الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 26 مارس 2017

للحبّ لون عينيك حين تبسمان لي (النص رقم 11 من كتابي أحببتك فصرت الرسولة)

Lauri Blank

للحبّ لون عينيكَ حين تبسمان لي/ اللون الذي لا يعتق لأنّه من عمر السماء/ اللون الذي لا يتغيّر لأنّ فيه احتمال الألوان كلّها/ اللون الذي يراه الجنين حين يجرؤ على فتح عينيه للمرّة الأولى خارج عتمة المياه/ ولا يملك الكلمات المناسبة لوصفه.
حين تبسم عيناك لي، أرافق الطفلة التي كنتُها على دروبٍ نسيتْ في غمرة عمرِها، أنّ الأزهار البريّة النضرة مرشوشة على جنباتها، ولم تبقِ في ذاكرتها إلّا آثار الشوك والحصى على قدميها الصغيرتين.
أحضن الفتاة التي كانت تدفن رأسها في الكتب، لتهرب من الحرب والموت، ولتغسلَ بالكلمات عينيها من مشاهد الجثث التي تكنس الطرقات بعظامها الناتئة، وأرجلُها مشدودة إلى شاحنات، يقودها رجال قاتلون.
***
أدير وجهي وأنظر من النافذة المطلّة على الحديقة الخريفيّة، وأنا مطمئنّة إلى أنّك تحضن ذكرياتي بابتسامة عينيك، وتهمس في أذني كأنّك تعاتب نفسك:
"كان يجب أن أكون معك منذ اللحظة الأولى/ أن أكون اليد التي تلمس حنطة جلدك/ أن أكون العينين اللتين تضمّانك بين جفونهما/ أن أغسل خوفك بأشواقٍ جمعتها في أعماري السابقة/ أن أضع يدي في راحة يدك، فتطبقين أصابعك عليها، وتعرفين أنّك لن تكوني وحدك بعد الآن".
***
أقرأُ أفكارك على صفحة السماء التي تبدو من إطار النافذة ساكنة هادئة، كأنّ آلة كتابة ضخمة ترسم أحلامك لي ورغباتك فيّ بكلمات كبيرة على أوراق الغيم/ أو كأنّ آلة تصوير هائلة تلتقط تموّجات ما في بالك، وتبثّه حيًّا على شاشة عملاقة، تعبر من أمامها الطيور الراحلة/ فأعرف كم يؤلمك ألّا تكون معي منذ اللحظة الأولى/ ومع ذلك تبسم عيناك لي/ فأرى لون الحبّ، وأتذوّق طعمه، وأنشق رائحته، وأتحسس ملمسه، وأسمع همسه، وأكتشف كم يفوق الحبّ إمكانات الجسد.
***
أنظر إلى اللوحة المعلّقة قبالة السرير، لأهرب من ابتسامة عينيك، كأنّ الحزن جِلد أخشى مغادرته مع أنّي أعرف أنّه ليس جلدي/ بل مسحٌ ألبسوني إيّاه كي لا تمتدّ يدك نحوي/ كأنّك الخطيئة الأولى الراغبة في المعرفة/ فأتشبّث بحزنٍ اعتدت عليه لينقذني من الاعتراف بأنّ ثمّةَ فرحًا ينتظر أن يلفّ روحي القلقة بنعومة حرير/ أخشى أن يتمزّق نتفًا...
تعرّيني ابتسامة عينيك من أسًى صار صومعتي مذ اكتشفت/ أنّ الألم لا علاج له إلّا المسكّن/ وأنّ الوحدة لا خلاص منها إلّا بالموت/ وأنّ الإنسان أنانيّ حتّى وهو يبذل نفسه ضحيّة. تختلط استكانتي إلى وجهك بحذرٍ ما اعتدت أن أعيش من دونه: هل أطمئنّ إليك أم أخشى على نفسي من سطوة حنانٍ لا يريد لي إلّا ما أريده لنفسي/ ولم أكن أعرف أنّني أريده؟
***
أنقّل نظري في كلّ ما يحيط بنا/ وأؤجّل لحظة لقاء عينيّ بعينيك/ ولكن حين يحصل ذلك، حين أنظر بعينين حالمتني إلى لون الحبّ في عينيك/ أرغب في أن تمرّ هذه الدقائق/ هذه الدقائق على الأقلّ/ والناس في كلّ مكان في العالم يشعرون بما أشعر به، وينسون الحزن والألم.
***
همستَ في أذني وقلت لي: لماذا يحلو لي أن أرسم حبّي لك باللونين الأحمر والأخضر؟
أجبتك وأنا أعرف أنّك عندما يفيض حبّك وتؤلمك كثافته، تطرح سؤالًا يخفّف غنك قوّة ما أنت فيه كي تستطيع احتماله:

وأنا أحبّك بكلّ ألان قوس قزح: بلون السماء عند الغروب، بلون البحر تحت الليل، بلون شفتيّ حين تقبّلهما، بلون نبتة الحبق قرب نافذتي، بلون التراب وهو يتفتّح ليستقبل بذرة جديدة، لبون الشمس وهي تطلّ من بين الغيوم، بلون عينيك حين تبسمان لي.

***


Alwan Hussein
هذا كتاب يختم به الحب , هو كتاب الحب وقصيدة الشعراء ورسالة العشاق وما تذرفه العصافير وقت الصباح وما يبوح به قمر في ليل الوحدة وما يسكبه النبيذ وتهمس به القلوب من كلام , هذا ليس كلاما ً بل نار طالعة من الأبجدية , حروف ملتاعة كأنها لهب الشموع على مائدة الرغبة , كأنها النسيم يتهادى بين المروج تارة ً وتارة ريح ترج الخواطر والأعصاب والرخام وتطوف بنا حول النار كالمجوس ممسوسين , سكارى راقصين من نشوة ٍ مأخوذين وجائعين لكسرة حب ٍ تجود بها غجرية أسمها ماري قصيفي في خيمة وحيدة في العراء وتحت قمر لا يضجر من السهر والحكايات , هي شهرزاد هذا الزمان اليابس , تمنحه الطراوة , تطوي الصحراء بين أهدابها ممتلئة مياها ً وحقول لذة . أقرأ كتابها للمتعة , أقرأه للصفاء ولأطرد الخوف وأقرأه كتميمة ولأشعر بالقلق قليلا ً , قلق من أن يخونني التعبير , قلق من أن تغمرني مياهها ولا أعود أجدني , قلق من الأسئلة , هي تبتكر لنا عالما ً من حقيقة ٍ وخيال نتوهم أنفسنا فيه حالمين وعاشقين , نضيع في شوارعه وأحلامه ومتاهاته الساحرة وننسى , أجمل ما فيه النسيان , نغدو أطيافا ً تركض عارية ً في شوارع مأهولة ٍ بالعشاق , يحلو لي أن أقف أمام مرآتها فاتنا ً مسحورا ً بيدي كمشة قبل وباقة من صباحات ٍ مقطوفة من نافذة مفتوحة على حلم وأن يطيب لي الموت هناك مع القصيدة .

السبت، 18 مارس 2017

عشرة أسباب على الأقلّ تجعل الثورة في لبنان مستحيلة (2011)


أكبر صحن حمّص

أطول أركيلة في صور: مدينة الحرف وسيّدة البحار


سبب واحد من هذه الأسباب العشرة يكفي كي لا يفكّر الشعب اللبنانيّ في أن يقوم بثورة تغيّر النظام، فكيف إذا وجدنا عشرة أسباب على الأقلّ؟

1- الادّعاء والغرور: فالشعب اللبنانيّ أسير صورة نمطيّة جعلته مخمليًّا وإن كان يرتدي المسوح، متخمًا وإن كان يتضوّر جوعًا. لذلك لا يمكن أن ينزل إلى الشارع ليطلب تحسين أوضاعه المعيشيّة لأنّ ذلك يعني أنّه يعترف بفقره وجوعه ومرضه، وهذا ما لا يمكن أن يحصل.
2- لا أحد يريد تغيير النظام: فعلى عكس ما جرى في البلدان العربيّة التي تريد شعوبها تغيير النظام، فاللبنانيّون لا يريدون أيّ تغيير. لأنّهم بكل بساطة هم الذين اختاروا ما هم فيه ولم يفرضه عليهم أحد، وهم الذين اختاروا نوّابهم وأحزابهم وتيّاراتهم، وهم الذين شاركوا في القتال وخطفوا وذبحوا وشوّهوا وأحرقوا وبنوا على أملاك الدولة. فليس في لبنان حزب حاكم يفرض نفسه وممثّليه وليس هناك جيش يقمع الناس. صحيح أنّ أجهزة أمنيّة كانت تتدخّل وتغير مسيرة الأمور، أو تهدّد (وتغتال؟) بعض المسؤولين، لكنّ الشعب كان قادرًا على الثورة والرفض ولم يفعل.
3- التشرذم: الطائفيّ والمذهبيّ والحزبيّ والمناطقيّ والاجتماعيّ واللغويّ. فلا يمكن والحالة هذه أن يتّفق اثنان لبنانيّان على شعار للثورة، فكيف سيتمّ الاتّفاق على ما هو أكثر.
4- الجهل السياسيّ: اللبنانيّون كلّهم يهوون السياسة، ولكنّ أكثرهم لا يعرف الفرق بين العلمنة وإلغاء الطائفيّة السياسيّة، ولا يعرف تاريخ البلد ولا تاريخ الحرب الأهليّة، فكيف يمكنهم إذًا أن يكتشفوا أنّ ما هم فيه غير سويّ ويستدعي التغيير؟
5- الخوف على النظام الحياتيّ: فاللبنانيّون عشّاق سهر وسفر وحياة. وهم يخشون من تعريض هذا الأسلوب الحياتيّ للخطر إن تحرّكوا من أماكنهم وخرجوا إلى الشارع. ولهذا كان المعتصمون لأيّة جهة انتموا يحوّلون اعتصاماتهم حفلات أركيلة وأكل وشرب ورقص ودبكة (احترامًا للتراث).
6- عدم التعلّق بالوطن: فليس بغريب مثلاً أن يترك ثائرٌ ما موقعه في قيادة الثورة إن حصل بعد طول انتظار على تأشيرة دخول إلى كندا أو الولايات المتحدّة أو أستراليا أو فرنسا أو ألمانيا.
7- النزعة الفرديّة: فكلّ مواطن هو مشروع زعيم، وفرخ قائد، واحتمال رئيس، ونجم صاعد تليق به الأضواء والإطلالات الإعلاميّة. وفي غياب العمل الفريقيّ لا يمكن أن تنجح ثورة.
8- عدم الاتّفاق على مفهوم الفساد: فاللبنانيّ يجيد تبرير الفساد متى صدر عن سواه، أمّا هو فشاطر يعرف من أين تؤكل الكتف، وإن لم يكن ذئبًا أكلته ذئاب الطوائف الأخرى.
9- عدم الاتفاق على عدو واحد ولو في خارج الوطن، فضلاً عن أنّ كلّ واحد منهم عدوّ الآخر.
10- الكسل: فبكلّ بساطة الشعب اللبنانيّ كسول ولا يطيق العمل المتعِب: فالسوريّون يبنون، والمصريّون يعملون في المطاعم ومحطّات المحروقات، والفليبينيّون والأثيوبيّون والسري لانكيّون يخدمون وينظّفون، والسودانيّون والعراقيّون يحرسون. وخلال الحرب، أنواع من المرتزقة حاربوا عنهم، فهل يقومون الآن بثورة؟ إلاّ إن وجدوا من يقوم بها بالنيابة عنهم.
وعلى سيرة الكسل، من المفيد التذكير بأنّ اللبنانيّين (وهذا دليل دامغ على عروبتهم) صاروا يجدون المطالعة هواية مرهقة ومكلفة وغير شعبيّة، فمن سيقرأ لهم وعنهم وعليهم بيانَ الثورة إن صدر؟



الجمعة، 17 مارس 2017

ثورة في حجم سيكارة (2008)


نحن لا نعرف كيف نشعل ثورة،
نحن نعرف كيف نشعل سيكارة إن غضبنا من رئيسنا في العمل ولم نستطع أن نواجه غباوته لأنّ "في رقبتنا" عائلة وأولادًا وأقساط مدارس،
أو سيكارًا إن كثرت علينا طلبات الفقراء والمحتاجين والمرضى والمسرّحين من أعمالهم،
أو إطار سيّارة إن دُفع لنا راتب في الأرض ووعدنا بأجر آخر في السماء،
أو أشجار سنديان عتيقة إن أردنا أن نبيع الأثرياء حطبًا لمواقدهم أو فحمًا لأراكيلهم.
أو بخورًا أمام رجل ذي جبّة يعدنا بتخليصنا من شياطين الرغبات...ليكون لها مسكنًا.
أو شمعة نضيئها ليعود من نحبّهم سالمين إلى البيت بعدما سمعنا دويّ انفجار.
نحن لا نجرؤ على إغلاق أبواب مدينتنا وحرق أنفسنا كي لا نقع في أيدي الغزاة،
نحن نتذاكى على "الأعداء" فنفتح لهم أبواب ملاهينا وسيقان نسائنا كي نسرق أموالهم وننال رضاهم ونتحاشى سوء مزاجهم.
**********
نثور على الذلّ فنغتصب نساءنا وأطفالنا،
ونثور على الفقر فنضرب أولادنا،
ونثور على الجوع فنعضّ أصابعنا،
ونثور على الخوف فنغرق في المهدّئات،
ونثور على اليأس فنهرب إلى المخدّرات،
ونثور على رجال الدين فنشكو أمرنا إلى الله،
ونثور على رجال السياسة فنفضح أخبارهم أمام رجال المخابرات،
ونثور على العسكر فنشتم مراسلي التلفزيون،
ونثور على مذيعي أخبار البؤس فيشرب والدنا كأسًا وتتلو والدتنا صلاة وننام على أمل ألاّ يطلع الصباح.
*********
تاريخ البطولة صار مواضيع للمسرح والأغنيات،
تاريخ القداسة أمسى دخلاً للمطاعم وصناديق النذورات،
تاريخ الحروف الأبجديّة محته رئيسة المدرسة عندما طلبت من والد الطفل أن يبيع أرضه ليدفع القسط.
تاريخ اللون الأرجوانيّ الملكيّ صار حاضر الدم ومستقبل العبوديّة.
تاريخ الحجر المستخرج من رحم الأرض ليكون قلاع المجد صار بيت الزجاج الذي لا يجرؤ أصحابه على رشق الآخرين بحجر.
تاريخ الجسور المرفوعة بعزّ فوق أنهر الحياة، صار متاريس من الحقد في أزّقة الموت.
تاريخ "الدبكة" التي تهزّ الأرض محته "النواعم" اللواتي يهززن الصدور.
**********
لا نغضب إلّا على كتب الأبراج وأقوال المنجّمين والنشرات الجويّة إذا لم تلائم توقّعاتنا ومشاريعنا أو على نهاية المسلسل لأنّها لم تكن كما أردناها، أو على خروج متبارية من برامج النجوم لأنّها كانت تمثّل "قيم" بلدنا و"ميزاته" الوطنيّة و"تراثه" الفنيّ.
لا نرفع صوتنا إلّا على المتسوّل إذا اقترب من السيّارة، أو على النادل في المطعم إن تأخّر في إحضار الطبق، أو على الصبيّ عند مزيّن الشعر إن كانت المياه أكثر حرارة أو برودة ممّا نرغب، أو على الخادمة الأجنبيّة إذا تعبت، أو على التلميذ إذا خاف عندما سمع صوت انفجار، أو على العجوز التي تعبر الطريق وأخّرت سيرنا نحو الهدف المنشود، أو على شرطيّ السير ما دام لا يسمعنا.
لا نرفع إصبعنا مهدّدين إلّا "في وجه" الكاميرا ولا نشتم إلّا من أطلق بوق سيّارته لنسمح له بتجاوزنا بعدما غرقنا في حديث تلفونيّ حميم ونسينا أنّ الطريق ليست ملكًا خاصًا لنا، ولا نزعق غاضبين إلّا في أذن جدّنا الأصمّ، ولا نسخر هازئين إلّا في وجه زميلنا إن قدّم فكرة ذكيّة لم تخطر على بالنا.
******
وفي انتظار الثورة الكبيرة التي لن تأتي دعونا نشعل سيكارة ممنوع تدخينها حيث صنعت، فمن الواضح أنّ هذا كلّ ما نستطيع فعله لنطفئ ثوراتنا الصغيرة، الصغيرة، الصغيرة، الصغيرة، الصغيرة، الصغيرة.
***
من كتابي : الموارنة مرّوا من هنا (2008)

السبت، 11 مارس 2017

صحّتي هي العَجَب (2010)


كولاج من تنفيذي

"
إبادة" هي الكلمة التي استخدمها الطبيب الفرنسيّ حين نقل له طبيب لبنانيّ - فرنسيّ صديق ما ورد في مقالتي منذ أسابيع عن عدد الحالات السرطانيّة الجديدة التي تسجّل في لبنان كلّ عام، أي حوالي ثمانية آلاف حالة بحسب ما أعلن وزير الصحّة الذي عاد وأكّد الخبر في حديث تلفزيونيّ وهو يحذّر من أنّ الدولة عاجزة عن تأمين العلاج المتداول حاليًّا، وسيكون الوضع أصعب لتأمين الأجيال الجديدة من الأدوية التي بدأت تعطي نتائج إيجابيّة حيث استخدمت. قال الطبيب الفرنسيّ وهو يتساءل عمّا تفعله الحكومة اللبنانيّة في هذا الشأن: إن لم تكن هذه إبادة فأنا أتساءل ما هي الإبادة في رأي اللبنانيّين. وفي مزيد من الشرح، قال الطبيب الصديق: هذا يعني أنّ هناك إصابات بالمرض لم تكتشف باعتبار أنّ اللبنانيّين لا يخضعون لفحوص طبيّة دوريّة لأسباب كثيرة كالجهل والإهمال والفقر وتمنّع شركات التأمين عن تغطية هذه النفقات وعدم وجود ضمانات طبيّة حكوميّة، مما يعني أنّ الحالات المعلنة هي ثمانية آلاف حالة جديدة أمّا الحالات التي لا يعرف بها المرضى أنفسهم فلا أحد يعلم عددها أو نسبتها، وبالتالي يصحّ أن نقول: صحّتنا هي العجب لمن يسأل عن سقمنا.
وجد اللبنانيّون أخيرًا عدوّهم المشترك الذي يريد إبادتهم بصرف النظر عن أعمارهم وجنسهم وطوائفهم ومذاهبهم وأحزابهم ومراتبهم الاجتماعيّة، ولم يركنوا خلافاتهم جانبًا كي يواجهوه متّحدين، بل يصرّون على الإمعان في تجاهل هذا الواقع العلميّ الطبيّ من أجل أهداف أقلّ ما يقال فيها أنّها لن تنفعهم متى أصيبوا هم أو المقرّبون منهم بالمرض. هذا في ما يتعلّق بمرض واحد لا أحد يريد أن يدرس أسباب انتشاره على هذا الشكل المخيف. فكيف ستكون الصورة لو أضفنا أمراضًا خطيرة سواه منتشرة بسبب تلوّث الهواء والمياه والتربة؟ الصورة في اختصار هي أنّنا شعب مريض يرفض الاعتراف بواقع حاله ولا يجد ما يدعوه الى درس الأسباب التي أوصلته إلى ما هو فيه من حالات عقم وسوء تغذية وبدانة وسكّري وأمراض قلب، عدا تأثير الأفلام ذات البعد الثلاثيّ على الدماغ والنظر وقيادة السيّارات، وغير ذلك كثير ومخيف. فلنقلها صراحة: في هذا المجال لا يقع اللوم على السياسيّين وحدهم. فحين يعرف شعب كامل أنّه في مواجهة وباء أو مرض أو كارثة طبيعيّة ويبقى مصرًّا على معرفة أيّ برنامج نكات وطرائف هو الأوّل في لبنان: "لول" على المحطّة التلفزيونيّة التابعة للجنرال، أو "أهضم شي" على المحطّة التي تؤيّد الحكيم، لا يسع المراقب المحايد إلاّ أن يتحسّر ويقول: يا ليل يا عين على هذا الشعب (إلاّ إذا صار الصحيح هو يا "لول يا عون") أو أن يقول: "أهضم شي" أن يموت اللبنانيّ من الضحك على نفسه لشدّة غبائه. وفي الحالين، النتيجة واحدة و"منستاهل أكتر من هيك".
لا يسعنا أمام هذه الإبادة الجماعيّة التي يرفض سياسيونا التحقيق عمّن يقف وراءها (النفايات الكيماويّة والقذائف الإسرائيليّة والأطعمة الفاسدة) إلاّ أن ننحني باحترام أمام كلّ مريض يرغب في الشفاء وهو يعلم سلفًا بأنّه سيكون وحيدًا في مواجهة المشكلات الجسديّة والنفسيّة والماديّة والاجتماعيّة التي ستفرض نفسها عليه. فلماذا يرغب مريض مسؤول عن تصرّفاته وتخطّى سن الرشد في الحصول على علاج باهظ الكلفة في حين أن لا دولة تسأل عنه، ولا مؤسّسات طبيّة متخصّصة ترشده؟ ألا تدعو إلى التأمّل شجاعة المريض اللبنانيّ، الذي يقاوم المرض وتداعياته ويتناسى ما يسمعه عن الأخطاء الطبيّة والإهمال في المستشفيات، ويملأ الاستمارات المطلوبة وهو راضخ لتكشيرة الموظّفين، كلّ ذلك بهدف أن يستعيد صحّته ويعود إلى حياته "الطبيعيّة"؟ ولماذا؟ ليسمع نشرات الأخبار وتصريحات السياسيّين وتحليلات الصحافيّين وتهديدات الزعماء وسيناريوهات الحرب، ثمّ يتحامل على أوجاعه وآلامه ومعاناته ويحمل جسمه النحيل ويمشي في تظاهرة خلف زعيمه، وبما تبقّى من قواه العقليّة والجسديّة يهتف: بالدم بالروح نفديك يا ...ولا يسع المراقب المحايد إلاّ أن يتساءل عن المنطق الذي يتحكّم في هذا المريض اللبنانيّ: فالدم تبرّع به له الناس بعد ألف نداء ورجاء حين التهم المرض خلاياه، والروح كادت ان تزهق ووُهبها في آخر لحظة. فهل يضحّي بهما من أجل من لم يسأل عنه حين كان يواجه موته وحيدًا؟ لعلّنا نقرأ في الحريق الهائل الذي عجزت إسرائيل عن مكافحته، مع أنّها تملك ترسانة عسكريّة ضخمة، دروسًا في تحديد الأولويّات. وإلاّ فقليل علينا ما يصيبنا.
***
جريدة النهار - الثلاثاء 7 كانون الأوّل 2010


الجمعة، 10 مارس 2017

بهاء الولادة (النصّ الثالث والعشرون من كتابي رسائل العبور - 2005)



...وصديقي الذي يعبر الآن إلى مجد أيّامه جميل كلحظة الولادة التي تكتشف نفسها مع مرور الساعات، والتي تفرض وجودها كلّما ازدادت تشبّثًا بالحياة.
هو نفسه لم ينتبه إلى هذا الجانب من شخصيّته إلّا مع تقدّمه في العمر، كأنّما الأعوام التي مضت شغلته عن النظر إلى شكله الخارجيّ. وعندما امتلأ داخله بالغنى الذي يجب أن يكون فيه، التفت إلى المرآة ورأى ما كان يراه في عيون الآخرين.
الآخرون هم الذين هتفوا بجماله، أو أشاروا إليه في حياء، فلم يصدّقهم. وظنّ أنّ الأمر كلّه مجرّد انفعال صارخ أو مجاملة مهذّبة. ومن أجل هذا الظنّ فقط تقبّل كلامهم بمحبّة وتواضع. ولكن مع مرور الوقت، بدأ الداخل الذي نضج ينضح أكثر فأكثر إلى الخارج، وظهر على وجهه ما يشبه الفرح ولكنّه ليس فرحًا، أو ما يشبه السكينة ولكنّه ليس هي، أو ما يشبه المحبّة ولكنّه ليس منها فقط. كأنّ ما على وجهه مزيج من هذه كلّها، فيشعرنا، نحن الناظرين إليه، بفيض من الحنان والدفء، كاللذين تمنحنا إيّاهما لحظة صلاة عميقة، أو لقاء حبّ صادق.
كان الجمال الذي فيه ممزوجًا بالذكاء والكرم وخفّة الظلّ والتهذيب والخجل والجرأة. ولم يكن من السهل أن نفصل بين عناصر هذا المزيج، كأنّ جماله لا يكتمل إلّا بذوبانها بعضها في البعض الآخر، من دون أن يفقد أي عنصر منها كينونته وخصوصيّته.
ومع ذلك، فإنّ هذا الرجل الذي لم يكتشف صورة الإله فيه بعد، يؤمن إيمانًا ثابتًا بعدم اكتماله. وهكذا عرفنا، نحن الذين نراقب بهاءه المتوهّج كقصيدة، أنّ السعي نحو الكمال هو الجمال كلّه.

الخميس، 9 مارس 2017

صديقي اسمه الحزن (النصّ الثاني والخمسون من كتابي رسائل العبور 2005)



"كلّ مين طوي شراعو
وراح بهالمدى
ولدين وضاعو
ع جسر المدى"

***
كشعور الأعمى حين تصف له منظرًا لا صوت له ولا شكل ملموسًا.
كشعور المقعد حين تحدّثه عن متعة تسلّق الجبال.
كشعور الأصمّ حين تطرب أمامه وتتفاعل قسمات وجهك وأعضاء جسمك مع الموسيقى.
هكذا أشعر حين يخطّط صديقي العابر لمشاريع ومواعيد نعرف أنّنا لن تقوم بها معًا.
يسبح قلبي عند ذلك في بحيرة كبيرة من الحزن العميق والأليف أعجز عن الخروج منها، لا، بل أعرف أنّي لن أغرق فيها ولن أغادر مياهها الرماديّة.
ويرافقني ذلك الحزن لفترة طويلة ولا ينتهي، بل يتجدّد مع مشاريع أخرى ومواعيد جديدة أسمعها ولا أستطيع إلّا الحلم بتحقّقها يومًا.
أشعر بعجز مخيف. يداي مقيّدتان كيدَي كاتب يجلس الرقيب الشرس على فتر من قلمه. وأوراقي البيضاء لا أكتب عليها إلّا ما سبق وكتبته.
يحدّثني صديقي عن أماكن زارها، عن بلدان وفنادق ومتاحف، ويدعوني إلى موافاته إليها ليرى إن كانت ستثير فيّ انطباعات تشبه التي عنده. يحدّثني عن أشخاص التقى بهم، عن وجوههم وأسمائهم وشخصيّاتهم، ويسألني إن كنت أقبل بالتعرّف إليهم ليعرف رأيي فيهم. يحدّثني عن نزهات ومشاوير ووسائل لهو، ويطلب منّي أن أكون شريكته فيها، لأنّه يحبّ أن يراقبني وأنا أراقب ما يجري حولي.
غير أنّ مسافات بعيدة تفصلني عنه. بحار وجبال ووديان، وساعات من السفر، وأكوام من الغيوم، وتلال من النجوم، تقف بيننا. فأعتذر عن تلبية الدعوة وأبقى اسيرة التراب الذي أعرفه.
منذ زمن وأنا أعرف أنّ صديقي غيمة عابرة وأنا شجرة مقيمة.
منذ زمن لا أعرف بداياته وأنا أنظر إليه وأنتظر رحيل المواعيد وذبول الوعود.
منذ زمن وأنا أنتظر كالمحكومين بالإعدام أن تتحوّل الدعوة إلى فنجان قهوة صباحيّ حفلة وداع حزينة.
لماذا يخبرني صديقي الذي عبر إلى مجد طموحه عن أمور وأشياء لن أكون شريكة فيها؟ لماذا يدعوني وهو يعرف أنّي عاجزة عن تلبية الدعوة؟ هل هو واجب العلاقة يدعوه إلى ذلك؟ أم هي الرغبة تضجّ في داخله، فتجعله يحلم مثلي بلقاءات لا نعرف متى ستتمّ؟
حين غادر هذا الرجل علاقتنا وابتعد، ترك لي حزنًا كالذي يصيب الإنسان عندما يخيب أمله، أو عندما يرسب في امتحان نهائيّ حاسم، أو عندما يتمزّق ثوب له ذكريات وتاريخ، أو عندما يفقد ألبوم صور الطفولة.
لم يكن حزنًا مفاجئًا بل تسلّل على مهل كضباب خريفيّ. ولم يكن حزنًا عاصفًا بل كان رقيقًا كبرقع عروس، ولم يكن حزنًا بغيضًا بل بدا كأنّه صديق حميم انتبهت فجأة إلى وجوده منذ زمن لا أعرف بدايته.
وصار الحزن صديقي فعلًا.
ليس الحزن المتشائم، ولا الحزن المدمّر، بل هو أقرب ما يكون إلى حالة عميقة من الشوق والحنين إلى أزمنة مضت، إلى براءة ولّت، إلى طفولة انقضت، إلى أمكنة موجودة فقط في الذاكرة أو في صور عتيقة بالأبيض والأسود.
ولذلك فلم يكن من الممكن أن يكتشف الآخرون حزني الصديق لولا حديثي عنه. كأنّي أخبّئ علاقتي به، كأنّي لا أريد أن يكتشف أحد هذا النوع من الحزن النادر، فلا يظهر على وجهي ولا يفضحه صوتي ولا تهلن عنه تصرّفاتي.
ولذلك أيضًا، أكتب عنه. كأنّ الكلام الذي تنطق به الشفتان لن يكون معبّرًا وكافيًّا ولا تليق به إلّا الكتابة، إلّا الحفر في هيكل الروح، لا الدموع ولا استعادة الذكريات ولا التحسّر على ما كان يمكن أن يكون، بل كتابة نابعة من عمق الأعماق تتحدّث عن رجل لم يمحُ ما قبله من الرجال، ولن يمحو ما بعده منهم، عن رجل يعرفهم ويعرف عنهم لأنّه يعرفني جيّدًا.
أمشي في دروب الحياة اليوم، وفي رأسي أمور لم نقم بها. أقرأ الكتب بعينيّ وعينيه، قائلة في نفسي: هذا يشبهه، وهذه فكرة سبق أن قالها، وهذا كلام لا يعجبه، وهذه جملة لا شكّ في أنّها ستعلق في ذاكرته.
أسمّيه العابر، وكلّ الآخرين عابرون إلّاه.
أمشي وحيدة في شوارع المدينة التي يحبّها، فيطلع عليّ من بين جدرانها الحديثة تاريخها القديم، وأقول في نفسي هذه مدينة لا تحسن الاحتفاظ بأبنائها.
أنظر إلى الناس في الشوارع وأتساءل: هل بينكم من يشبهه؟ غير أنّي أعلم في قرارة نفسي أنّ صديقي الذي ترك المسافات تمتدّ بيننا، لا يشبه إلّا الرجل الذي أكتب عنه.
قد يظنّ البعض أنّ اشتياقي إليه هو اشتياق الجسد للجسد، المرأة إلى الرجل. لا شكّ أنّ فيه ذلك. غير أنّ فيه أيضًا الشوق إلى التفاصيل الصغيرة، تلك التي تصنع العلاقات الكبيرة. الشوق إلى مشهد يديه الجميلتين على مقود السيّارة، الشوق إلى أصابعه تلاعب شعري الأسود الطويل، إلى نظراتنا الخبيثة حين نلتقط في اللحظة ذاتها مشهدًا أو عبارة سيكونان بعد قليل موضوعًا لتعليقاتنا، إلى الهدايا التي أحبّ أن أفاجئه بها بلا موعد أو مناسبة، إلى الصمت حين نستمع إلى الموسيقى، إلى الغناء حين تحرّكنا الكلمات، إلى رغبتي في العبث بأغراض مكتبه وخزانته، إلى مداعبة شعيرات صدره من فتحة القميص، إلى أن أسمع من جديد حكايات عن طفولته ومراهقته.
الشوق إلى كلّ تفصيل من تلك اللوحة الرائعة التي كان اسمها "نحن الاثنان".

الأربعاء، 8 مارس 2017

كوني شهرزاد الحكاية (2011)


بيكاسو - 1935 - امرأة الكتاب

حوّاء هي أوّل من حكى حكاية من بني البشر. فحين راحت تصف التفّاحة وتزيّن لآدم متعة قطافها وأكلها كانت تؤلّف حكاية وتصير حكاية. وآدم هو المستمع المتواطئ، الذي عرف أنّ الحكاية حكاية، ومع ذلك انساق خلف الكلمات وهو عارف أنّه خاسر أمانه. بعد ذلك أتت شهرزاد وأعادت بحكاياتها شهريار إلى طمأنينة فردوسه، ومرّة ثانية كان الرجل مستمعًا متواطئًا يعرف أنّ الحكاية وسيلة المرأة لتنقذ نفسها، فماشاها في لعبتها، وتركها تخترع له كلّ يوم قصّة ترويها طيلة الليل، وتصلها بحكاية ثانية وثالثة، إلى أن تحوّل جحيم القصر الملكيّ جنّة وانتقم شهريار لآدم الذي خسر نعيمه بسبب الكلمات المغرية.والنساء، منذ البداية، يحكن الملابس ويحكين القصص. وقد يكون مفيدًا أن ندرس علاقة الروائيين بأمّهاتهم أو جدّاتهم، لعلّنا نكتشف كيف أنّ هؤلاء ورثوا فنّ السرد في دمائهم ورضعوه مع حليبهم وناموا على هدهدة أصوات حوّلت الكلمات مهدًا وغطاء ومخدّة، قبل أن تصير عوالم أخرى لا حدود لها.
كوني شهرزاد الحكاية

فكوني، أيّتها المرأة، شهرزاد الحكاية!
اخترعي لرجلك عوالم تعيده طفلاً يسمع أصوات الجنيّات، ومراهقًا يحلم بالفتيات، ورجلاً فخورًا بما أنجز، وعجوزًا تحلو معه حكمة الشيخوخة. كوني شيطانته الصغيرة التي تثير رغباته، وكوني ملاكه الذي يحرس نومه، كوني رحمه الذي يخرج منه ويعود إليه.كوني وكوّني. كوني أنتِ ولا تكوني أنتِ، وكوّني له ومعه عوالم لم تكن قبلكما، وحين يقال أمامك: الكذب ملح الرجال، ابتسمي وقولي في نفسك: صحيح، ولكنّ الكذب هو الملح الذي تضيفه المرأة على الرجل، فهو بلا ملح الكذب "والشي اللي حدّ الكذبة" كما يقول الرحبانيّان، لا وجود له. وتذكّري إنّه ليس هو الذي يكذب، بل أنت. لا لأنّه لا يريد أن يكذب، بل لأنّه لا يعرف كيف يفعل ذلك، وخصوصاً في الأمور اليوميّة البسيطة. فالكذب فنّ يتطلّب التفكير في الآخر وتفصيل الكذبة على قياسه ومزاجه وذوقه وشخصيّته، والرجل، إن لم يكن فنّانًا، ليس مؤهّلاً لذلك.
انظري حولك وتأكّدي: يتمنّى الرجل أن تكذبي عليه، فإن كنت ابنته فلا تخبريه أنّك فقدت عذريّتك، وإن كنت حبيبته فلا تصارحيه بأنّك مريضة، وإن كنت زوجته فلا تفاجئيه بأنّ أمّه ليست كما يراها. ولا تحاولي تغيير هذا الواقع، فلن تنجحي حيث فشلت نساء الأرض منذ فجر التاريخ، بل حوّلي جهدك لحياكة قصص جديدة كلّ يوم. اخترعي له العالم الافتراضيّ الذي يطلق العنان لأحلامك ورغباته، ولجنونكما معًا. في البداية سيفاجأ ويعارض ويحاول عدم الرضوخ لإغراء التفلّت من قيود العقل والمنطق والمحظور والمحرّم، كما فعل قبله آدم، أو سيسعى، كما شهريار، الى قتل ما فيك من خيال وعاطفة وذكاء تحمله كلّها إلى حيث لم يكن يريد، وتحطّم سدودًا منيعة رفعها طوال حياته أمام موجات محيطك الهادر. ولكنّ مقاومته ستنهار، وسيستسلم لسحر الكلمات ويدخل معك إلى عالمكما السحريّ، ولو كلّفه ذلك أن يخسر أمان الأجوبة، كما فعل آدم، أو أن يحاصره قلق الأسئلة، كما حصل لشهريار.
ولكن، إيّاك أن تظنّي للحظة واحدة بأنّه غافل عن اللعبة كلّها، أو بأنّه منساق انسياقًا غيبيًّا ساذجًا إلى حيث تريدين أخذه. فمن شروط الفنّ أن يكون الآخر عارفًا أصول العمليّة في أدقّ تفاصيلها، وأن يدّعي عكس ذلك.
أمّا الرجل الذي لا يعرف الشروط ولا يعي القوانين فلا يستحقّ أن تضيّعي دقيقة من وقتك في تأليف جملة واحدة له. في حين أنّ الآخر، شريكك في الحكاية، يستحقّ أن تكوني حوّاءه التي تخرجه وتخرج معه من جنّة ما هو معروف وأكيد وواضح إلى حيث الشكّ الذي قد يقود إلى اليقين، وشهرزاده التي تنام معه لألف ليلة وليلة من دون أن يكشف أحدكما للآخر أنّه وصل إلى هذا اليقين.

السبت، 4 مارس 2017

بشارة كميل بو لحّود العائد جمرًا لا رمادًا

حين كانت الريحانيّة تسهر عند بيت بو لحّود

بشارة بو لحّود (بالبزّة البيضاء)

مرّة جديدة، تطوي الريحانيّة صفحة من ذاكرتها بغياب رجل عاش نصفٌ من كيانه فيها، وقضى النصف الآخر باحثًا عن دفئها في صقيع كندا. وكما أنّ من حياة تشبه سواها، كذلك فما من رحيل يشبه ما سبقه أو قد يشبه ما يليه... فموت إنسان ما موتُ ذاكرة وخلايا ومشاعر وأحاسيس لا يمكن أن تشبه سواها. وموت بشارة بو لحّود وجه من ميتات كثيرة تختبرها هذه البلدة العاجزة عن التمسّك بهويّتها وطبيعتها وناسها. قد تكون هذه حال بلدات ومدن كثيرة، لكن من قال أنّ تعميم الوضع يخفّف من وطأة آثاره؟
يوم اثنين الرماد، ومع بداية الصوم، استعدّ بشارة كميل بو لحّود لرحلة العودة من كندا رمادًا في وعاء، منهيًا بذلك مشوار غربته الطويل. فجأة، وحين علمت أمّي بالخبر، انتبهت إلى أنّ منزل بيت بو لحّود اختفى من أمام بيتنا حين حجبه عن العين بناء ضخم، حديث لكن قبيح ووقح. فخلُصت إلى أنّ الريحانيّة التي كانت تعرفها لم تعد موجودة، وحزنت كما لو انّ إمّ بشارة وأبا بشارة رحلا أيضًا الآن.
لا أذكر ظروف هجرة بشارة، بِكر العائلة الذي رحل باحثًا عن شيء ما، هاربًا من شيء ما، ولا أعرف إن كان ذلك الرجل قد نجا ممّا كان يهرب منه، أو عثر على ما كان يتوق إلى إيجاده. لكنّي أعرف أنّ الرجل الذي لم يتزوّج، ولم يترك خلفه ولدًا يضع زهرة على مدفنه، صار رمادًا ينذر بمصير مشابه ينتظر هذه الأرض التي يؤوب إليها... إن لم نتّعظ، نحن أهلَها وساكنيها.
قد لا تكون قصص المهاجرين كلّها حكايات عن الوحدة والصراع والعذاب وصولًا إلى الموت بين غرباء... بالتأكيد هناك نجاحات وحيوات ملؤها السعادة والأمان، لكن الأكيد أيضًا أنّ ثمّة قصصًا عن معاناة واحدة لها أكثر من وجه، معاناة التمزّق بين وطن هو عائلة وبيت ومدفن ينتظر تراب الجسد، وبلد يبيعك الأمان والضمان بميتة تشبه ملايين الميتات...
لم تكن الحياة في الريحانيّة سهلة ولا هانئة. لعلّ العكس هو الصحيح. لكن ثمّة خصوصيّة لها - قد تكون هي التي جعلتني ما أنا عليه - تدعوني للبكاء عليها مع كلّ موت. ولا أعرف كيف أصف هذه الخصوصيّة من دون أن أبدو كأنّني أبالغ أو أضفي لمسات شاعريّة بعيدة عن الواقع.
ولكن يمكنني أن أجزم بأنّ الريحانيّة بالنسبة إليّ هي مزيج من طبيعة وقصيدة وصلاة. لا يملك أهلوها الأراضي لكنّهم يعرفون قيمة الأرض، ليسوا شعراء معروفين لكنّهم يطربون للكلمة الحلوة، ليسوا قدّيسين لكنّهم لا يغيبون عن الكنيسة إيمانًا منهم بأنّ الطريق إلى السماء تمرّ عبر مذبحها. لذلك كانت الحياة فيها، على تواضعها، هانئة هادئة بطيئة الإيقاع حتّى الذين أتوا إليها مستأجرين بيوتها ذابوا في هذه الخصوصيّة حتى باتوا جزءًا منها. 
لكنّ الريحانيّة اليوم تُحتضر، وتموت شيئًا فشيئًا. تتناتشها تسميات أخرى، تذوب في كيانات جديدة، تُترك لمصيرها الغامض، فلا يبقى غير كنيسة مار الياس (التي لا صالة لها ولا منزل للكاهن قربها) مكانًا يكفي لاحتفالات صغيرة متواضعة، ويعجز عن استيعاب جمهور المناسبات الكبيرة. وإلى غير هذه الكنيسة، يتوجّه غدًا أبناء الريحانيّة لصلاة الجنّاز عن نفس بشارة كميل بو لحّود، العائد قلبه جمرًا تحت الرماد، جمرًا مشتعلًا بالحسرة على وطن غارق تحت جبال النفايات، وبلدة تختفي بيوتها الصغيرة تحت هيمنة الأبنية العالية المخالفة القوانين. فبشارة الذي نعرفه ليس كمشة رماد، ولا حفنة تراب، هو ابن عمّو "كميل" وتانت "نيني" اللذين لم يتأخّرا يومًا عن واجب أو يتقاعسان عن خدمة، هو ابن بيت مفتوح للضيف والسهر والطاولة الكريمة، هو شقيق أخوة وأخت لم يؤذوا شخصًا في حياتهم، هو جار لطيف المعشر، لا يُثقل على أحد، ولا يفرض نفسه على مضيف. يجمع المعلومات من حيث تتاح له، ويسهب في عرضها حين يجد نفسه محاطًا بجمع من المصغين، ويعرف متى يصمت وينكفئ.

غدًا، في القدّاس، سيكون إلى جانب كلّ منّا، وجه من وجوه الريحانية الغائبة خلف الغيم: من بيت بو لحّود، من بيت الحلو، من بيت القصّيفي، من بيت مشلب، من بيت غيّا، من بيت بو خليل، من بيت متّى، من بيت صوما، من بيت داود، من بيت حرب، من بيت كسرواني، من بيت يونس، من بيت كرم، وقرب المذبح سيكون هناك بو بشارة وإم بشارة وابنهما ميشال يستقبلون بشارة، وعمّه اسكندر يخدم القدّاس، فلا يبقى الرجل مغتربًا أو مهاجرًا أو وحيدًا...