الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 9 مارس، 2017

صديقي اسمه الحزن (النصّ الثاني والخمسون من كتابي رسائل العبور 2005)



"كلّ مين طوي شراعو
وراح بهالمدى
ولدين وضاعو
ع جسر المدى"

***
كشعور الأعمى حين تصف له منظرًا لا صوت له ولا شكل ملموسًا.
كشعور المقعد حين تحدّثه عن متعة تسلّق الجبال.
كشعور الأصمّ حين تطرب أمامه وتتفاعل قسمات وجهك وأعضاء جسمك مع الموسيقى.
هكذا أشعر حين يخطّط صديقي العابر لمشاريع ومواعيد نعرف أنّنا لن تقوم بها معًا.
يسبح قلبي عند ذلك في بحيرة كبيرة من الحزن العميق والأليف أعجز عن الخروج منها، لا، بل أعرف أنّي لن أغرق فيها ولن أغادر مياهها الرماديّة.
ويرافقني ذلك الحزن لفترة طويلة ولا ينتهي، بل يتجدّد مع مشاريع أخرى ومواعيد جديدة أسمعها ولا أستطيع إلّا الحلم بتحقّقها يومًا.
أشعر بعجز مخيف. يداي مقيّدتان كيدَي كاتب يجلس الرقيب الشرس على فتر من قلمه. وأوراقي البيضاء لا أكتب عليها إلّا ما سبق وكتبته.
يحدّثني صديقي عن أماكن زارها، عن بلدان وفنادق ومتاحف، ويدعوني إلى موافاته إليها ليرى إن كانت ستثير فيّ انطباعات تشبه التي عنده. يحدّثني عن أشخاص التقى بهم، عن وجوههم وأسمائهم وشخصيّاتهم، ويسألني إن كنت أقبل بالتعرّف إليهم ليعرف رأيي فيهم. يحدّثني عن نزهات ومشاوير ووسائل لهو، ويطلب منّي أن أكون شريكته فيها، لأنّه يحبّ أن يراقبني وأنا أراقب ما يجري حولي.
غير أنّ مسافات بعيدة تفصلني عنه. بحار وجبال ووديان، وساعات من السفر، وأكوام من الغيوم، وتلال من النجوم، تقف بيننا. فأعتذر عن تلبية الدعوة وأبقى اسيرة التراب الذي أعرفه.
منذ زمن وأنا أعرف أنّ صديقي غيمة عابرة وأنا شجرة مقيمة.
منذ زمن لا أعرف بداياته وأنا أنظر إليه وأنتظر رحيل المواعيد وذبول الوعود.
منذ زمن وأنا أنتظر كالمحكومين بالإعدام أن تتحوّل الدعوة إلى فنجان قهوة صباحيّ حفلة وداع حزينة.
لماذا يخبرني صديقي الذي عبر إلى مجد طموحه عن أمور وأشياء لن أكون شريكة فيها؟ لماذا يدعوني وهو يعرف أنّي عاجزة عن تلبية الدعوة؟ هل هو واجب العلاقة يدعوه إلى ذلك؟ أم هي الرغبة تضجّ في داخله، فتجعله يحلم مثلي بلقاءات لا نعرف متى ستتمّ؟
حين غادر هذا الرجل علاقتنا وابتعد، ترك لي حزنًا كالذي يصيب الإنسان عندما يخيب أمله، أو عندما يرسب في امتحان نهائيّ حاسم، أو عندما يتمزّق ثوب له ذكريات وتاريخ، أو عندما يفقد ألبوم صور الطفولة.
لم يكن حزنًا مفاجئًا بل تسلّل على مهل كضباب خريفيّ. ولم يكن حزنًا عاصفًا بل كان رقيقًا كبرقع عروس، ولم يكن حزنًا بغيضًا بل بدا كأنّه صديق حميم انتبهت فجأة إلى وجوده منذ زمن لا أعرف بدايته.
وصار الحزن صديقي فعلًا.
ليس الحزن المتشائم، ولا الحزن المدمّر، بل هو أقرب ما يكون إلى حالة عميقة من الشوق والحنين إلى أزمنة مضت، إلى براءة ولّت، إلى طفولة انقضت، إلى أمكنة موجودة فقط في الذاكرة أو في صور عتيقة بالأبيض والأسود.
ولذلك فلم يكن من الممكن أن يكتشف الآخرون حزني الصديق لولا حديثي عنه. كأنّي أخبّئ علاقتي به، كأنّي لا أريد أن يكتشف أحد هذا النوع من الحزن النادر، فلا يظهر على وجهي ولا يفضحه صوتي ولا تهلن عنه تصرّفاتي.
ولذلك أيضًا، أكتب عنه. كأنّ الكلام الذي تنطق به الشفتان لن يكون معبّرًا وكافيًّا ولا تليق به إلّا الكتابة، إلّا الحفر في هيكل الروح، لا الدموع ولا استعادة الذكريات ولا التحسّر على ما كان يمكن أن يكون، بل كتابة نابعة من عمق الأعماق تتحدّث عن رجل لم يمحُ ما قبله من الرجال، ولن يمحو ما بعده منهم، عن رجل يعرفهم ويعرف عنهم لأنّه يعرفني جيّدًا.
أمشي في دروب الحياة اليوم، وفي رأسي أمور لم نقم بها. أقرأ الكتب بعينيّ وعينيه، قائلة في نفسي: هذا يشبهه، وهذه فكرة سبق أن قالها، وهذا كلام لا يعجبه، وهذه جملة لا شكّ في أنّها ستعلق في ذاكرته.
أسمّيه العابر، وكلّ الآخرين عابرون إلّاه.
أمشي وحيدة في شوارع المدينة التي يحبّها، فيطلع عليّ من بين جدرانها الحديثة تاريخها القديم، وأقول في نفسي هذه مدينة لا تحسن الاحتفاظ بأبنائها.
أنظر إلى الناس في الشوارع وأتساءل: هل بينكم من يشبهه؟ غير أنّي أعلم في قرارة نفسي أنّ صديقي الذي ترك المسافات تمتدّ بيننا، لا يشبه إلّا الرجل الذي أكتب عنه.
قد يظنّ البعض أنّ اشتياقي إليه هو اشتياق الجسد للجسد، المرأة إلى الرجل. لا شكّ أنّ فيه ذلك. غير أنّ فيه أيضًا الشوق إلى التفاصيل الصغيرة، تلك التي تصنع العلاقات الكبيرة. الشوق إلى مشهد يديه الجميلتين على مقود السيّارة، الشوق إلى أصابعه تلاعب شعري الأسود الطويل، إلى نظراتنا الخبيثة حين نلتقط في اللحظة ذاتها مشهدًا أو عبارة سيكونان بعد قليل موضوعًا لتعليقاتنا، إلى الهدايا التي أحبّ أن أفاجئه بها بلا موعد أو مناسبة، إلى الصمت حين نستمع إلى الموسيقى، إلى الغناء حين تحرّكنا الكلمات، إلى رغبتي في العبث بأغراض مكتبه وخزانته، إلى مداعبة شعيرات صدره من فتحة القميص، إلى أن أسمع من جديد حكايات عن طفولته ومراهقته.
الشوق إلى كلّ تفصيل من تلك اللوحة الرائعة التي كان اسمها "نحن الاثنان".

هناك 4 تعليقات:

Entrümpelung يقول...

Succès ... S'il vous plaît noter les nouveaux sujets toujours

عابدالقادر الفيتوري يقول...

كان هناك .. كان هنا .. ولم يترك سوى الحسرة والاسى .. ولا ادري أأعتب عليه ، ام على ماري التي لا تكف عن الشكوى . سلمت يداك .. دمتي بخير

ماري القصيفي يقول...

الشكوى لغير الله مذلّة يا صديقي... أنا أكتب أدبًا من واقع الحياة أكثره من وحي حيوات الآخرين... وهل تسمع حولك إلّا الشكوى؟
دمت بخير

Adel يقول...

لاأعرف هل أدين ذلك ألحزن أم أشكرة
أدينة لأنة سمح لنفسة أن يدنو من نسمة ألحب ألصافى صفاء ألنبع
أشكرة لأنة أفاض ذلك ألأحساس لنرتوى من عذب كلماتك
فى كلا ألحالتين كلماتك تحيينا أحبة للحياة وللحب ألذى تصورينة -دمت محبة