الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 4 مارس، 2017

بشارة كميل بو لحّود العائد جمرًا لا رمادًا

حين كانت الريحانيّة تسهر عند بيت بو لحّود

بشارة بو لحّود (بالبزّة البيضاء)

مرّة جديدة، تطوي الريحانيّة صفحة من ذاكرتها بغياب رجل عاش نصفٌ من كيانه فيها، وقضى النصف الآخر باحثًا عن دفئها في صقيع كندا. وكما أنّ من حياة تشبه سواها، كذلك فما من رحيل يشبه ما سبقه أو قد يشبه ما يليه... فموت إنسان ما موتُ ذاكرة وخلايا ومشاعر وأحاسيس لا يمكن أن تشبه سواها. وموت بشارة بو لحّود وجه من ميتات كثيرة تختبرها هذه البلدة العاجزة عن التمسّك بهويّتها وطبيعتها وناسها. قد تكون هذه حال بلدات ومدن كثيرة، لكن من قال أنّ تعميم الوضع يخفّف من وطأة آثاره؟
يوم اثنين الرماد، ومع بداية الصوم، استعدّ بشارة كميل بو لحّود لرحلة العودة من كندا رمادًا في وعاء، منهيًا بذلك مشوار غربته الطويل. فجأة، وحين علمت أمّي بالخبر، انتبهت إلى أنّ منزل بيت بو لحّود اختفى من أمام بيتنا حين حجبه عن العين بناء ضخم، حديث لكن قبيح ووقح. فخلُصت إلى أنّ الريحانيّة التي كانت تعرفها لم تعد موجودة، وحزنت كما لو انّ إمّ بشارة وأبا بشارة رحلا أيضًا الآن.
لا أذكر ظروف هجرة بشارة، بِكر العائلة الذي رحل باحثًا عن شيء ما، هاربًا من شيء ما، ولا أعرف إن كان ذلك الرجل قد نجا ممّا كان يهرب منه، أو عثر على ما كان يتوق إلى إيجاده. لكنّي أعرف أنّ الرجل الذي لم يتزوّج، ولم يترك خلفه ولدًا يضع زهرة على مدفنه، صار رمادًا ينذر بمصير مشابه ينتظر هذه الأرض التي يؤوب إليها... إن لم نتّعظ، نحن أهلَها وساكنيها.
قد لا تكون قصص المهاجرين كلّها حكايات عن الوحدة والصراع والعذاب وصولًا إلى الموت بين غرباء... بالتأكيد هناك نجاحات وحيوات ملؤها السعادة والأمان، لكن الأكيد أيضًا أنّ ثمّة قصصًا عن معاناة واحدة لها أكثر من وجه، معاناة التمزّق بين وطن هو عائلة وبيت ومدفن ينتظر تراب الجسد، وبلد يبيعك الأمان والضمان بميتة تشبه ملايين الميتات...
لم تكن الحياة في الريحانيّة سهلة ولا هانئة. لعلّ العكس هو الصحيح. لكن ثمّة خصوصيّة لها - قد تكون هي التي جعلتني ما أنا عليه - تدعوني للبكاء عليها مع كلّ موت. ولا أعرف كيف أصف هذه الخصوصيّة من دون أن أبدو كأنّني أبالغ أو أضفي لمسات شاعريّة بعيدة عن الواقع.
ولكن يمكنني أن أجزم بأنّ الريحانيّة بالنسبة إليّ هي مزيج من طبيعة وقصيدة وصلاة. لا يملك أهلوها الأراضي لكنّهم يعرفون قيمة الأرض، ليسوا شعراء معروفين لكنّهم يطربون للكلمة الحلوة، ليسوا قدّيسين لكنّهم لا يغيبون عن الكنيسة إيمانًا منهم بأنّ الطريق إلى السماء تمرّ عبر مذبحها. لذلك كانت الحياة فيها، على تواضعها، هانئة هادئة بطيئة الإيقاع حتّى الذين أتوا إليها مستأجرين بيوتها ذابوا في هذه الخصوصيّة حتى باتوا جزءًا منها. 
لكنّ الريحانيّة اليوم تُحتضر، وتموت شيئًا فشيئًا. تتناتشها تسميات أخرى، تذوب في كيانات جديدة، تُترك لمصيرها الغامض، فلا يبقى غير كنيسة مار الياس (التي لا صالة لها ولا منزل للكاهن قربها) مكانًا يكفي لاحتفالات صغيرة متواضعة، ويعجز عن استيعاب جمهور المناسبات الكبيرة. وإلى غير هذه الكنيسة، يتوجّه غدًا أبناء الريحانيّة لصلاة الجنّاز عن نفس بشارة كميل بو لحّود، العائد قلبه جمرًا تحت الرماد، جمرًا مشتعلًا بالحسرة على وطن غارق تحت جبال النفايات، وبلدة تختفي بيوتها الصغيرة تحت هيمنة الأبنية العالية المخالفة القوانين. فبشارة الذي نعرفه ليس كمشة رماد، ولا حفنة تراب، هو ابن عمّو "كميل" وتانت "نيني" اللذين لم يتأخّرا يومًا عن واجب أو يتقاعسان عن خدمة، هو ابن بيت مفتوح للضيف والسهر والطاولة الكريمة، هو شقيق أخوة وأخت لم يؤذوا شخصًا في حياتهم، هو جار لطيف المعشر، لا يُثقل على أحد، ولا يفرض نفسه على مضيف. يجمع المعلومات من حيث تتاح له، ويسهب في عرضها حين يجد نفسه محاطًا بجمع من المصغين، ويعرف متى يصمت وينكفئ.

غدًا، في القدّاس، سيكون إلى جانب كلّ منّا، وجه من وجوه الريحانية الغائبة خلف الغيم: من بيت بو لحّود، من بيت الحلو، من بيت القصّيفي، من بيت مشلب، من بيت غيّا، من بيت بو خليل، من بيت متّى، من بيت صوما، من بيت داود، من بيت حرب، من بيت كسرواني، من بيت يونس، من بيت كرم، وقرب المذبح سيكون هناك بو بشارة وإم بشارة وابنهما ميشال يستقبلون بشارة، وعمّه اسكندر يخدم القدّاس، فلا يبقى الرجل مغتربًا أو مهاجرًا أو وحيدًا... 

ليست هناك تعليقات: