الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 26 مايو 2018

تتغيّر صورة الإنسان حين يكون حروفًا مكتوبة

إم جريس وأبو جريس


تتغيّر صورة الإنسان
حين يكون حروفًا مكتوبة

*إلى إم جريس، إلى ثريّا، إلى كلّ الرّاحلات بصمت الرّضا.

توقّفت أمام ورقة النّعي الملصقة على حائط المزار، في وسط السّاحة، وقرأت الاسم وكأنّي أكتشف صورة لصاحبته، جديدة.
للمرّة الأولى، تظهر تلك السّيّدة للعلن، ويكتب اسمها، للمرّة الأولى والأخيرة، بالقلم العريض، بالخطّ الأسود العريض، في وسط الصّفحة، وتحته اسم زوجها الرّاحل بحروف أصغر.
على تلك الورقة البيضاء، داخل الإطار الأسود، اجتمعت العائلة حولها، أولادها وشقيقاتها وأشقّاؤها وأنسباؤهم في الوطن والمهجر، وكانت هي سبب اللّقاء، ونجمته البيضاء.
للمرّة الأولى في حياتها، وفي مماتها، تثير ضجّة وتجمع حولها النّاس الباكين الآسفين، هي الّتي عاشت بصمت، وما أحبّت الأضواء يومًا وما أحبّت الظّهور يومًا، وما أحبّت أن تكون محطّ الأنظار.
تزوّجت صغيرة جدًّا، وحضنت إخوة زوجها وأخواته، وأنجبت عشرة أولاد، ورافقت مرض زوجها خمسة عشر عامًا، وبعد وفاته، رافقتها أمراضها، ورافقتها الآلام المبرحة، ورافقتها الابتسامة الدّافئة.
وتعلّمت، منذ صباها، كيف تقبل صعوبات الحياة، وكيف تحسن تربية أولادها، وأجادت، بالفطرة الحكيمة، الانسحاب حين كان دورها ينتهي.
~~~
رأيتها مسجّاة على الفراش الأبيض، متضايقة من نفسها، سبّبت الحزن والألم لمن أحبّتهم أكثر من حياتها، ولكن، أليس هذا ما صلّت طيلة حياتها من أجله، أن ترحل قبل أن يصاب أي من أولادها بأذى.
ورأيتها خجولة، صارت محطّ أنظار النّاس ومحور أحاديثهم، يراقبونها بفستانها الأبيض، ويتابعون تغيّرات لونها.
تلك السّيّدة الّتي لم يتح لها أن تقرأ اسمها على بطاقة العرس، زمن كان هذا التّقليد غير شائع، كتبوا اسمها بالأحرف الكبيرة على الأوراق البيضاء المكلّلة بالسّواد والمعلّقة على حيطان الحيّ، فأشعروها بالإحراج.
تلك السّيّدة الّتي رحلت بصمت وهدوء وهي تسأل لماذا يبكي حفيدها، تذكّرت في ساعاتها الأخيرة والدها الّذي كان يحبّها ويعاتبها لأنّها تسهو، وقالت لابنتها المسمّرة على قدميّ السّرير: شو حلوي هالدّني.
~~~
يقول الإعلان:
"توفت ثريّا... أرملة يعقوب... في دارة العجزة. في تاريخ 19/ 10/ 1991. عندها عفش قديم مكسّر وغير صالح، موجود أمانة عند شركة ... شتقوم الشّركة برمي هذا العفش في مكبّ النّفايات بعد أسبوع من تاريخه إذا لم يتقدّم أحد لأخذه أصولاً بحسب القانون".
"النّهار" 15 تمّوز 1994
مسكينة ثريّا
بقي عفشها أمانة لثلاث سنوات، ولم يطالب به أحد، فرمي في مكبّ النّفايات.
أغراضها الخاصّة، رفيقة العمر، حاملة الحنين، صديقة الأفراح والأتراح، لم تبق صالحة إلاّ لمكبّ النّفايات.
كرسيها وسرير عرسها وخزانة الثّياب اختصرت بعبارة واحدة، عفش قديم مكسّر.
طاولة الصّبحيّات ومقعد يعقوب المفضّل والمرآة المؤطّرة بخشب عتيق صارت مسرحًا للجرذان.
ماتت ثريّا، ورمي العفش، وانتهت قصّة الأرملة الوحيدة المحوطة بالعجائز والذّكريات والأنين.
ماتت دون أن تسأل عن مصير حاجاتها بعدما حاصرها النّسيان والإهمال، والعفش الّذي لم يطالب به أحد لثلاث سنوات هل يكون أحسن حظًّا من صاحبته؟
ثريّا الفقيرة لم تجد من يحضنها في حياتها، ولا من يمشي خلف نعشها، ولم تترك بعدها إرثًا أو صندوق مجوهرات يتسابق إليهما الأقرباء.
ثريّا العجوز المعلّقة بين الذّكرى والواقع تحوّلت إلى إعلان مبوّب وصارت موضوعًا لكتابة نبيعها من صحيفة يوميّة.
كم تتغيّر صورة الإنسان أمام أعيننا عندما يتحوّل إلى حروف مكتوبة فوق صفحة بيضاء.
ميّ م. الرّيحاني
(الاسم المستعار لماري القصّيفي)
جريدة "النّهار" الأربعاء 21 أيلول 1994

*إلى إم جريس، إلى ثريّا، إلى كلّ الرّاحلات بصمت الرّضا.





ليست هناك تعليقات: