامه، وإن كان مرتفعًا سخر الناس من الشاري لأنّه في عصر الحداثة والآليّات المتطوّرة دفع مبلغًا كبيرًا ثمنًا لـ"حمار" موديله قديم وجسمه تعب وأيّامه معدودة.
      استمرّت المفاوضات أيّامًا عديدة، استشار خلالها المعنيّون بالأمر مزارعين وتجّارًا لعلّهم يصلون إلى تحديد الثمن العادل الذي تستحقّه خدمات الحمار. وفي هذا الوقت بدأ اصحابه يستعيدون ذكرياتهم معه، والأمراض التي عانى منها، والحوادث التي وقعت له. وأخذوا يتذكّرون كيف كانوا يهرّبونه خلال الحرب خوفًا من القصف، وكيف كانوا يخبّئونه عن أعين المقاتلين خشية أن يأخذوه ويعذّبوه بغية التسلية والانتقام، وكيف كانت أزقّة البلدة تشهد عند كلّ غروب اللقاء التاريخيّ بين بو جريس العائد من حقله، محمِلاً حماره خضارًا وفاكهة سلمت من السرقة، وهواة رياضة المشي المنطلقين بثيابهم الأنيقة جماعات جماعات. كان ينظر إليهم ساخرًا من "قلّة عقولهم" وينظرون إليه مستغربين شكله العتيق. ثمّ يتابع الرجل طريقه وهو يفكّر كيف أنّه يتعب في العمل ويريد أن يرتاح وكيف يبحث هؤلاء عن التعب في الرياضة. وابتسم حين خطر له أن يعرض عليهم العمل في أرضه بدلاً من المشي على الطريق، لكان استفاد واستراح ولكانوا تعبوا وأصبحوا أكثر نحافة. غير أنّه صمت، وكبر، وضجر من نهيق الحمار وصار يريد أن يرتاح ولن يرتاح ما لم يبع الحمار ويتخلّص من مسؤوليّته تجاهه.
    مع مرور الأيّام وتعثّر عمليّة البيع توتّرت العلاقة بين الرجل وحماره، فصار الأوّل يكثر من الصراخ والشتائم، والثاني من النهيق والرفس، وبات على العائلة أن تجد حلاًّ مشرّفًا ولو اضطرّت إلى دفع المال لمن يرغب في خدمات الحمار. وبعد اجتماعات مكثّفة وبعدما طال الانتظار قرّر الجميع إطلاق سراح الحيوان المسكين في غابة بعيدة، والتبرّؤ منه والتنكّر له في حال السؤال، وأن يقولوا لمن يصرّ على معرفة إن كان الحمار المتنزّه وحيدًا في الغابات والبساتين هو حمارهم: " ولو! شو ما في حمير إلاّ عنّا؟".

الخميس، 30 يوليو 2015

MaSaHa تتوئم الكلمة والزهرة

من هنا ولدت الفكرة

كي لا تبقى الكتب بعيدة عن الناس

MaSaHa تتوئم الكلمة والزهرة

"وهديتني ورده، خبّيتا بكتابي، زرعتا ع المخدّه"
الكتاب يسبق المخدّة، فكيف يكون جهاز العروسين كاملًا ولا كتابَ تختبئ فيه الوردة، ليولد من لقائهما قصائد وأطفال؟
بهذا السؤال انطلقت فكرة رائدة ومجنونة  تبلورت في ذهن الفنّانين مارون أبو خير وسماح داغر، بعدما قرأا مقالتي عن شرائي كتبي من دار نشر أقفلت أبوابها، ورغبتي في توزيعها واعتزال النشر.
وحين طرحا عليّ فكرتهما الغريبة ظننت أنّ صداقتنا القديمة تريد أن تمدّ يد التشجيع، ولا أقول المساعدة، لأنّ الأمر الماديّ كلّه لا يستحقّ التوقّف عنده وكلّنا يعرف سعر الكتاب الذي لا يمكن له أن ينافس نَفَس أركيلة. لكنّ التوسّع في الحديث وضعني أمام مشروع جديد ومثير يجعل الكتاب هديّة أولى يتلقّاها العروسان وهما يصمّمان مع MaSaHa العرس، ويرسمان تفاصيل الزهور وانسجامها مع سائر مكوّنات الحفل.
قال لي سماح داغر: نريد كتبك لنقدّمها هدايا لكلّ عروسين يقصداننا لنخترع لهما جمالًا خاصًا بهما ولنزيّن فرحهما بالدهشة. وأردف مارون أبو خير: نبدأ معك، إن وافقت، ونتابع مع سواك من الشعراء والأدباء، لتثمر براعمُ زهورنا معرفة وفكرًا وأحلامًا في بيوت تتأسّس، لعلّنا نساهم في ولادة وطن جديد. وتابع سماح: ولأنّ عملنا، كما تعرفين، غير محصور بالأعراس، فسنعمل على توسيع أفق الفكرة لتشمل المناسبات السعيدة كلّها، فيصير الكتاب رفيق الزهرة وتوأمها.
تعود صداقتنا، أنا و MaSaHa، إلى أكثر من خمسة وعشرين عامًا، واكبتُ خلالها أعمال الصديقين الشريكين، وتابعا مسيرة كتابتي. وبالتالي، نعرف ثلاثتنا أنّ جنون الإبداع قادر وحده على محاربة جنون القتل، وأن لا خلاص إلّا بالفنّ والحلم، لذلك لم أتردّد في الموافقة على المشروع، بل رحّبت به، وكلّي إيمان وحماسة: إيمان بأنّ كتبي بين أيدٍ أمينة يعرف صاحباها لمن يقدّمانها، وحماسة لأعرف من سيكون التالي على قائمة الشعراء المدعوين إلى وليمة العرس.
خلال اليومين الماضيين، وفي أثناء توضيب الكتب، كان ثمّة ما يُنظّف أفكاري من مسألة رئاسة الجمهوريّة، وموت الناس على الطرقات، وتلال النفايات، وخيبات الأمل بالناس والمجتمع والوطن... كان ثمّة فكرة حضاريّة تتكوّن، على قياس أشخاص ثلاثة اختبروا الحياة بنجاحاتها العابرة وأحزانها الكثيرة: فكرةٌ تشيع في النفس الأمل، ولو طفلًا، وتملأ الجوّ برائحة الكتب العتيقة وبراعم الزهر اليانعة، فكرةٌ تقاوم النقّ بالنقاء، وتحارب الكسل بالعمل، وتؤسّس لغدٍ، إن لم ينقذ المجتمع كلّه، قد ينقذ المشاركين فيه من الغرق في رتابة البشاعة. 
    شكرًا MaSaHa على فسحة الأمل ... 

منصوريّة المتن - الطريق العام - مقابل هوا تشيكن
هاتف 03249766
https://www.facebook.com/pages/MaSaHa/646828945367097?fref=ts#

موضوعات ذات صلة:

MaSaHa: مساحة للحياة على مسافة قريبة من ساحات الموت


الكتابة بين العزلة والاعتزال (1)


الأحد، 12 يوليو 2015

الكتابة بين العزلة والاعتزال (1)



         الكتابة أمر خاصّ، والنشر شأن عامّ.

     وأنا كنت دائمًا عاشقةَ كتابة وكارهةَ نشر، صديقةَ العزلة وعدوّةَ العلاقات الاجتماعيّة.

هاويةَ صمت في أكثر الأحيان، ومنجرفةً مع الحكي عند نوبات ثقة بالناس... لذلك حين بدأت النشر كتبت باسم مستعار (في الديار والنهار ومجلّة الناقد).
     كانت تلك المرحلة من أكثر مراحل حياتي حريّة وسكينة.  ليس الأمر تهرّبًا من مسؤوليّة، أو خوفًا من رقابة، بل هي رغبة أكيدة وعميقة في التنسّك للكتابة، الكتابة التي أؤمن أنّها تغيّرني ولا أوهم نفسي بأنّها قادرة على تغيير أحد.

     ومذ بدأت النشر باسمي وأنا أتّخذ كلّ يوم قرار الاعتزال والانعزال، لأعود عنه وأنا أراهن على مجتمع لا بدّ أن يمتلك يومًا يومًا ملكة القراءة والنقد، بعيدًا عن الانفعالات والمحسوبيّات والتعصّب. لكن ما حدث خلال الأعوام الماضية من أوهام ثورات في التواصل الاجتماعيّ والتحرّكات الشعبيّة، جعلني على تماس مع صحافة مرهونة لمزاجيّات وسلطات، وسوق كتب محكومة بالعلاقات العامّة، وعالم فوضويّ يسمح فيه أيٌّ كان لنفسه بأن يعطي رأيه في أيّ أحد، أو أيّ شأن... 
      لذلك عادت تلحّ علي رغبتي القديمة في الكتابة لنفسي، وإن نشرت فلمتعة تجمعني بمجموعة من المختارات والمختارين أهديهم كتبي أو نصوصي، لعلّ العالم يتقلص ليعود صغيرًا وحميمًا على قياس لقاء بين عاشقين.

     وكنت أنتظر جملة إشارات لأفعل ذلك...

    وهذا ما حصل.

1- إحصاءات الكتب في المعارض، وشهرة كتب لا قيمة أدبيّة أو فكريّة لها:

     عرفت دومًا دور العلاقات العامّة (والخاصّة) في بيع الكتب وشرائها. لكن المعرفة من بعيد، لا تعني أنّني محصّنة ضدّ مفاجآت قاسية تعرّضت لها مذ خرجت إلى العلن كتابةً ونشرًا. ولكان الأمر بقي ضمن المقبول لو كانت الكتب التي تنتشر وتشتهر تمتلك الحدّ الأدنى من المضمون واللغة. لكن أن تتصدّر قائمة الشهرة والانتشار في المعارض والمكتبات والصفحات الثقافيّة كتبٌ أقلّ ما يقال في شأنها أنّها بسيطة ساذجة ركيكة، فذلك ما لم يعد لي جلد على قبوله أو المشاركة فيه أو الصمت عنه.
    كثيرة الكتب التي استُشرت، مجّانًا، في شأنها، ودقّقت في لغتها، أو أسديت النصح لأصحابها في مسألة عنواينها وإخراجها (وفي أكثر الأحيان كانت نصيحتي عدم النشر)... وكنت أرحّب بكلّ مبادرة كتابيّة وفي بالي أنّ إصدار الكتب، ولو دون المستوى، أفضل من إصدار فتاوى دينيّة أو رخص لحمل السلاح...لكن حين تحتلّ هذه الكتب واجهة المشهد الثقافيّ وتصير علامة فارقة في الأدب، ويجتمع حول مؤلّفيها مئات ومئات من المريدين والمعجبين والمصفّقين في حفلات توقيع تجمع الإعلام والإعلان بتأثير من موقع كاتبها (أو كاتبتها) الاجتماعيّ أو الصحافيّ أو الوظيفيّ... فذلك كلّه ما لم يعد لي رغبة في معرفته أو الاطلاع عليه أو السكوت عنه من باب اللياقات الاجتماعيّة... بل، ولأكن صريحة، لا قدرة لي على مجاراته أو منافسته!
     لذلك، أليس الانسحاب من هذا المشهد الثقافيّ حاجة نفسيّة تضمن نوعًا من الهدوء في زمن الضجيج؟

2- واقع الكتاب في المؤسّسات التربويّة:

     ثير حفيظتي عبارات من نوع: عليه أن يقرأ لتحسين مستواه، أقرأها على دفاتر علامات التلامذة. فمعرفتي الأكيدة أنّ المعلّمين لا يقرأون تجعلني أتساءل عن جمهور القرّاء. 
     بدأت النشر وأنا في العمل التربويّ، وأنهيه وأنا في العمل التربويّ، لأنّي صرت على يقين من أنّ المدارس ليست المكان المناسب لإطلاق الكتب أو التعريف بالكتّاب. ولا أقصد بذلك مؤسّسة بعينها أو مدرسة محدّدة. فالواقع عامّ ومنتشر في مدارس لبنان وجامعاته. لذلك تعتمد دور النشر على العلاقات الشخصيّة في تسويق بعض الأسماء والعناوين، وإلّا لما استطاعت كتب كثيرة أن تجد مكانها على لوائح الكتب المدرسيّة. 
    وأستطيع أن أحصي بسهولة وسرعة، وقد أنهيت أربعة وثلاثين عامًا في التعليم والتربية والإدارة والتنسيق، عدد المعلّمين أو التلامذة أو الأهل الذين اشتروا كتبي بعيدًا عن واجب حضور حفلات التوقيع، أو موجبات العمل والمسايرة (لا علاقة للوضع الماديّ بالمسألة كلّها)، فضلًا عن أنّ كون المعلّم كاتبًا أو أديبًا لا يعني أنّه ضمن لنفسه مكانة مرموقة أو درجة مميّزة. وهذا حال أكثر الزملاء الذين يجمعون بين جنون الإبداع الأدبيّ ورتابة التدريس وقوانينه الملزمة.
    لذلك، ألا يزال النشر أمرًا مغريًا يستحقّ أن يخصّص له وقت، أو تُهدر بسببه طاقة، في وقت يحتاج كلّ منّا فيه إلى ما نجا من عقله وأعصابه كي يتابع حياته من دون أن يكون عبئًا على أحد؟
  
3- حين اشتريت كتبي الأربعة الأولى من دار النشر التي أغلقت أبوابها:



     يوم اتصلت بي جاين فغالي، مديرة دار النشر مختارات، لتخبرني أنّهم في صدد قفل الدار، وتسألني عمّا أريد فعله بكتبي الأربعة المنشورة عندهم، قلت له: أشتريها...
وبعد حديث اختلط فيه الجدّ بالسخريّة ممّا آلت إليه الأمور، قالت لي: يجب أن ترسلي سيّارة كبيرة تتّسع للكتب، فأجبتها: سأرسل سيّارة دفن الموتى!!
      لا يحصل كلّ يوم أن يشتري الكاتب كتبه التي لم يربح من مبيعها ليرة واحدة.
    أربعة كتب صدر أوّلها منذ أحد عشر عامًا، توزّعت عندي على الأرض وفي الأكياس وعلى رفوف أفرغت من أجلها، في انتظار توزيعها مجّانًا.( أبحث الآن عن آليّة تنفيذ ذلك).
     لم يعنني وأنا أنظر إلى كتبي أن أحلّل الأسباب التي جعلت كتبي تصل إلى هذا المصير: دار النشر، شركات التوزيع، المكتبات، رفضي الإطلالات الإعلاميّة، رغبة الناس عن المطالعة...؟؟؟ ربّما كلّ ذلك... لكنّي في تلك المرحلة كنت أكتب في "النهار" التي كانت أكثر الصحف انتشارًا بين المثقّفين وهواة الكتب. ومع ذلك بقيت نسخ كتبي على رفوف دار النشر تنتظر منّي أن أشتري حريّتها في زمن بيع السبايا...

     أليس من العبث أن أنشر كتبًا أشتريها أنا لأوزّعها مجّانًا... إنْ وُجِد من يرغب فيها؟  


3-  نوع القرّاء الذين أضع نصوصي بين أيديهم وأمام أعينهم:

نقلًا عن الفيسبوك:
غير مرتبطة بالمظاهرات اليوم، لكن من الاهمية لدرجة لا تحمل الانتظار...
  • 3 people like this.
  • فلسفة ماري القصيفي دفعتني ان أشيّك بروفايلا فوجدتها مثلها مثل غيرها من الذين انتقدتهم في ما كتبته....تصور نفسها و تضع الصورة عالفيسبوك و تأخذ شوتّات قريبة و هي تتأمل و تشاركنا احتفالاتها العائلية بابراز قوالب الحلوى....يعني بالمختصر متلك متل هالعالم يلي تمسخرتي علين تتخبرينا انك فظيعا....

    1 · 20 hrs · Edited
    • صديقي جاد...الم تظلمها قليلاً....البروفايل مليء بالخواطر والافكار...فلا بأس بالقليل من الصور...

    • نعم تعمدت ذلك لأنها استهزأت بالمجتمع اللبناني برمته و هي في مكان ما و ظرف ما على شاكلة هذا المجتمع و لو بدرجات متفاوتة. زمن الثورات عزيزي هشام انتهى منذ زمن بعيد الى غير رجعة و ليس ذنب المجتمع انه انحدر الى الدرك الذي ذكرته في مختلف جوانب الحياة فالانسان متلقي يمتص ما يقدم له من دون "فلترة" سوى في بعض الحالات التي ليست سوى الشواذ الذي يثبت القاعدة.

     لا أعرف عن السيّدين اللذين تحاورا في شأن نصّ نشرته على الفيسبوك يوم 8 تمّوز سوى ما يوجد على صفحتيهما. ومن حقّ أحدهما أن يعتبر، ساخرًا، كلامي فلسفة وأنّني فظيعة... ومن حقّ الآخر أن يدافع بخجل وهو يقول: ألم تظلمها قليلًا.
     السيّد هشام أبو جودة انضم منذ أيّام إلى صفحتي، وأعاد نشر النصّ عن الثورجيّ فقرأه السيّد جاد حتّي وأدلى برأيه. ولست هنا في وارد السجال معهما أو مع غيرهما في إطار الدفاع عن صفحتي أو صوري... فهذا كلّه من طبيعة النشر والتواصل الاجتماعيّ. وهذه هي شروط اللعبة: أن تنشر ما تكتبه وأن تتحمّل ردود الفعل والآراء المختلفة. ففي مقابل رأي السيّد جاد حتّي حاز النصّ 427 لايكًا، و25 تعليقًا مؤيّدًا، وأعاد نشره 68 قارئًا.

     ولكن السؤال الذي أطرحه على نفسي: لماذا عليّ أن أبقي صفحتي مفتوحة للجميع مقتنعة بأنّني كاتبة وبأنّ الآخرين (الذين ليسوا أصدقاء بالمعنى الواقعيّ للكلمة) هم قرّاء يتابعون نصوصي عن سابق تصوّر وتصميم، وهم في كامل قواهم العقليّة؟
       والسؤال الآخر: أين المتعة في معرفة آراء الآخرين الذين ليسوا نقّادًا ولا مثقّفين ولا متخصّصين ولا خبراء؟ 
        والسؤال الأخير: ألم يحن الوقت لأحمي ذائقتي من هؤلاء العابرين الطارئين الذين يريدون كلّهم أن يصيروا كتّابًا ونقّادًا بحجّة حريّة التعبير؟


4- الكتابة والواجبات الاجتماعيّة:

     رفضت من البداية حفلات التوقيع، وكتبت عن ذلك أكثر من مرّة، وحين رضخت لها لضرورات البيع بحسب دور النشر، اكتفيت بوضع الدعوة على صفحة الفيسبوك، ولم أرسل بطاقات دعوات شخصيّة إلّا لعدد محدّد ومحدود من الأشخاص. 
     كان الأمر محرجًا، وبقي كذلك.
    ولكن بعيدًا عن الشقّ التجاريّ للمسألة كلّها، بدا الأمر واجبًا اجتماعيًّا لا ثقافيًّا، فكان عليّ أن أردّ الزيارة لمن شرّفني من الأدباء والشعراء في حفلات تواقيعهم، وأن أشارك في مآتم وأعراس وندوات لأشخاص ابتاعوا نسخًا من كتبي.
     صفحات التواصل الاجتماعيّ نفسها لم تنجُ من هذه "الواجبات"، فبات عليّ أن أهنّئ بالأعياد، وأن أقدّم واجب العزاء، وأن أدعو لمريض، وأن أتضامن مع قضيّة، وأن أردّ اللايك باللايك، والتعليق بالتعليق، والنكزة بالنكزة... فضلًا عن الرسائل...
     تخيّلوا كيف يمكنني التواصل مع أكثر من عشرة آلاف شخص بين صديق ومتابع؟؟؟ وأين تجد الكتابة وقتًا لها في خضّم كلّ هذه المناسبات والقضايا والآراء؟

وللحديث تتمّة...

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.