الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 24 أبريل 2010

في عيد العمل نأكل من عرق جبين سوانا




هيروشيما من القنبلة الذريّة إلى الحياة


     لو كان في الإمكان إجراء إحصاء يبيّن في طريقة علميّة واضحة عدد الناس الجديرين بعيد العمل، وأن يستحقّوا بالتالي يوم العطلة المقرّر في الأوّل من شهر أيّار (مايو)، لاكتشفنا أنّ كثيرين من المحتفلين يأكلون في هذا اليوم من عرق جباه الذين لا يستطيعون الاحتفال بهذا العيد ولا ينالون يوم عطلة. 
     فالناس إجمالاً في موضوع العمل، كحالهم في كلّ شأن آخر، ينقسمون فريقين متطرّفين: فريق الكسالى الذين يكرهون العمل ويضعون لذلك فلسفة وحكمًا يطلقونها في كلّ مناسبة، وفريق المدمنين على العمل الذين يخشون إن توقّفوا عن العمل أن تنتهي حياتهم. وسعداء أولئك الذين ينجحون في إقامة التوازن بين العمل والراحة، مع العلم أنّهم يبدون كحالات شاذّة أو في أحسن الأحوال كطيور تغرّد خارج أسرابها. 
     الكسالى يعتبرون العمل عقابًا سماويًّا يجبرهم على أكل خبزهم مغمّسًا بعرق جباههم، وهذا ما لم يرتضوه لأنفسهم، فراح بعضهم يضع حكايات تعليميّة يبرّر بواسطتها هذا "الكسل المبدع" أو هذا الكسل الوجوديّ" كما في حكاية ذلك الرجل الذي يجلس مرتاحًا طيلة النهار يتأمّل البحر بعدما اصطاد طعام يومه، وحين نصحه أحدهم بالعمل والإنتاج وجمع ثروة، سأله الصيّاد المرتاح في وضعه: ولماذا أفعل ذلك؟ قال له الآخر: كي ترتاح في حياتك. فأجاب الرجل وهو يضحك: ولكنّني الآن مرتاح فلماذا تريدني أن أقوم بكلّ تلك الأعمال لأصل إلى حيث أنا؟
     أمّا المدمنون على العمل فيخافون من أن تضعهم أوقات الراحة في مواجهة مع أنفسهم وأفكارهم والناس الذين حولهم فيهربون إلى العمل المكثّف. هؤلاء يحوّلون مكاتبهم وشركاتهم ومعاملهم بيوتًا لا يغادرونها إلى بيوت تنتظرهم فيها عائلاتهم والحجج التي يقدّمونها تتنوّع بين تحقيق الذات، وتأمين مستقبل الأولاد، وشراء كماليّات الحياة، وإنجاز ما يعجز عنه الآخرون، وما إلى ذلك من الأسباب التي تبدأ في شكل محقّ وطبيعيّ وتنتهي بحالة مرضيّة لا يشبع المصابون بها من السعي خلف المال والسلطة.
     في ما يتعلّق بعالمنا العربيّ، أكاد أجزم أنّنا فئة ثالثة لا علاقة لها بالفئتين المشار إليهما، فلا نحن من الكسالى المبدعين الراغبين في تأمّل جمالات الطبيعة والحياة والاكتفاء بالنذر القليل من الطعام وما خفّ ثمنه من الملابس، ولا نحن من المدمنين على الإنتاج والعمل، بل تشبه حالنا حال من يرغب في كلّ شيء ولا يريد أن يفعل شيئًا للحصول عليه. نريد أن نأكل ونلبس ونشرب وننال الشهادات العالية ولكن بلا تعب أو درس. نريد أن نسهر الليالي في الغناء والرقص والسكر لكي نصل إلى العلى، ونريد أن يؤمّن لنا السحر كلّ شيء: فمارد الفانوس يضمن السلطة، ومغارة علي بابا تفتح لنا باب الجاه والثراء، والبساط يحملنا في السفر، والجراب يمدّنا بالزاد.
     "شي متل السحر" نقول حين تتحقّق الأمور في سهولة، فنحن نريد السحر الذي يتمّ بمجرّد التمنّي والطلب، ولا يجبرنا عل العمل. ومع ذلك، نطالب بيوم عطلة في يوم العمل لأنّنا تعبنا من كثرة ما طلبنا. أمّا الذين عملوا طوال السنة فعلاً: الخدم والحشم والعمّال الأجانب والمهاجرون إلى بلادنا طلبًا للرزق، فعليهم في عيد العمل أن يعدّوا لنا الطعام وأن يغسلوا السيّارة وأن يخدمونا في المقهى، وأن يكنسوا النفايات التي نرميها نادرًا في المستوعبات وغالبًا على الطرقات.
     ومن طرائف الأمور وغرائبها في عالمنا العربيّ أنّنا بارعون في الوعظ عن أهميّة العمل مستغلّين في ذلك كلام الأنبياء والأئمّة ولكنّنا لا ننفّذ ما نعظ به: فكم من مرّة سمعنا وعّاظًا يدعون دعوة الإمام عليّ بن أبي طالب إلى أن نعمل لدنيانا كأنّنا نعيش أبدًا ولآخرتنا كأنّنا نموت غدًا، ومع ذلك رأيناهم لا يقيمون وزنًا لآخرتهم بل لثرواتهم، أو دعاة يبشّرون بأن نعطي لقيصر ما له ولله ما له، ثمّ شاهدناهم وهم يأخذون عنوة مال الله ومال قيصر. وكم مرّة حورب الفكر الشيوعيّ في بلادنا وهو الذي حقّق للعمّال كثيرًا من مطالبهم كخفض ساعات العمل والعطل والتعويضات وحريّة العمل النقابيّ. 
     وفي غياب الفانوس السحريّ وفي انتظار أن تؤمّن لنا الشعوب الأخرى رغباتنا، فلنشكر الله - إذا لم يكن ذلك مرهقًا- على النفط الذي لم نخزنه ولم نستخرجه، وعلى المياه التي تذهب هدرًا إلى البحار، وعلى الآثار التي لم نبنها، وعلى أدبائنا وعلمائنا ومفكّرينا الذين طردناهم من بلادنا وعندما نجحوا بجهودهم الخاصّة طالبنا بهم وطالبناهم برفع أسماء بلدانهم عاليًا.

هناك تعليقان (2):

وادي المعرفة يقول...

أحبها
إن لصديتي الريحانية ريحٌ عطرة في الفكر والروح والمعتقد ("المارونية الحديثة") ، ولها قدرة عجيبة على إخراج بعل زبوب من العقل النائم والجسد البارد ، وهي على مسافة قريبة من الملكوت .. العمالي
كل عام وانت بخير وعافية

ماري القصيفي يقول...

وهبك الله نعمة المحبّة، دامت فيك ودمت شاعرًا بالآخرين ولهم